الزواج نهاية سعيدة لحلم الارتباط وبداية شرعية لكيان اجتماعي تقوم عليه المجتمعات هو الأسرة، ومثله مثل الكثير من الأمور، تعرض لتغيرات ومستحدثات، فظهرت أشكال جديدة من الزواج العصري، أحدثها ما يسمى بالمأذون الإلكتروني .

وفي ظل الأزمات الاقتصادية ثارت التساؤلات حول مستلزمات الزواج بما فيها المهر الذي يعتبر من أسس شرعية عقد القران ليطالب البعض بجعله رمزياً . في هذا الملف نستكشف بعض الآراء حول هذه الأمور ونتعرض للمدة الكافية للخطوبة .

عقود قران "أون لا ين"

"المأذون الإلكتروني" وسيط مجهول

بعد أن لعبت الشبكة العنكبوتية دور الخاطبة الإلكترونية، وسهّلت التعارف بين الجنسين عن طريق غرف المحادثات والمنتديات، لم تتوقف عند هذا الحد، وآخر ما قدمته هو المأذون الإلكتروني موفرة كل الإمكانات لإتمام الارتباط، بداية من التعارف والتوافق والاتفاق وحتى إتمام الزواج وإعلان الطرفين زوجاً وزوجة بموجب عقد الزواج الإلكتروني .

ورغم غرابة الفكرة فإنها كغيرها من الأفكار العصرية وجدت مريديها، ولاقت إقبالاً من الراغبين في اختصار الوقت والمسافات، ولكن التساؤل هو إلى أي مدى تأخذنا التكنولوجيا؟ وهل هذا النموذج مقبول في ارتباط له قدسيته وعقد له آثاره الخطيرة؟ وإلى أي حد يتقبله المجتمع وما هو وضعه الشرعي والقانوني؟

أشرف البنا، مشرف مبيعات بشركة لمواد البناء، شاب من هواة تصفح الإنترنت، يتحدث عن رد فعله وإحساسه عندما شاهد المواقع التي توفر خدمة المأذون الإلكتروني قائلاً:

صادف أن دخلت أكثر من موقع يعرض هذه الخدمة كما يسمونها، ودهشت منها، فلم أتصور أن هناك مَن يقبل الارتباط بهذه الطريقة سواء الفتاة أو أسرتها، وتخيلت لو أن شقيقتي ارتبطت بهذه الطريقة فوجدت بداخلي رفضاً شديداً لها، وحتى أنا نفسي لا أقبل أن أتزوج بها، ولكن من الواضح أن هذه المواقع تعمل، بدليل استمرارها في تقديم خدمة المأذون الإلكتروني، وأنها أيضاً تفرض رسوماً على مستخدميها، ولكني لم أستطع أن استوعب الظروف التي تجعل البعض يلجأون إليها .

سلمى علي، خريجة كلية تقنية عليا، تحدثت عن ما شاهدته في عدد من المواقع الإلكترونية التي تقول إنها تفرض نفسها على المتصفحين قائلة: شاهدت هذه المواقع وإن كنت لم أذهب إليها، ولكنها تظهر فجأة على الشاشة أثناء تصفحي مواقع أخرى أهتم بها، وهي متنوعة في أسلوبها، وإن كانت كلها تعرض خدمة المأذون الإلكتروني وتعرض نموذج وثيقة زواج للراغبين في الارتباط، وأعتقد أنها مصممة مثل وثيقة عقد القران المعروفة ولها الخانات نفسها، وأنا شخصياً اعتبر ذلك تهريجاً واستحفافاً، وأي فتاة أو حتى شاب يقبل على نفسه الارتباط بهذه الطريقة هو بالتأكيد لا يحترم هذه العلاقة ولا يعرف قيمتها، ولا يحترم الفتاة نفسها، لأنه لا يقبلها على شقيقته، وبالتأكيد هي علاقة فاشلة .

بدأ محمد عمر، محاسب، كلامه قائلاً: هذه المواقع الإلكترونية تقدم تسهيلات غريبة لعملية الزواج عن طريق ما يسمى بالمأذون الإلكتروني، فكما قرأت في إحداها كانت الخطوات عبارة عن أن تكتب الفتاة زوجتك نفسي، ويجيب الشاب قبلت زواجك ثم ترسل الصفحة عبر البريد الإلكتروني إلى شاهدين من الأصدقاء فيوقعان على العقد، ويتم الزواج الإلكتروني! وألاحظ أن هذه المواقع تزيد يوماً بعد يوم، وأنا لست معها كلياً، ولا أرفضها كلياً، فقد تكون مفيدة في بعض الظروف، وتسهل الأمور من منطق أن العقد إثبات للزواج فما المانع أن يتم بأية صورة، وأن نستخدم التكنولوجيا في تسهيله، إذا كانت باقي الجوانب سوف تتوافر في الإشهار ورضا الأهل وغيرها؟

ويقول يوسف نعيم، مراجع مالي: هذه النوعية من المواقع مسمومة، وتستخف بكل شيء من أجل الكسب، حتى لو على حساب كل القيم والتقاليد، وخطورتها أنها تلعب بعقول الشباب الذين ليس لديهم خبرة وتسهل عليهم أموراً هم غير مؤهلين لتحمل مسؤوليتها، وأي فتاة تنخدع بهذه التقاليع تجني على نفسها .

صديقه رامي خليل، مهندس إلكترونيات، قال: هذه المواقع خطرة وإذا لم تنتبه إليها الجهات المختصة وتقاومها، على الأقل بتوعية الشباب، فسوف تؤدي إلى مآس اجتماعية للعائلات، لأن الشباب مرحلة اندفاع ومن الممكن أن ينساق خلفها من دون دراسة العواقب، خاصة أنها تختصر عليه الكثير من الأعباء، فمواقع المأذون الإلكتروني هذه تعرض عقد زواج جاهزاً من دون التزامات، وليس مطلوباً سوى تسديد الرسوم المقررة من خلال بطاقات الائتمان، وحتى مسألة الشهود وجدوا لها حلاً، فيرسل العقد الموقع من الطرفين عن طريق الإيميل إلى اثنين من المعارف ليوقعا عليه، وهكذا يكون العقد مكتملاً كما تدعي هذه المواقع، على عكس الحقيقة، لأن هناك أركاناً كثيرة غير متوافرة فيه ما يبطله .

وعندما سألناه: هل تحترم فتاة قبلت الزواج بك بموجب عقد إلكتروني؟ قال: حتى لو تزوجتها لا أعتقد أني سوف أستمر معها، لأنها لم تحترم أهلها ورخصت نفسها، فنحن لدينا تقاليدنا وأنا أحب قبل أن أتزوج بها أن أصطحب أهلي إلى بيت أسرة العروس وأطلب يدها منهم ويتم الأمر كما اعتدنا في مجتمعنا، وكما أمرنا ديننا وهذا هو الزواج الذي يستمر لأنه يتم وفق الأصول .

وكما يرفض الشاب الارتباط بهذه الطريقة، ترفضه الفتاة أيضاً، فعندما سألنا غادة شعراني، حاصلة على الثانوية العامة، هل تقبل الزواج بهذه الطريقة كانت إجابتها: مستحيل طبعاً، أنا لا أقبل وأسرتي لن تقبل والمجتمع كله يرفض هذه الأمور الدخيلة علينا وليست منا ولا تخصنا، ولكنها تقليعات غربية مرفوضة لا يصلح تطبيقها في مجتمعنا، ولا تتناسب مع تقاليدنا، وأكيد أي فتاة تحترم نفسها وأهلها لن تقبل هذه الإهانة .

سامي عبدالمنعم، باحث اجتماعي، تحدث عما أسماه مستحدثات التكنولوجيا وآثارها الاجتماعية قائلاً: هذه الصور من الأمور المتوقعة في ظل الانفتاح التكنولوجي الذي سهّل انتقال التجارب والأفكار بلا قيود مهما كانت غرابتها، وعلى الرغم من أن هذه المواقع بينها ما يقدم هذه الخدمات باللغة العربية فإن الفكرة مستوردة، سعى البعض لتقليدها للربح المادي منها، من دون الالتفات لأي اعتبارات أخرى، وما يؤكد هذا أن مواقع المأذون أو العقد الإلكتروني ظهرت باللغة العربية منذ فترة بسيطة، ولكنها موجودة في أوروبا وأمريكا منذ سنوات وعدد الذين تزوجوا عبرها بلغ ملايين . وبعض الدول تعترف بالزواج الإلكتروني وتمنحه الشرعية، ولكن إذا كانت هذه الأمور تناسب غيرنا فعلينا أن نفكر جيداً هل تناسبنا؟ فنحن مجتمعات لها تقاليدها وأعرافها والزواج في المجتمعات الشرقية له قدسيته وطقوسه التي يقبلها المجتمع والشرع والقانون، ولكن المخاوف من مثل هذه المواقع أنها من الممكن مع الوقت أن تؤدي إلى مفاهيم خاصة، في ظل ما يحيط بنا من معوقات اقتصادية واجتماعية، ما يجعلهم عرضة لتقبل هذه الأفكار والانسياق وراءها لتحقيق رغباتهم بوسائل سهلة، ولكن العواقب لن تكون محمودة لأنها حلول غير واقعية وإذا كنا لن نستطيع الوقوف أمام تسرب هذه المواقع إلينا، فعلى الأقل علينا أن ننتبه ونوفر التوعية اللازمة للشباب نحو خطورة هذه المواقع التي لا تناسبنا .

وإذا كان الرفض الاجتماعي هو رأي الأغلبية، فالسؤال هنا ما الوضع الشرعي والقانوني لعقود الزواج الإلكترونية؟ يجيب د . علي ناصر رجب، أستاذ الشريعة قائلاً: للزواج ضوابط وأركان، لهذا لا يوجد شيء اسمه الزواج الإلكتروني، وهذا أمر غير جائز شرعاً ولا يصح ولا يقره الإسلام، لأن صحة عقد الزواج لها شروط، فالعقد لابد أن يتم في مجلس العقد أي في وجود الطرفين والشهود وأمام مأذون شرعي، حتى يكون الزواج شرعياً وتترتب عليه آثاره الشرعية والقانونية، أما أن يتم عبر استمارة على الحاسوب فهذه موضة غربية ومستحدثة لا يقرها الإسلام ولا يعدها زواجاً ولا تترتب عليه أية حقوق شرعية للمرأة أو الرجل، ويعد عبثاً بأعراض الناس، ويهدر قدسية الزواج ويتنافى مع تعاليم الإسلام، ولا يتفق مع شرع الله .

طلاق عبر إيميل

الزواج الإلكتروني بطبيعة الحال يفتح باب التطرق إلى الطلاق الإلكتروني لإنهاء العلاقة الزوجية بإيميل يرسله الزوج إلى زوجته يقول فيه أنت طالق فهل يقع الطلاق شرعاً؟ يقول د . أحمد المعلا أستاذ الفقه الإسلامي:

هذا طلاق غير جائز فوسائل الاتصال لا تصلح للطلاق، لأنه يجب أن يكون باللفظ في مواجهة الزوجة، ثم يتم توثيقه عند المأذوق، أو برسالة بخط يد الزوج نفسه للتأكد من شخصيته، أو أن ينطق الزوج بلفظ الطلاق أمام شهود، وأما الرسالة الإلكترونية فما هو الدليل على أن كاتبها هو الزوج؟ لذا فهي موضع شك وشبهة، ولا يصح أن تترتب عليها النتائج الخطرة للطلاق من هدم كيان أسرة، فيجب أن يكون الطلاق مؤكداً، وواضحاً وليس موضع شك، لأن الطلاق من الأمور الخطرة، والتي يجب أن نأخذ الحذر عند تناولها

أسر تعتبر تخفيضه إهانة

المهر "مزايدة" على شريكة الحياة

المبالغة في مهور الزواج قضية تثار كثيراً بين الشباب المقبل على إكمال نصف دينه، خاصة في هذا العصر الذي يصل مهر الفتاة إلى مبالغ خيالية تفوق إمكانات الغالبية من أبناء الجيل الجديد، والذين يستغيثون وينادون بتخفيف المهور والتيسير في متطلبات الزواج ليتمكنوا من تكوين أسر .

هذه القضية تقودنا إلى عدة تساؤلات، هل المهر يحدد قيمة العروس؟ وهل ارتفاع قيمته هي التي تضمن استمرار الحياة الزوجية والحرص عليها؟ لذا يغالي أغلب الأهالي في قيمته .

الإجابة عن هذه التساؤلات تستلزم الوقوف عند مفهوم المهر ومغزاه الحقيقي، خاصة في ظل وجود آباء تخلوا عن المبالغة في طلبه من منطلق قناعتهم أن سعادة بناتهم ليست في قيمة المهر ولكن في الاختيار السليم لشريك الحياة .

هذه القناعة هي التي دفعت المواطن (أ .ب) من إمارة الشارقة بالرغم من وضعه المادي الميسور أن يبر بقسمه بأن يكون مهر بناته نصف درهم لمن يتقدم له ويرضين دينه حتى تحول الأمر إلى قناعة لدى الأم والبنات في المنزل وضرب مثلاً في تسهيل الزواج للشباب عندما طلب مهراً نصف درهم مقدماً ومثله كمؤخر صداق لتزويج ابنته من أحد الشباب في مدينة خورفكان، وهو الأمر الذي أذهل أهل العريس والمأذون الذي عقد القران .

ويقول الأب: منذ سنوات كانت نيتي إلا أطلب مهراً في زواج بناتي وأن يقتصر الأمر على مبلغ رمزي لاقتناعي أن سعادة البنت مع من يصونها بدينه وأخلاقه وليس بماله وكنت حريصاً على الرجوع لابنتي والتأكد من أنها راضية بهذا المهر، وأعربت عن موافقتها صراحة بل وقالت إنها ستحتفظ بالنصف درهم لأبنائها في المستقبل ليعرفوا أن هذا المبلغ كان مهر أمهم .

المواطن سعيد بن خميس الشامسي من مدينة العين نموذج للآباء في تسهيل الزواج إذ وافق على تزويج بناته الثلاث بمهر درهم واحد لكل منهن وكان قدوة لشقيقه مفتاح الشامسي الذي قبل بتزويج ابنتيه مقابل مهر رمزي قدره ألف درهم، ويؤكد سعيد أن قبوله بهذا المهر كان امتثالاً لحديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير (رواه الترمذي) . وما فعلته وأخي كان سعياً منا إلى تخفيف أعباء الزواج وتكاليفه المرتفعة، اقتداء بسنن الرسول صلى الله عليه وسلم بتزويج البنات بمن ترضى خلقه ودينه لأن هذا هو الذي أطمئن على ابنتي معه لأنه سوف يصونها ويحسن معاملتها فالمال لا يضمن السعادة ولكن الأخلاق والدين هما اللذان يجب أن يحرص عليهما كل أب .

وكان المهر الذي تزوج به المواطن جاسم محمد سعيد الحمادي والذي قبل به والد عروسه نموذجاً للتيسير ويقول: المهر الذي تقدمت به لوالد زوجتي كان 40 ألف درهم إماراتي قيمة المقدم والمؤخر، عملاً بالقانون المحدد للمهر ولكنني وجدته يرفض المهر ويطلب مني تلاوة آيات من سورة يس كانت كفيلة باتمام عقد الزواج، وكانت هذه الآيات هي المهر الذي طلبه مني لتزويجي ابنته وقال لي إنه ارتضاني لابنته كرجل ويثق أنه سوف يصون ابنته ويحفظها وهذا أهم من المال .

وبالرغم من أن هذه النماذج تقدم مثالاً للأسر التي تيسر الزواج ولا تجعل المهر الكبير شرطاً لقبول تزويج بناتهم إلا أن الواقع العملي يشير إلى أن الغالبية تحدد مبالغ باهظة للمهور، ما يضع الشباب في ورطة ويعرض الفتيات للعنوسة .

وتتحدث ميرفت شعيب طبيبة تحاليل عن أهمية المهر المناسب من منطلق العادات الموروثة، ومؤكدة على أنها التقاليد قائلة: الأسرة تطلب المهر من المتقدم لطلب يد ابنتهم حسب مستواها لأن هذه تقاليد وعادات يراعى فيها نظرة المجتمع والأقارب والمعارف، فهذه الأمور لها أهمية في مجتمعنا، إضافة إلى أن المهر له أهمية لتجهيز الفتاة، لهذا يجب أن يكون مناسباً لتجهيزها حسب مستواها وحسب ما تعودت عليه في بيت أهلها .

صلاح منصف، موظف، أب لفتاة، قال عن تخفيف المهر أو جعله رمزياً: المهر من الضروريات، لأن الزواج يحتاج لتجهيز بيت الزوجية والأسرة مسؤولة عن هذا وواجبها أن تضمن لابنتها حياة مريحة في بيت مناسب، والعادة جرت أن يدفع العريس المهر لأسرة العروس لهذا الغرض . كما أن المهر من حق الفتاة ولا يمكن الاستغناء عنه، ولكني مع فكرة التيسير وعدم المبالغة على الشاب .

المهر المحترم

عبدالله سلمان، رجل أعمال، يقول من واقع تجربته كأب زوج ثلاثاً من بناته: المهر اللائق مهم ويجب أن يقدر الشاب الخطوة التي يقدم عليها ويعمل حسابها من كل النواحي، فهذا فيه احترام للأسرة التي يتقدم لنسبها، لذا تمسكت في زواج بناتي بالمهر المحترم لأني أعرف كرجل أن ذلك دليل على الجدية، والحمد لله أنا ميسور الحال ونيتي كانت تجهيز بناتي بالكامل، وقد فعلت، أما المهر فأودعته في البنك باسم كل منهن تتصرف فيه كما تشاء، لأن هذه هي الأصول والجذور والتمسك بها مهم .

وداد عبدالعاطي، أم لفتاتين، ترفض تبسيط المهر إلى درجة تجعله رمزياً قائلة: المهر له حكمة إلهية، وهو موجود في ديننا الإسلامي وفي نفس الوقت هذه هي الأصول التي عشنا عليها لسنوات، كما أن التمسك بمهر جيد يرفع شأن الفتاة عند زوجها، لأن الرجل إذا أخذها رخيصة سوف يستهين بها، وهذه حقائق تعلمناها من التجارب ولم تأت من الفراغ، إضافة إلى أن المهر هو الذي يمكن الأهل من تجهيز البنت بشكل جيد فلا يمكن ترك الأمر للشباب لأنهم لم يحسنوا التصرف مثل الأم مثلاً التي لديها خبرة وتستطيع أن تساعد ابنتها في تجهيز بيتها .

شباب وفتيات

إذا كان هذا هو رأي الجيل السابق الذي يمثل إلى التمسك بالتقاليد، فهل يختلف رأي الشباب والفتيات المقبلين على الزواج؟

ثناء علي، موظفة مبيعات بمحل للهدايا، تميل إلى رأي الكبار، وترى أن قيمة المهر من أساسيات الزواج المادية والمعنوية، قائلة: المهر بالإضافة إلى كونه من الضروريات لتجهيز أية فتاة مقبلة على الزواج له أهمية معنوية كبيرة، والتقليل من قيمته يهين البنت، وأنا لا أقبل أن يتقدم لي شاب للزواج ثم يصرح أنه لن يدفع المهر المناسب فأي فتاة من أسرة محترمة لن تقبل هذا وإذا قبلت فلن يقبل أهلها، كما أن المهر رغم أنه شيء مادي إلا أنه يعبر عن تقدير الشاب للفتاة وتمسكه بها، ولكن هذا ليس معناه أني لا يمكن أن أتفهم ظروف الشخص الذي يتقدم لي وأقبل بمهر معقول غير مبالغ فيه إذا كان المتقدم يستحق .

وتوافقها الرأي رودين سالم الحاصلة على بكالوريوس تجارة قائلة: لا أقبل إلا المهر المناسب لي حتى لو كان أهلي من الأغنياء ويستطيعون تجهيزي، لأن الرجل يجب أن يثبت أنه جدير بالمسؤولية، وجاد في فتح بيت، فكيف أتأكد من هذا وهو لم يقدم أبسط دليل على تقديره لمسؤولية بيت وحياة زوجية، ولم يكافح لتأسيس بيت زوجية لائق بمن يرغب أن تشاركه حياته .

سمر محمد، مصممة برامج جرافيك بشركة للدعاية، أبدت استعداداً لقبول فكرة الزواج من دون مهر في حالات تقول عنها: من الممكن إذا ارتبطت بشاب وتأكدت من شخصيته وجديته وحرصه على أن أكون متفهمة في هذا الجانب، ونتعاون سوياً في تجهيز بيتنا في حدود الإمكانات، فيشتري جزءاً من تجهيزات البيت وأكمل أنا الباقي، أو أن يكون لديه المسكن المناسب، المهم أن أشعر أنه جدير بالمسؤولية، ويقدر الحياة الزوجية لأن الأحوال المادية تتغير ولكن الأخلاق لا تتغير، وكم من الزيجات تمت بمهر خيالي ولم يضمن لها الاستمرار والعكس صحيح .

قوالب اجتماعية

ياسر حميدة، محاسب بشركة للتوريدات الفندقية، قال: العادات الاجتماعية هي التي تحكمنا في هذه الأمور، حتى لو حاولنا تغييرها فهذا أمر صعب وليس مقبولاً ولن تقبله أغلب الأسر إن لم تكن كلها، فأنا كشاب ليست لدي الجرأة على أن أتقدم لأي أسرة وأطلب يد إحدى بناتها دون أن أكون جاهزاً بالمهر اللائق، وأي اقتراح آخر كأن نبدأ في سكن بسيط مجهز مثلاً سوف يقابل ربما برد عنيف من الأسرة، لأن في مجتمعنا ما زالت هذه القوالب هي السائدة ومخالفتها مرفوضة .

حامد عبداللطيف، مهندس كهرباء، قال: أغلب الأسر تعتبر المهر من المظاهر، ويبالغون في قدره لهذا الهدف وليس للهدف الأساسي منه، وهذا خطأ ويمثل ضغطاً على الشباب، ولكن إذا أخذ بمعناه الحقيقي والهدف منه يمكن أن يكون من المتصور اتمام الزواج بمهر ميسر، ثم يقوم الشاب بتجهيز السكن بالتدريج ليكون سكن زوجية مناسباً يصون الفتاة، فساعتها لن يكون هناك حاجة للمبالغة، خاصة إذا كانت ظروف الشاب لا تسمح ولكنه جاد في هذه الخطوة .

ويوافقه محمود هاشم أن المهر تحول من هدفه الأساسي إلى وسيلة للتفاخر بين العائلات قائلاً: المهر وجد لاستخدامه في تجهيز بيت الزوجية في حدود إمكانات العريس وأهل العروس، ولكنه الآن يؤخذ على أنه وسيلة تفاخر بأن فلانة مهرها كذا ولهذا لا يتصور الناس أنه لا يمكن الاستغناء عنه لأنهم بعدوا عن الهدف منه من أجل المظاهر، ولكن ما المانع مثلاً إذا تقدمت كشاب لطلب يد فتاة للزواج بعد أن جهزت سكناً مناسباً للزوجية ورضيت به الفتاة فما الداعي للمهر الكبير هنا ما دام الهدف منه تحقق، ولكن أغلب الأسر للأسف ترفض هذا وتتمسك بالمهر المرتفع من أجل المظاهر .

البعض يفضلونها قصيرة

الخطوبة اختبار غير محدد المدة

البعض ينظر لفترة الخطوبة على أنها من أجمل الفترات التي تمهد للزواج وفرصة للتقارب والاستعداد للحياة الجديدة، والبعض ينظر لها كفترة اختبار تحدد التوافق بين الطرفين، وفي كل الأحوال هناك من يفضل أن تطول مدتها، وآخرون يرون أنها كلما قصرت كان ذلك أفضل، ولكل وجهة نظر مبرراتها كما ورد في هذه السطور .

تامر عبدالعزيز مراجع مالي قال: في رأيي فترة الخطوبة مهمة جداً، واعتبرها فترة استكشاف بين الطرفين خاصة إذا كان الزواج تقليدياً ولا توجد معرفة سابقة بينهما، فالخطوبة تمكن كل طرف من معرفة طباع الآخر وعيوبه أيضاً حتى يتوصلا معاً إلى ما يمكن التفاهم عليه أو تقويمه وما يمكن أن يتجاوزوه، حتى لا يكون هناك مفاجآت صادمة بعد الزواج، وفترة الخطوبة المناسبة من وجهة نظري لا تحسب بالزمن سواء طويلة أو قصيرة، ولكن يحسمها الشعور عندما يقتنع الطرفان أن الآخر هو الشخص المناسب له .

عماد غازي صاحب محل للملابس يرفض طول فترة الخطوبة ويقول: لست مع المط في فترة الخطوبة لذا حرصت عندما تقدمت لزوجتي أن يتم الزواج خلال ستة أشهر وهذا ما حدث لأنني مقتنع أن طول فترة الخطوبة قد تكون سبباً في فشل العلاقة، وجدت ذلك في زيجات لأشخاص أعرفهم، لأن الوقت الطويل للخطوبة يؤدي إلى الملل ولا أجد له مبرراً، فلو كان الهدف التعارف والاستعداد فعدة شهور كافية، ولكن أن تطول لسنوات كما أرى أحياناً فأعتقد أن فرحة الارتباط سوف تقل .

وعن المدة المثالية للخطوبة من وجهة نظرها تقول نوال شحاتة سكرتيرة تنفيذية: أنا مخطوبة منذ 4 أشهر وسوف يتم الزواج بعد 6 أشهر، لأن هذا كان الاتفاق منذ البداية بين أسرتي وخطيبي أن يتم الزواج خلال 10 أشهر وأنا مقتنعة بهذا لأن فترة الخطوبة تكون حلوة إذا كانت فترة قصيرة .

ياسمين خماسي طالبة بالسنة الثالثة في كلية الاتصال بجامعة الشارقة تؤيد قصر فترة الخطوبة، توافق على مدها إذا استدعت الظروف وتقول: أفضل أن تكون الخطوبة قصيرة، ولكن الظروف قد تستدعي أحياناً أن تطول، وهذا حدث لي فقد خُطبت، وأنا في الثانية بالجامعة وكان لابد من الانتظار حتى أنهي دراستي، وهذا سبب منطقي لإطالة فترة الخطوبة حتى أكون متفرغة لبيتي بعد التخرج .

شهيدة نواف 21 عاماً تقول: سنة مدة معقولة للخطوبة، وهذا ما أنوي اشتراطه على من أقبل الارتباط به، لأنها فترة مناسبة لتجهيز بيت الزوجية وإعداد مستلزمات العروس، وفي الوقت نفسه فرصة للتعارف بين الخطيبين ليكون بينهما ألفة تمهد للحياة الزوجية، وهي مدة كافية لهذا الغرض، وأكثر من ذلك اعتبره تطويلاً يؤثر سلباً على العلاقة، وهذا ما لمسته من واقع تجارب رأيتها كان التطويل في وقت الخطبة سبباً في إلغاء مشروع الزواج نفسه .

محمد إسماعيل موظف بشرطة الشارقة غير مقتنع بما يسمى بفترة الخطوبة ويقول: أنا أرى أن الخطوبة لا لزوم لها وأنا تزوجت مباشرة من دونها وزواجي ناجح وعلى خير ما يرام، ورأيي أن من يرغب في الارتباط يتقدم ويتم عقد القرآن ثم يبدأ بالتجهيز في أقصر مدة ممكنة لتأسيس بيته، وهذه هي التقاليد والعادات التي كانت تتم في زمن أجدادنا، وكانت الزيجات تنجح وتعمر من الخطوبة .

إسلام يوسف متخرج من جامعة الشارقة يقول: بعض الحالات تستدعي إطالة فترة الخطوبة مثل الظروف المادية مثلاً، أو أن أحد الطرفين يكمل دراسته، ولكنهما يريدان في الوقت نفسه إعلان ارتباطهما بالخطبة، وهذا حدث مع شقيقتي فهي خطبت لمدة عامين لأنها كانت تنهي دراستها ولهذا وافقت أسرتنا على مدة الخطبة الطويلة، وبعدها عقد قرانها، ولكن إذا لم يكن هناك الظرف الذي يستدعي التطويل، وتكون الأمور ميسرة فلا داعي للتطويل وتكفي فترة قصيرة للتعارف .

مازن العيساوي شيف من مؤيدي إعطاء الخطوبة حقها حتى وإن طالت ويقول: فترة الخطوبة مهمة جداً ويجب عدم تجاهلها لأنها الامتحان الحاسم لنجاح الحياة الزوجية من فشلها، ولهذا عندما أقرر الزواج سوف أحرص على أن تكون فترة الخطوبة كافية .

إيناس ضبو موظفة استقبال في أحد الفنادق تقول: لا أعتقد أن فترة الخطوبة مهما طالت سوف تؤكد التوافق بين الطرفين لأن الشخص لا يظهر على حقيقته الكاملة إلا بعد الزواج، ونحن جميعاً نتجمل في شكلنا وفي أسلوبنا أيضاً، ولهذا لن تتضح كل الأمور خلال فترة الخطوبة، وستبقى أشياء لن تُكتشف إلا بعد الزواج ولذلك لا داعي لأن تطول الخطبة، ويكتفى بفترة معقولة للاستعداد للزواج .

تخالفها الرأي سعاد حليم ربة بيت قائلة: مهما حاول أي طرف التمثيل فلن يتسطيع أن يواصل طوال الوقت وسوف يتخلى عن الحيطة وتظهر طبيعته الحقيقية في لحظة ما، ولكن المهم أن يكون الطرف الآخر من الذكاء ليلمح هذا، وليس معنى هذا الانفصال أو إلغاء الزواج، فقد اكتشف عيباً في خطيبي، ولكن أتقبله وأشعر بالقدرة على التعايش معه، كأن يكون عصبياً مثلاً، المهم أن أعرف ذلك قبل الزواج حتى أراجع نفسي وأعرف هل استطيع أن أتقبله أم لا بحرية كاملة، قبل أن يصبح أمراً واقعاً بعد الزواج .

توافقها الرأي فايزة غراب مدرسة بمدرسة المستبشرين بعجمان قائلة: هناك عيوب لابد من أخذ فرصة كافية لاكتشافها قبل الزواج، وفترة الخطوبة مخصصة لذلك، فأنا خطبت لمدة عام ثم أنهيت الخطوبة لأنني لمست أنه غير بار بأهله وهذا أمر لم أكن أكتشفه إلا من خلال الخطوبة .

أكرم جدو مترجم يرى أن الفترة المتوسطة للخطوبة أفضل ليتحقق الغرض منها ويقول: حتى تؤدي الخطوبة غرضها ويتعرف كل فرد على الآخر بشكل حقيقي أن يرتبطوا بخطوبة لمدة عام مثلاً لتكون أمامهما فرصة لتبادل الحوار والتعارف.

المدة لا تهم

د . منى عبدالرحيم اختصاصية علم الاجتماع تتحدث عن أهمية فترة الخطوبة، مشيرة إلى تأثير عامل الزمن عليها قائلة: الخطوبة فترة لها أهميتها عند اختيار شريك العمر، لكن مسألة المدة تختلف حسب الظروف والحالات والغرض من الخطبة فبعض الأوساط المحافظة مثلاً فيها خطبة، ولكن الغرض منها لا يتحقق لأنه لا يسمح بجلوس الخطيبين معاً، إنما الهدف منها إعلام المحيطين بأن الفتاة طلبت للزواج وإلزام للخاطب بمسؤوليات الإعداد لإتمام الزواج، فالخطبة هنا لم تؤد غرضها في جانب التعارف والتوافق، ولهذا لن تفرق مسألة المدة هنا، وعلى الجانب الآخر في بعض الأوساط للخطيبين بالالتقاء والتحدث أو حتى الخروج بمفردهما، فمسألة المدة هذه تحددها ظروفهم ومدى استعدادهم النفسي والمادي لبيت الزوجية، ولهذا ففترة الخطوبة الناجحة هي التي تتم من منطلق الكيف وليس الكم، وتحتاج إدراكاً من الطرفين وأن يعرف كل منهما أنها فرصة تعطى له ليتعرف على شخصية الطرف الآخر .