في طريقك إلى منطقتي الساعدي وأم عرج اللتين تبتعدان 35 كيلومتراً جنوب مدينة رأس الخيمة، تشعر بأنك في رحلة مثيرة، لأن المنطقتين التابعتين لإمارة رأس الخيمة تتربعان بين الجبال المتوسطة الارتفاع وسط كثبان رملية تشكل عقداً ذهبياً من الطبيعة . وتمتاز المنطقتان المتجاورتان بعراقة أرضهما وأصالة أهلهما الطيبين طيبة الأرض والزرع والماء، وتشتهر أم عرج بوجود عين مياه كبريتية تتدفق طوال العام وكثرة أشجار النخيل والسمر والاشخر وكثرة مزارع الخضراوات والفواكه بأنواعها . كما تشتهر بوجود عدد قليل من بيوت العريش والآبار التي استخدمها السكان قديماً وهم من قبيلة الخواطر .
اعتمد أهالي المنطقتين في معيشتهم قديماً وبشكل أساسي على تربية الإبل والماشية وزراعة بعض أشجار النخيل وتجارة التمور والحطب وبعض منتجات الماشية من صوف وسمن وغيرها وذلك من خلال الرحلات التجارية إلى أسواق رأس الخيمة والشارقة ودبي .
الشيخ سلطان بن علي بن سيف الخاطري تحدث من منزله في منطقة الساعدي قائلاً: سكان منطقة الساعدي وأم عرج أهل بدواة كانوا في الماضي يعيشون في خيام الشعر وبيوت العريش المبنية من جريد وسعف النخيل واعتمدنا في معيشتنا في الماضي على ممارسة الحرف البدوية منها الرعي وجمع الحطب وأشياء أخرى .
وأضاف: عشنا في الماضي ظروفاً معيشية قاسية إلى أن انتقلنا عام 1976 إلى العيش الكريم في مساكن شعبية جديدة شيدها لنا المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والمغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمهما الله . وفي تلك الفترة تغيرت الحياة على أرض المنطقتين وانتقلنا إلى منازل مريحة وكبيرة غلب عليها الطابع المعماري الحديث وتوفرت كل الخدمات ولا أنسى المغفور له الشيخ صقر بن محمد القاسمي، رحمه الله، بما امتلك من الإنسانية والأخلاق الحميدة والعطاء من دون حدود .
ويوضح الخاطري ارتباط أهالي المنطقتين بعلاقات وطيدة منذ القدم رسخها الآباء والأجداد مع أهالي المناطق المجاورة لاسيما خلال رحلات التجارة إلى أسواق رأس الخيمة والشارقة ودبي .
ويؤكد الخاطري أن أبناء الساعدي وأم عرج والمناطق المجاورة مترابطون ومتعاونون ولايزالون يدفعون العينية، وهي مبلغ من المال يعطى للشخص المقبل على الزواج . كما يمتاز أبناء وأفراد قبيلة الخواطر بالشجاعة والإقدام، وكان لهم منذ القدم مشاركة فعالة في الحفاظ على البلاد وصونها كما تسود بينهم علاقات اجتماعية طيبة تمثل أصالة العربي ونبله .
الحاج راشد بن مطر بن سويدان الخاطري 80 عاماً يقول: اعتمد الأهالي قديماً في معيشتهم على رعي الإبل وتربيتها وتأجيرها لنقل المؤن والبضائع، كما اعتمدوا على تربية الأبقار والأغنام وكانوا يبيعون مواليدها وألبانها . وكان البعض يعتمد على النباتات البرية والحشائش التي كانت تنمو قريباً منهم ويقطعون الحطب لحرقه لإنتاج الفحم وبيعه هو والحطب فقد كان في الماضي الطلب كثيراً عليه من التجار في أسواق المدن . كما امتاز أهالي البادية التي تقع منطقتنا الساعدي وأم عرج بها قديماً بالمعرفة الجيدة بالطرقات والدروب والمنافذ، فقد فرضت عليهم ظروف الحياة ذلك للبحث عن الماء والطعام لهم ولمواشيهم .
وأشار إلى أنه كان لأهالي المنطقتين بالمناطق المجاورة علاقة قديمة وعرف عنهم الاعتزاز بالعادات والتقاليد فكانوا ولايزالون يتزاورون يومياً وكل فرد يطمئن على الآخر . ويقول من العادات والتقاليد القديمة في الزواج أن الشاب كان يتزوج بنت العم لأنه أولى بها والمهر كان ناقة وتسمى (صباحة وناقة ثانية للعروس خاصة بها، وكان العريس يدعو الجميع وتقام الأفراح وتنحر الإبل والأغنام وكانت تكاليف العرس في الماضي قليلة جداً . ويقول: إن حياة أهل الساعدي وأم عرج الاجتماعية ترتبط بحياتهم الاقتصادية وظروف البيئة الطبيعية التي يعايشونها حيث كانت حياتهم والمنازعات بسيطة وأسلوب حلها كان من دون تدخل أغراب . وكانت طوي الماء والعيون والمراعي مصدر الصراع بين القبائل قديماً .
ويؤكد أن مجتمع هذه المناطق منذ القدم ولايزال يحافظ على تقاليده وعاداته أشد المحافظة ويتمسك بمعتقداته الاجتماعية والدينية ويعيش متماسكاً . وعن دور المرأة في الماضي يقول الحاج عبيد بن محمد: كانت عماد المجتمع، فهي مربية الأبناء وركيز الأسرة وكان يقال إن المرأة هي عمود البيت ومازالت هي الظل الذي يستظل رب الأسرة به وهي السكن والراحة ومذللة الصعاب التي تعترض طريق الأسرة والرجل . ولعبت المرأة دوراً كبيراً في الماضي والحاضر ففي الماضي كانت تساعد الزوج في الزراعة ورعي الأغنام وكانت تقوم بكل أعمال المنزل، كما كانت تقوم بمزاولة بعض الصناعات التقليدية وصنع أدوات المنزل من سعف النخيل وصنع العديد من الملابس التقليدية للنساء وخياطة الملابس . وأضاف: جميع الأهالي كانوا يدركون أهمية العمل والسعي للحصول على الرزق الحلال والعيش الكريم وذلك بالقيام بجيمع الأعمال مثل رعي الإبل والماشية إضافة إلى جمع الحطب والتمور وبيعها في أسواق المدن المجاورة .
علي بن مطر بن راشد الخاطري: يقول تتميز المنطقتان بطبيعة صحراوية ساحرة لوجودهما بين الكثبان الرملية الذهبية والجبال المتوسطة الارتفاع كما تتميز بوجود العديد من الآبار الغنية بالمياه إضافة لوجود عين مياه كبريتية تتدفق منها الماء الحار على مدار أيام السنة في أم عرج . وأوضح أنه وسط الكثبان الرملية الهائلة يقيم بعض شباب القرية بيوت العريش سيراً على خطى أجدادهم، وأن الجميع يحرصون على المعيشة في تلك البيوت والعناية بها كما أن مشهد منطقتي الساعدي وأم عرج يجعل المرء يشعر بأن الرمال بحر لا نهاية له .
ويؤكد أن منطقتي أم عرج والساعدي يلخصان رومانسية الصحراء بأوديتهما القديمة الشبيهة بسطح القمر والتلال الرملية التي ترتفع فوق الأرض، لذلك يزور المنطقتين أعداد كبيرة من أبناء الدولة والأجانب خاصة في المناسبات والعطلات وذلك للمتمع بالمناظر الصحراوية الطبيعية وللاستجمام بمياه عين أم عرج الكبريتية .
نايف بن حمد الخاطري يقول: مياه الأمطار تجعل من الكثبان الرملية الذهبية في المنطقة ربيعاً مزداناً باللون الأخضر فتبهر المناظر وتريح النفس كما أن الزائر إلى المنطقة يشعر بالحيوية وصفاء الجو .
وأضاف: كوني أحد سكان المنطقتين أحس برفاهية العيش فيهما مع الأهل والأصدقاء رغم بساطتهما، وتشتهر منطقتا أم عرج والساعدي بكثرة أشجار السمر والأشخر البرية وكثرة آبار المياه العذبة إضافة لوجود عين مياه كبريتية بستخدمها الأهالي والزوار لعلاج الكثير من الأمراض .
ويؤكد أن المنطقتين شهدتا تحولات كبيرة بعد قيام الاتحاد في كل مجالات الحياة كما زاد اهتمام الحكومة بكل ما يخدم المواطن وزاد الاهتمام بالشباب .
راشد سلطان عبيد يقول: في الماضي كنا نحفظ القرآن ونتعلم الصلاة وأصول الدين من آبائنا وكنا نذهب إلى المطوع الذي كان يسكن في عريش في المنطقة المجاورة لمنطقة أم عرج وهي منطقة أذن وكان يحفظنا القرآن وأصول العقيدة الإسلامية وكل ما يلزم تعلمه لاستمرار الحياة والمحافظة على الدين والعادات والتقاليد .
وعن تسمية أم عرج، يقول: سميت المنطقة هذا الاسم نسبة لوجود طوي بئر ماء يسمى أم عرج وكان الناس حفروه بوسائل بدائية وبأيديهم وأثناء الحفر وجدوا جذر عرق شجرة في باطن الأرض اثناء الحفر فتركوه وأكملوا الحفر . أما منطقة الساعدي فتعرف منذ القدم بهذا الاسم ولا أحد يعرف أصله .
علي بن عيسى يقول: سكان منطقة الساعدي ومنطقة أم عرج أبناء قبيلة واحدة ويعيشون كأسرة تربطهم علاقات القربى والنسب والانتماء للأرض كما يتميزون بالأصالة والشجاعة والهدوء وصفاء النفوس ويحبون من يزورهم حتى أنهم يفضلونه على نفوسهم حسب العادات والتقاليد المتوارثة .
وأشار إلى أن المنطقتين تتميزان بالهدوء الشديد وبالأجواء الصحراوية الساحرة كما يتميز باعتدال مناخها على مدار أيام السنة وانعدام الرطوبة .
سلطان العرياني زائر لمنطقة أن عرج يقول: المنطقة تحظى بإقبال كبير من السياح والزوار طالبي الاستشفاء من الأمراض الجلدية والروماتيزم وأمراض المفاصل والظهر .
وأوضح سالم عبدالله الزيودي أنه بعد أول زيارة له لعين أم عرج الكبريتية وجد فيها ضالته خاصة أن مياهها تساعد على انبساط العضلات ما يجعل الدماء تتدفق إليها بطريقة سهلة كما تعمل على تنشيط أجهزة الجسم المختلفة . ويدعو الزيودي المصابين بالأمراض الجلدية وأمراض المفاصل والظهر إلى زيارة العين والاستحمام بمائها مرات عدة .
شفاء بالمجان
يقول الشيخ أحمد بن سلطان بن علي الخاطري، صاحب المزرعة التي تفجرت فيها عين الماء الكبريتية بمنطقة أم عرج: العين تفجرت في مزرعتي منذ نحو 4 سنوات بدرجة حرارة تصل لغاية 42 درجة مئوية وهي متاحة للجميع بلا مقابل من أجل كسب الأجر والثواب من الله عز وجل، وأصبحت هذه المياه سبباً لاستشفاء العديد من الأشخاص لأنها كبريتية تفيد في علاج أمراض الهيكل العظمي والتهابات الأعصاب والمفاصل المزمنة والروماتيزم وبعض الأمراض الجلدية والأكزيما وأمراض الجهازين العصبي والحركي . ويؤكد الخاطري أن عين أم عرج الكبريتية تحظى باهتمام كبير من طالبي الاستشفاء من داخل الدولة وخارجها، وعلى الرغم من الإغراءات التي قدمت لي لبيع المزرعة بملايين الدراهم، عزمت على تحويلها إلى مزار سياحي استشفائي لنيل الأجر .