يبدو أن النجاح الكبير الذي حصدته مسلسلات الست كوم منذ ظهورها خلال السنوات الأخيرة، وإعجاب الجمهور بها لقصر مدتها من جهة ولما تحتويه من كوميديا خفيفة نابعة من المواقف التي تصادف الأسر العربية بصفة يومية، دفع منتجي الدراما التلفزيونية للتوجه إلى هذه النوعية من الأعمال، وجاءت أول تجربة إماراتية من هذا النوع في مسلسل عجيب غريب بطولة أحمد الجسمي ومرعي الحليان وملاك الخالدي ورزيقة الطارش ومجموعة من النجوم، والذي عرض في رمضان، فضلاً عن عشرات التجارب العربية. ولعل تجربة الست كوم في مصر هي الرائدة ووصلت نسبة مشاهدته في رمضان 2008 إلى نحو 88،3% وفقاً لدراسة أجرتها كلية الإعلام في جامعة القاهرة.
فما أسباب انتشار هذه الظاهرة خصوصاً هذا العام؟ وهل كل ما يقدم يستوفي شروط الست كوم؟ وهل سيكون هو الشكل المعتمد لدراما المستقبل؟ سألنا عدداً من الممثلين والمخرجين والكتّاب في الإمارات الذين أكدوا بداية أنهم يشدون على يد الفنان أحمد الجسمي ويحيونه كونه أول من جازف بقبول التجربة وخاضها بكل جرأة وأبدع في تقديمها، وأبدوا آراءهم في الست كوم في هذا التحقيق:
المؤلف الإماراتي صالح كرامة قال: قلدنا لكننا لم نجد التقليد، ف الست كوم أمريكي الأصل وهم يجيدون صنعه، حتى أننا كمشاهدين عرب نفهمه جيداً، ونضحك على افيهاته خصوصاً المسلسل الشهير فريندز أو الأصدقاء حيث يجيدون توظيف الجمهور والمشاهد والتصفيق، علماً أن الست كوم الأمريكي أفضل من المسلسلات الدرامية الأمريكية السخيفة المطولة.
وأشار كرامة إلى أن الست كوم العربي عبارة عن تقليد غير متقن ودون دراسة حقيقية، وأنها موضة لن تلبث أن تنتهي مثل المسلسلات التركية والمكسيكية وغيرها.
وأضاف: كان من الممكن أن يصبح الست كوم شكلاً درامياً يعتمد على أغلب الأعمال الكوميدية، وذلك قبل 20 سنة مثلاً لمسايرته التطور العالمي حينها، ولكن بفضل حنكة المشاهد العربي وذكائه وتعدد الفضائيات فإن الفرق بين العمل الجيد والعمل الضعيف يظهر وينكشف التكرار والنمطية في الأعمال.
ويرى كرامة أن الفنان أحمد الجسمي يصر على أن يعمل بقوة وبطريقة صحيحة، حتى أنه بات من أفضل من يغتنمون الفرص ويخوضون التجارب الأولى مع شركته الإنتاجية، وذلك كونه خلوقاً وغيوراً على الدراما المحلية.
وحذر كرامة من أن يتكرر خوض التجارب بشكل يلغي البحث عن أفكار جديدة ويعرض الأعمال ل السلق، ورأى أن أي عمل من هذا النوع لن يستمر طويلاً، مؤكداً أن الوعي الجماهيري سيلفظه من اللحظة الأولى آجلاً أم عاجلاً، ومن الضروري أن يأخذ الست كوم شكل الكوميديا الرمزية والموضوعية والهادفة، خصوصاً أن جمهوره الأول هو الشباب.
أما الفنان سلطان النيادي فاعتبر أن عجيب غريب كأول ست كوم خليجي هو أفضل عمل فني شاهده، وذلك من عدة جوانب منها الحداثة والجدية والجرأة في الطرح الذي عودنا عليه جمال سالم مؤلف العمل. وأضاف: أحكم على العمل كمشاهد ليس كفنان، إذ نقع جميعاً في مطب كبير في تنصيب أنفسنا نقاداً للعمل والذي هو بالأساس رؤية علمية، في حين أن آراءنا الشخصية لا علاقة لها بالنقد. من هنا أرى أن إيجابيات عجيب غريب متعددة لأنه أول عمل إماراتي من نوعية الست كوم، فضلاً عن أنه وبحكم قربي من صناعه، أنجز في زمن قياسي بإمكانات محدودة، حيث جاء التكليف بالعمل متأخراً، وسط تردد من أغلب العاملين فيه على خوض التجربة. ولعل من أهم إيجابيات العمل هو جمعه بين اثنين من نجوم الإمارات أولهما أحمد الجسمي ممثلاً وجمال سالم مؤلفاً.
وعن مستقبل الست كوم أوضح النيادي أن ظهور شكل درامي جديد لا يلغي الآخر بل يضيف إليه ويخلق مائدة متنوعة أمام الجمهور الذواق.
الفنان بلال عبدالله أثنى على الست كوم وبالأخص التجربة المحلية قائلاً: التجربة الأولى التي تشعر معها بالاعتزاز، وأتمنى أن تتكرر وتتطرق لقضايا تمس الواقع وتناقشه بكل تفاصيله في نفس الوقت الذي تقدم فيه شكلاً جميلاً.
وأضاف: أجاد الجسمي وتلفزيون دبي في رسم صورة جميلة معبرة، وبحكم أن عمرنا الفني مازال صغيراً في الإمارات، فإن أي تجربة تعد تأسيساً لدراما المستقبل، علماً أن الست كوم هو نوع من الدراما الكوميدية نتنبأ له بمستقبل باهر ولدي مشروع لمسلسل ست كوم مع عدد من الفنانين الشباب أنفذه من خلال شركة إعلامية للإنتاج الدرامي العربي والخليجي تمتد أعمالها إلى مصر وسوريا، أعلن عن إطلاقها من خلال هذه السطور.
واعترف بلال بأن الست كوم العربي في مجمله يعاني من السطحية الواضحة والتفاهة في أحيان أخرى، وذلك بحكم أننا مازلنا في البداية.
واعتبر الفنان أحمد عبدالرزاق أن تجربة عجيب غريب تحسب للفنان أحمد الجسمي بوصفه صاحب أول ست كوم خليجي. وأضاف: المسلسل جيد فرض نفسه على خريطة رمضان لكنني أعتقد أن ضيق الوقت أثر فيه سلباً وكان من المفترض أن يتم الإعداد له وتصويره بهدوء واتقان.
وأعرب عبدالرزاق عن أمله في أن تتطور التجربة لاحقاً وتستفيد من الأخطاء الحالية.
وعن تجربته مع كوميديا الحلقات المنفصلة المتصلة قال عبدالرزاق إنه قدم شحمان ونحفان الشهير والذي مازال يعرض إلى اليوم، معتبراً أن 90% من العمل الذي قدمه يعتبر ست كوم وأن هناك تجارب ناجحة يمكن اقتباسها من الغرب، شرط أن تأخذ المفيد دون الاخلال بتقاليدنا وواقعنا الإماراتي. وتابع: هذا الواقع كنت ألمحه بين قضايا عجيب غريب.
وأضاف: لو كنت سأقدم ست كوم كوميدياً بالتأكيد لوضعت فيه بعض اللسعات الفنية والقضايا الشائكة، فضلاً عن أنه سيكون في شكله الأمثل وبحضور الجمهور، تماماً كما يقدمه الغرب.
وأشار إلى أن الضحك هو الهدف الأول من الست كوم الذي يتضمن اسقاطات، يمكن ملاحظتها بسهولة في عجيب غريب، وأن مونتاج الحلقات يعادل 30% من مونتاج نوعيات الدراما الأخرى ما يسهل صناعة دراما من هذا النوع رغم ذلك قلل عبدالرزاق من إمكانية أن يصبح الست كوم طفرة بل هو ظاهرة مؤقتة تنتهي بفعل غياب الجمهور داخل بلاتوه التصوير ولأن البعض يتصنع الضحك ويفتعله.
وقال الفنان مروان عبدالله صالح إن الست كوم إجمالاً يتميز عن غيره من الأعمال وهو مطروح محلياً وبقوة أولاً بفضل التصوير داخل الاستوديوهات الأمر الذي يقي فريق العمل من حرارة الصيف والتصوير في الأماكن المفتوحة، وهو ما ينعكس أيضاً على الإنتاج وقلة التكلفة مقارنة بالمسلسلات الأخرى، لا سيما أن الست كوم يعتمد على عدد قليل من الكاميرات والأثاث البسيط والديكورات السريعة.
وأضاف مروان: يحسب لأحمد الجسمي على المستوى المحلي ابتعاده عن المألوف بتبني التجربة الأولى بحلوها ومرها، وإن كان عجيب غريب غير كامل المواصفات وكان بإمكانه أن يكون أفضل من ذلك، ولعل المشكلة في ضيق الوقت وسرعة الإنجاز.
المخرج هاني الشيباني رأى أن عجيب غريب هو مسلسل ست كوم 100%، استمتع به الجميع وتابعوه وهو تجربة جيدة من حيث الطرح وبساطة الموضوع، وأضاف: ليس بالضرورة أن نقلد الشكل الغربي بالضبط، بل يمكن أن نتحدث عن مواقع التصوير المحدودة وعدد الشخصيات المحورية في العمل كعناصر تقارب بين اللون الغربي والعربي للست كوم.
واتفق الشيباني على أن اختيار الشخصيات كان موفقاً وخصوصاً مرعي الحليان وسعيد بتيجة.
كما أكد أن الست كوم نمط فني أجاد الإماراتيون صناعته، متوقعاً أن يأخذ مكانته في السنوات المقبلة، وأضاف: ليس خطأ أن نقلد في البداية وربما نجم عن التقليد فن آخر جديد يكون أفضل من التخمة الدرامية القائمة حالياً.
وكشف الشيباني عن أنه كان يعد ومعه المؤلف يوسف إبراهيم لست كوم بعنوان حلوين وأنهما قاما بتصوير حلقة نموذجية ومازال يشغلهما طريقة تنفيذها.
أما الفنان أحمد الأنصاري نجم الكوميديا الإماراتي فقال إن تجربة أول ست كوم خليجي جيدة، كانت تحتاج لمزيد من الوقت لتنضج، لكن يمكن وضعه في مصاف الأعمال الجيدة والمقبولة جماهيرياً.
وأضاف: التجربة تحتاج لبعض الوقت لتأخذ حقها، لذلك أتمنى أن تتكرر ويتم الإعداد لها بشكل جيد وقبل رمضان المقبل بوقت كاف كي يعطي فرصة أكبر للنصوص لكي تكتب بشكل أفضل، ولاختيار الممثلين بشكل جيد، وهو واجب الجهة المنتجة للعمل بالدرجة الأولى.
وأشار الأنصاري إلى أن النواقص الموجودة في العمل يمكن تداركها وهي موجودة في كل الأعمال العربية من نفس النوعية.
واعتبر الأنصاري أن المقارنة بين تجارب وليدة عربياً وتجارب غربية في الست كوم هي مقارنة حالمة، قائلاً: لم تصل الدراما العربية إلى المستوى الغربي، حيث فرق العمل المتكاملة واختيار الموضوعات بدقة توظف ضحكات الجمهور داخل بلاتوه التصوير بشكل جيد.
وأضاف: الأمر يحتاج إلى دراسة متكاملة وعمل استفتاءات لتبين مدى نجاح العمل بكل عناصره ليضع الفنانون والعاملون في الإنتاج الفني أيديهم على نقاط الضعف والقوة، معرباً عن أمله أن يتكرر الست كوم ليصبح دراما المستقبل، حتى وإن كان من المستحيل أن يلغي الأشكال الفنية الأخرى.
الفنانة أشجان تفرغت هذا العام لمتابعة رمضان لكنها قالت: لا أريد أن أنقل رأيي بصراحة، لأنه ربما ضايق بعضهم، فبعض الممثلين في عجيب غريب وظفوا بشكل خاطئ، لدرجة أنهم لم يقنعوني، ولم يجيدوا أدوارهم، ربما بسبب قلة خبرتهم في الكوميديا، أو ظهورهم في أعمال تراجيدية نجحوا فيها.
وأشارت إلى أنه بفعل ضغط الوقت يمكن تسمية العمل ب مسلسل الوقت الضائع، وأن الاستمرار في تبني التجربة مستقبلاً هو قرار يعود لمن عمل فيها، على ألا يستمر بنفس الطريقة. وأضافت: الكتابة جيدة لكن لم يعد للمخرج دور في الأعمال بل إن الكلمة العليا أصبحت للمنتج الذي عليه ألا يجامل على حساب العمل. وعن مستقبل الست كوم قالت: المشاهد ذكي لا يفضل التك أواي لا سيما أصحاب الذائقة الفنية الذين يريدون عملاً متكاملاً، ويفاجئك أحياناً أن العيايز لديهم الذائقة ويفقدون هذه الأعمال.
الدكتور حبيب غلوم لفت إلى أن إطلاق اسم العمل الأول على أي عمل لا بد أن تراعى فيه الدقة قائلاً: عجيب غريب يكفيه شرفاً أنه أول ست كوم إماراتي وهو جدير بالتحية لزملاء قدموا تجربة جديرة بالاهتمام، وإن كان هناك كلام عن الأفكار المطروحة والنصوص الضعيفة. وأضاف: ليس مطلوباً من العمل أن يجعل من الضحك هدفاً بحد ذاته، وألا يكون شعاره الضحك أولاً وأخيراً، بل ينبغي أن يكون الضحك رسالة بين السطور.
وحذر غلوم من أن التركيز على الضحك يفقد خصوصية الموضوعات وتميزها، ونجد أنفسنا أمام تشابه الأعمال.
وعن تكرار تجربة الست كوم قال: تعودنا على أن أي تجربة تنجح تليها تجارب، وعلى المستوى المحلي هناك الأعمال الكرتونية التي أصبحت متشابهة، ونخشى أن يتكرر الأمر مع الست كوم، وأتمنى أن يتضمن الطور الثاني من التجربة التجديد، ومن الضروري الابتعاد عن الشخوص المكررة، رغم أنه لا بأس من التوظيف الجيد إن اضطررنا للتكرار، مع ضرورة حضور الفكر ضمن هذه الأعمال.
المؤلف والسيناريست الإماراتي يوسف إبراهيم اعتبر أن الست كوم المصري تامر وشوقية هو الأول وهو الذي يستحق لقب مسلسل ست كوم بحق قائلاً: إنه ست كوم حقيقي بمشاركة جماهيرية داخل البلاتوه تظهر من خلال الضحكات المباشرة والتصفيق الموظف.
وتابع: لم يعجبني في راجل وست ستات سوى خفة ظل أشرف عبدالباقي، كما لم يعجبني الست كوم اللبناني بينما الغرب يعطي الست كوم نقطة أخرى وهي ست أوبرا أو أوبرا الصابون وهو نمط من المسرح الموظف للدراما التلفزيونية.
وأشار إبراهيم إلى أن أهم مواصفات مثل هذه الأعمال هو قيامها على طبقة واحدة توظف في كل حلقة فكرة جديدة بسيطة وسهلة، معتبراً أن تلك المواصفات تحققت في عمله الكوميدي حنة ورنة ما عدا تصويره، في أماكن خارجية، لافتاً إلى أن البعض لم يتقبل ذلك كون الناس يريدون أشياء مزلزلة. وأضاف: للأسف ليس لدينا ست كوم بمعناه الذي عهدناه من خلال الأعمال الغربية والأوروبية بشكل خاص.
ويتفق المخرج ياسر القرقاوي مع أن الست كوم أسلوب قديم يعود إلى ما قبل 20 سنة، وقال: هناك أعمال خليجية يكمن أن يطلق عليها نفس المصطلح الفني مثل أعمال الفنان الكويتي طارق العلي الذي قدم عدة مسلسلات من هذه النوعية ولكنها لم تجد الرواج كما وجدت الدراما التراجيدية العاطفية، معزياً ذلك إلى أن الجمهور الإماراتي خاصة والخليجي عموماً يحب هذا النمط الدرامي التراجيدي.
وأضاف: يميز الست كوم أنه خفيف وسريع، وهو ما أسقطه على العمل المحلي عجيب غريب وهو من أفضل هذه الأعمال في رمضان وذلك بفضل الأداء المتناغم للفنانين.
إلا أنه لفت إلى أن أبرز عيوب عجيب غريب هي نمطية الموضوعات وتكرارها فضلاً عن أن عمر الست كوم الفني قصير جداً لا يكاد يعرض إلا وينتهي في مدة أقصاها عامان بعكس الأعمال الدرامية الكاملة التي قد تتحول إلى مادة للدراسات الاجتماعية المختلفة.
وختم القرقاوي حديثه قائلاً: الست كوم تيك اواي خفيفة ولكنه بمذاق طيب.
انطلاقة عربية
جاءت فكرة الست كوم من الغرب، لكنها انطلقت عربياً من مصر قبل 4 سنوات عندما عرض مسلسل تامر وشوقية وبعده جاء راجل وست ستات وهما المسلسلان اللذان التف حولهما الجمهور لبساطة فكرتهما وسهولة تنفيذهما وخفة ظلهما، ثم تبعهما مسلسل العيادة.
وهذا العام عرض في رمضان 13 مسلسل ست كوم في مصر فقط، منها 10 مسلسلات جديدة مثل فؤش وبيت العائلة ونوسة وبسبوسة وعباس وإيناس وكفاتشينو وشريف ونص و6 ميدان التحرير وحرّمت يا بابا وغيرها.. إذ اتجه عدد كبير من المنتجين إلى إنتاج هذه النوعية من المسلسلات وزاد الإقبال عليها من الجمهور ولكل منهما أسبابه: الشركات تبحث عن مكسب أكبر بتكلفة أقل، والجمهور يبحث عن فكرة ظريفة كوميدية تخفف عنه متاعب الحياة، وهكذا تهيأت الظروف لنجاح الست كوم.