الزهد ليس المقصود به التواضع في اللباس والتقشف في العيش وترك زينة الحياة الدنيا إنما نحتاج لأن نرتفع بالزهد الى معنى أعلى ومقصد أسنى، فالزهد الحقيقي هو زهد القلوب، بأن تكون الدنيا في اليد وليست في القلب ولذا قيل: الزاهد عمر بن عبدالعزيز رحمه الله وقيل قبل هذا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وذلك لأن الدنيا عرضت على كل واحد منهما فانصرف عنها، ونظر الى زينة الحياة الأخرى فكانت له نفس تواقه، تاقت الى الخلافة فبلغتها، ثم اشتاقت الى الجنة فركنت اليها، فكانت الجنة شغلهما الشاغل وهمهما الأكبر ومبلغ علمهما ومنتهى آمالهما. كما في الدعاء النبوي: اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا وقد روي أن اعرابياً سأل أهل البصرة: من سيدكم؟ قالوا: الحسن - أي الحسن البصري. قال: بم سادكم؟ قالوا: احتاج الناس الى علمه، واستغنى هو عن دينارهم قال: ما أحسن هذا. وورد عن شرحبيل بن مسلم: أن عثمان رضي الله عنه كان يطعم الناس طعام الامارة ويدخل بيته فيأكل الخل والزيت. وعن ابن جرير قال: استعملني عمر رضي الله عنه على الصدقة، فلما اديتها اليه أعطاني عمالتي فقلت: إنما عملت لله وأجرتي على الله قال: خذ ما اعطيتك، فإني عملت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني فقلت مثل قولك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا اعطيتك شيئاً من غير أن تسألني فكل وتصدق.

وهناك جبل من الزهد في قصة الصحابي الجليل سعيد بن عامر رضي الله عنه حين دخل على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا عمر أوصيك أن تخشى الله في الناس ولا تخشى الناس في الله وألا يخالف قولك فعلك فإن خير القول ما صدقه الفعل يا عمر، أقم وجهك لمن ولاك الله أمره من بعيد المسلمين وقريبهم، واحب لهم ما تحب لنفسك وأهل بيتك، واكره لهم ما تكره لنفسك وأهل بيتك وخض الغمرات الى الحق، ولا تخف في الله لومة لائم فقال عمر: ومن يستطيع ذلك يا سعيد؟ فقال: يستطيع رجل مثلك ممن ولاهم الله أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم وليس بينه وبين الله أحد. عند ذلك دعا عمر بن الخطاب سعيداً الى مساعدته وقال: يا سعيد إنا مولوك على أهل حمص، فقال: يا عمر نشدتك الله الا تفتني فغضب عمر وقال: ويحكم.. وضعتم هذا الأمر في عنقي ثم تخليتم عني.. والله لا أدعك، ثم ولاه على حمص وقال: ألا نفرض لك رزقاً؟ قال: وما أفعل به يا أمير المؤمنين فإن عطائي من بيت المال يزيد على حاجتي، ثم مضى الى حمص. وما هو إلا قليل حتى وفد على أمير المؤمنين بعض من يثق بهم من أهل حمص فقال لهم: اكتبوا لي أسماء فقرائكم حتى أسد حاجتهم فرفعوا كتاباً فإذا فيه: فلان وفلان، وسعيد بن عامر فقال: ومن سعيد بن عامر؟ فقالوا: أميرنا قال: أميركم فقير؟ قالوا: نعم، ووالله إنه لتمر عليه الأيام الطوال ولا يوقد في بيته نار فبكى عمر حتى بللت دموعه لحيته، ثم عمد الى ألف دينار فجعلها في صرة وقال: اقرؤوا عليه السلام مني، وقولوا له: بعث اليك أمير المؤمنين بهذا المال لتستعين به على قضاء حاجاتك، جاء الوفد لسعيد بالصرة فنظر اليها فإذا هي دنانير، فجعل يبعدها عنه وهو يقول: إنا لله وإنا اليه راجعون، كأنما نزلت به نازلة أو حل بساحته خطب، فهبت زوجته مذعورة وقالت: ما شأنك يا سعيد؟ أمات أمير المؤمنين؟ قال: بل أعظم من ذلك قالت: أأصيب المسلمون في وقعة؟ قال: بل أعظم من ذلك قالت: وما أعظم من ذلك؟ قال: دخلت علي الدنيا لتفسد آخرتي، وحلت الفتنة في بيتي قالت: تخلص منها وهي لا تدري من أمر الدنانير شيئاً قال: أوتعينيني على ذلك؟ قالت: نعم فأخذ الدنانير فجعلها في صرر ثم وزعها على فقراء المسلمين. فقيمة الدنيا لا تساوي شيئاً عند الزاهدين بل يخافون من الأموال ان تفتنهم في دينهم فما حال الناس في رمضان الذي يطلب فيه العبادة والتخلق بخلق الزهد في بيوتنا وأعمالنا؟

[email protected]