شبكة الإنترنت ليست أهلاً للثقة دائماً، فهي تحتوي على الكثير من الزيف والخداع والكذب، والقليل من الصدق . وواحدة من نتائج الاعتماد على الشبكة مشكلات الزواج الناجمة عن التعارف عبر الوسائط التكنولوجية الحديثة، من دون المعرفة الحقيقية على أرض الواقع، مما يؤدي إلى وقوع مفاجآت غير سارة للطرفين، نتيجة خداع طرف أو ثقة مفرطة من آخر .
السطور التالية تسلط الضوء على تجارب اعتمدت على الزواج الإلكتروني بعضها نجح والآخر فشل، وما بين الجانبين شيء مشترك هو حجم المفاجأة بعد الخروج من اللقاء الافتراضي إلى الواقع .
زكريا أرشيد، شاب في مقتبل العمر تزوج من فتاة تكبره بعد علاقة تعارف دامت 3 سنوات عبر الإنترنت، وبحسب رؤيته، فإن التعارف الإلكتروني وسيلة جيدة للاختيار من منطلق عقلي وليس عاطفياً وذلك لتوفير حد أدنى من فرص النجاح والاستمرار في الحياة الزوجية . ويقول: يحكم الناس على هذه التجارب بنظرة مستبقة ناتجة عن أقاويل تتردد هنا وهناك، ولا يقدمون أي أسباب منطقية لمعارضتهم، على الرغم من أن هذه التجارب قد تكون أكثر نجاحاً من التي تجري على الأرض، ومن الصحيح أن هناك تواجداً قوياً لعنصر المفاجأة لكنها ليست بالدرجة التي قد تؤدي لفشل العلاقة . وحول الصدمة التي تعرض لها بعد رؤية زوجته على الواقع، قال: لم تكن صدمة بمعنى الكلمة، بل مفاجأة صغيرة، ففي المحادثات الإلكترونية لم أكن أشعر بأنها تكبرني بالفعل، ولكن بعد أن سافرت لبلدها ورأيتها لأول مرة شعرت بذلك، لكن ظل هذا الشعور دفيناً في قلبي من دون أن أشارك أحداً به، فما هو أساسي كان واضحاً بالنسبة لي، لأني قررت الزواج بها لحسن أخلاقها ودينها .
أما زوجته ابتسام شاكر، فتضيف بدورها: حتى أنا لم أكن أؤمن بهذا النوع من التجارب أو الزواج، بسبب عدم وجود ضمانات كافية لمصداقية المعلومات التي يدلي بها كل طرف عن نفسه، وخاصة أننا نتقن الحديث عن إيجابياتنا أما السلبيات فليس من السهل على كل فرد توضيحها أو الحديث عنها بصراحة، وبالتالي فإن التعارف عن طريق الوسائط الرقمية قد يخلق صورة خيالية افتراضية لكل طرف لدى الآخر، لكن نجحنا في وضع الحقائق في نصابها وجعل هذا الموضوع يسير في طريقه السليم إلى أن تكلل بالزواج .
وتلفت إلى أن أكبر خطأ قد يقع فيه من تزوجوا بعد علاقة تعارف عن طريق الإنترنت، هو الدخول في مقارنات قبل الزواج وبعد، لأن تغير الإنسان طبيعي وهذا لا يعد تزييفاً كما يعتبره البعض . وحول المفاجأة التي صدمت بها تقول: لم أتفاجأ بأي شيء بعد أن تعارفنا وجهاً لوجه، ولكن حدث أن اكتشفت شيئاً آخر بعد شهور من الزواج، فأثناء محادثاتنا عبر الإنترنت كان يظهر لي جانباً من الطيبة في قلبه، ويصارحني في نفس الوقت بأنه عصبي جداً، ولكن تفاجأت بمدى عصبيته السريعة وتعامله الجدي مع مجريات الحياة، وهذا يجعلني أعيش في خوف دائم من ارتكاب خطأ قد يثير غضبه .
وبحسب فاتن محمود، صيدلانية، فإن المشكلة تحصل نتيجة فترة التعارف الوردي، سواء كان إلكترونياً أو واقعياً، لأن في هذه الفترة يحاول كلا الطرفين أن يظهر للآخر أفضل ما عنده، وعندما يوضعان على المحك ينكشف كل شيء وتقع الصدمة .
هذه النظرة تكونت لدى فاتن نتيجة تجربة فاشلة مرت بها صديقتها الحميمة التي تعرفت عبر فيس بوك على شاب مقيم في القاهرة بينما هي تقيم في الكويت ولم يلتقيا أبداً، وبعد فترة قصيرة من التعارف وتبادل الصور قرر الشاب الارتباط بها بحسب الأصول والأعراف الاجتماعية، وسريعاً بعد 3 أشهر جاءت الصدمة المدوية في قرار الزوجين الانفصال بعد تأكد فشل العلاقة، إذ اكتشف الزوجان أن ما كانا يقومان به على الإنترنت يختلف في طبيعته عن حياتهما معاً، والصورة الخيالية التي رسمها كل طرف للآخر ما هي إلا تأملات وأحلام عاطفية . وتشدد على أن المرأة كثيراً ما تكون ضحية حياة زوجية غير متكافئة مع رجل تزوجت به، وبنت عليه آمالاً كبيرة ثم خيبها، بعد أن تكشفت أنه كان يخفي عليها الكثير من الأمور السلبية .
رؤية فؤاد العلي، مستشار قانوني، قد تكاد تكون مقبولة للكثيرين عندما يتحدث عن أزمة المهاجرين العرب، ويقول: أنا متمسك بالعادات والأعراف الاجتماعية التي تربيت عليها، لذلك رفضت الارتباط بأجنبية خلال إقامتي في دولة أوروبية، ولذلك لم يكن أمامي إلا البحث عن فرصة للتعارف عن طريق الإنترنت .
ويضيف: قبل خمس سنوات وجدت من كنت أبحث عنها، والتمست فيها قبل الزواج أنها شابة طموحة ومهذبة وجادة في حياتها، وبعد الزواج وجدتها كذلك، ولكن صدمت في صفة لم أكن أتوقعها أبداً، وهي الكسل وكثرة تأجيل الأمور المهمة، وأحاول التعامل معها بروية وحكمة، فالأهم حصلت عليه، وهذا أكثر ما يعنيني . ويشير إلى أن عنصر المفاجأة موجود في معظم هذه العلاقات وبعضها قد تكون مرتفعة التكلفة، وهذا مرتبط بوعي الإنسان ومدى جديته في الارتباط المستقبلي وذكائه .
أما تجربة رائد سقد، صاحب ورشة، مع شبكة الإنترنت فكانت مختلفة بشكل مغاير . ويقول: بعض الأشخاص لا يرون عيوباً في بعض مشكلاتهم، فنجد الكثير منهم متصالحين مع أنفسهم وسعداء بهذه الحياة وهذا تحديداً ما حدث معي . ويضيف: عاداتنا وتقاليدنا تتطلب ألا أرتبط إلا بفتاة من مدينتي، وبحكم إقامتي في الإمارات والأوضاع المضطربة في سوريا، لم يتبق لي وسيلة في البحث إلا الإنترنت، ونجحت في الوصول إلى بعض العائلات المقيمة هنا أو في الأردن، وبعد عدة محاولات باءت بالفشل، تعرفت إلى فتاة فيها جميع المواصفات التي أبحث عنها، وبعد 6 أشهر من المحادثات الإلكترونية صارحتها برغبتي في الزواج فوافقت، وعندما جمعنا أو لقاء للتعارف المباشر، وقعت الصدمة ورفضتني بعد أن علمت أني مريض بدرجة بسيطة جداً من السكري . ويضيف: لم أقصد الخداع وإلا رفضت إخبارها بالحقيقة، ولم أتوقع أن يعكر هذا المرض تفكيرها لأنه ليس من الدرجة المزمنة، أدهشني عدم نضجها ففي الوقت الذي أبديت فيه اهتمامي بجوهرها وأخلاقها من خلال العشرة التي تكونت بيننا عن طريق المحادثة، أبدت هي اهتماماً بالشكل والظواهر .
رغم ما اتفقت عليه كل التجارب السابقة، فإنه ليس دائماً ما يصدم الإنسان على أرض الواقع يكون سلبياً، فقد يفاجأ بما هو إيجابي بشكل لم يتوقعه . وهذا ما حدث مع لؤي عصمت، مهندس فني، عندما قرر الاعتماد على نفسه في اختيار شريكة حياته، فتوجه إلى الإنترنت وأصبح يختبر فتاة بعد أخرى، إلى أن وجد من يبحث عنها ولأنها كانت تقيم في دولة أوروبية لم يستطع رؤيتها طوال 4 سنوات متتالية، اكتشف خلالها ما يخشاه معظم الرجال، ففتاته كانت تحب التسوق كثيراً وتقضي ساعات من وقتها في التبضع وملاحقة الموضة . ويقول: على الرغم من تخوفي من هذه العادة، قررت عدم الوقوف عندها كثيراً وإكمال المشوار، وبالمقارنة مع الصفات الإيجابية لم تكن تستحق أن أفشل العلاقة من أجل صفة واحدة سلبية . ويضيف: ما إن مضى على زواجنا عام واحد حتى بدأت باكتشاف محاسن جديدة في شخصيتها، وأن الصورة التي رسمتها عنها كفتاة مبذرة، لم تكن سوى انعكاس لصورة أخرى جميلة لفتاة مضحية ومقدرة لأبعد الحدود لظروف زوجها .
يؤكد د . إبراهيم سفر، خبير علم النفس الاجتماعي، أن المشكلة الحقيقية في التعارف الإلكتروني تتمثل في اصطناع الحب بين الطرفين، فلا يستطيع أحد أن يجزم بأن الطرف الآخر يحبه أو يتلاعب به، كما أن الصورة التي تكونت عن هذا الشخص عبر المحادثة لا تكون عنواناً لزواج ناجح . وبحسب سفر، ما يدفع الإنسان للاعتماد على هذه النوعية من العلاقات هو محاولة كل طرف التعرف إلى خبايا وحقائق الآخر، في حين يعتمد عليه البعض بشكل مؤقت للحصول على إعجاب متبادل سرعان ما ينتهي عندما تصبح العلاقة وكلمات الحب مكررة، أو كوسيلة لقتل الوقت نتيجة فراغ عاطفي، ونتيجة معظم هذه الدوافع هو الفشل باستثناء زيجات معدودة، لا تخلو هي الأخرى من المفاجآت التي تصل في بعض الأحيان إلى حد الصدمة، بسبب وجود فارق كبير بين الواقع والخيال، حيث لا يجد الشاب فتاته بنفس الأخلاق أو الجمال أو الالتزام السلوكي، والعكس صحيح .