يعتبر كثيرون السد العالمي أهم مشروع تنموي نفذه الزعيم الراحل جمال عبدالناصر في مصر، ويصفونه بالإنجاز الذي يمثل منعطفاً مهماً في تاريخ علاقة الدولة المصرية بنهر النيل، ولولاه ما زادت الرقعة الزراعية ولأصبحت مصر عرضة للغرق .
ومع مرور السنوات، خاصة مع بروز الخلافات حول المشروعات المائية في دول حوض النيل، تتعزز قيمة هذا المشروع الذي جسد أيضاً قوة الإرادة المصرية في مواجهة القوى الكبرى في العالم حين البدء فيه .
كان السد العالي مشروعاً يتوج إدراك المصريين أهمية النيل منذ أقدم العصور، لذلك أقاموا مشروعات التخزين السنوي مثل خزاني أسوان وجبل الأولياء على النيل للتحكم في إيراد النهر المتغير، وأقيمت القناطر على النيل لتنظيم الري .
وكان التخزين السنوي علاجاً جزئياً لضبط النيل والسيطرة عليه، فإيراد النهر يختلف اختلافاً كبيراً من عام إلى آخر، إذ قد يصل إلى نحو 151 مليار متر مكعب أو يهبط إلى 42 مليار متر مكعب سنوياً .
وهذا التفاوت الكبير من عام لآخر يجعل الاعتماد على التخزين السنوي أمراً بالغ الخطورة، إذ يمكن أن يعرض الأراضي الزراعية للبوار، وذلك في السنوات ذات الإيراد المنخفض .
لذلك اتجه التفكير إلى إنشاء سد ضخم على النيل لتخزين المياه في السنوات ذات الإيراد العالي لاستخدامها في السنوات ذات الإيراد المنخفض . فكان إنشاء السد العالي أول مشروع للتخزين المستمر على مستوى دول الحوض ينفذ داخل الحدود المصرية .
ولأن مصر كانت في حاجة لزيادة الرقعة الزراعية لتقابل زيادة السكان، ولأن مياه النيل لم تكن تفي بحاجات الري، فكر مجلس قيادة ثورة يوليو/تموز 1925 في المشروع .
ضغوط استعمارية
وتقدم المهندس المصري اليوناني الأصل أدريان دانينوس إلى مجلس قيادة ثورة 1952 بمشروع لبناء سد ضخم عند أسوان لحجز فيضان النيل وتخزين مياهه وتوليد طاقة كهربائية منه .
وبناء على قرار المجلس، بدأت وزارة الأشغال العمومية (وزارة الري والموارد المائية حالياً) وسلاح المهندسين بالجيش ومجموعة منتقاة من اساتذة الجامعات الدراسات في 18 أكتوبر/تشرين الأول 1952 . واستقر الرأي على أن المشروع قادر على توفير احتياجات مصر المائية .
في أوائل العام 1954 تقدمت شركتان هندسيتان من ألمانيا بتصميم للمشروع راجعته لجنة دولية وأقرته في ديسمبر/كانون الأول 1954 .
طلبت مصر من البنك الدولي للإنشاء والتعمير تمويل المشروع، وبعد دراسات مستفيضة أقره فنياً واقتصادياً .
وفي ديسمبر/كانون الأول 1955 تقدم البنك الدولي بعرض لتقديم معونة بما يساوي ربع تكاليف إنشاء السد، لكنه سحب عرضه في 19 يوليو/تموز 1956 بسبب ضغوط القوى الاستعمارية .
وكان المشروع طرح على الولايات المتحدة وبريطانيا، علاوة على البنك الدولي للإنشاء والتعمير، الذي تملك فيه هاتان الدولتان صوتاً نافذاً .
وبسبب عدم التوصل إلى اتفاق سياسي بين الولايات المتحدة ومصر حول موضوع مبيعات السلاح، وقرار مصر الناجم عن ذلك بشراء الأسلحة من تشيكوسلوفاكيا، انسحبت الولايات المتحدة ومعها بريطانيا من الإسهام في المشروع في يوليو/تموز 1956 بعد أن رفضت مصر طلبهما بالإشراف الخارجي على اقتصادها، وجاء رد فعل مصر بتأميم قناة السويس في الشهر نفسه، وأعلنت انها ستستخدم عائداتها في تمويل بناء السد العالي، وفي اكتوبر .تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني 1956 تعرضت مصر للعدوان الثلاثي من إسرائيل وبريطانيا وفرنسا نتيجة قرار التأميم، وبعد ذلك بات تنفيذ إنشاء السد العالي، على المستويين السياسي والاقتصادي، مهمة عاجلة لحكومة عبدالناصر ساعده على تنفيذها الاتحاد السوفييتي في عهد نيكيتا خروتشوف، الذي حضر لاحقاً احتفالات افتتاح السد .
وفي ديسمبر/كانون الأول 1958 وقعت مصر والاتحاد السوفييتي وقتها اتفاقية يقرضها بمقتضاه 400 مليون روبل لتنفيذ المرحلة الأولى من السد .
وراجع الخبراء السوفييت في مايو/أيار 1959 تصميمات السد واقترحوا بعض التعديلات الطفيفة .
وفي ديسمبر/كانون الأول 1959 وقعت اتفاقية توزيع مياه خزان السد بين مصر والسودان .
تحقيق الحلم
بدأ العمل في تنفيذ المرحلة الأولى من السد في 9 يناير/كانون الثاني 1960 وشملت حفر قناة التحويل والأنفاق وتبطينها بالخرسانة المسلحة وصب أساسات محطة الكهرباء وبناء السد حتى منسوب 130 متراً .
وفي 27 أغسطس/آب 1960 وقعت مصر والاتحاد السوفييتي الاتفاقية الثانية لاقراضها 500 مليون روبل إضافة لتمويل المرحلة الثانية من السد .
وفي منتصف مايو/أيار 1964 حولت مياه النهر إلى قناة التحويل والانفاق وأقفل مجرى النيل وبدأ تخزين المياه بالبحيرة .
وشملت المرحلة الثانية الاستمرار في بناء جسم السد حتى نهايته واتمام بناء محطة الكهرباء تركيب التوربينات وتشغيلها مع إقامة محطات المحولات وخطوط نقل الكهرباء .
وانطلقت الشرارة الأولى من محطة كهرباء السد العالي في أكتوبر/تشرين الأول 1967 . وبدأ تخزين المياه بالكامل أمام السد العالي منذ العام 1968 . وفي منتصف يوليو/تموز 1970 اكتمل صرح المشروع .
وفي 15 يناير/كانون الثاني 1971 احتفلت مصر بافتتاح السد العالي . وأنشأت الحكومة المصرية هيئة إدارية خاصة للإشراف على المشروع، ونتيجة لأعمال البناء في السد هجر سكان النوبة الذين كانوا استقروا في المناطق الواقعة شمال السد وحول كوم أمبو، وحلت المشكلات الناجمة عن تعرض آثار أبو سمبل للغرق في البحيرة التي تقرر إنشاؤها خلف السد بمشاركة اليونسكو التي نظمت حملة عالمية لجمع الأموال اللازمة لرفع ثلاثة معابد كبيرة ونقل اثنان منها في أبو سمبل انتقلا في ،1968 ومعبد فيلة الذي أعيد افتتاحه في موقع جديد العام 1980 . وافتتح السد العالي رسمياً في 15 يناير/كانون الثاني ،1971 وأصبح يتقدم واحدة من أكبر الخزانات في العالم هي بحيرة ناصر، التي تغطي مساحة 2000 ميل مربع .
وصف السد
والسد العالي عبارة عن سد ركامي طوله عند القمة 1830 متراً منها 520 متراً بين ضفتي النيل ويمتد الباقي على هيئة جناحين على جانبي النهر . ويبلغ ارتفاع السد 111 متراً فوق منسوب قاع نهر النيل وعرضه عند القمة 40 متراً .
وتقع محطة الكهرباء على الضفة الشرقية للنيل معترضة مجرى قناة التحويل التي تنساب منها المياه إلى التوربينات من خلال ستة أنفاق مزودة ببوابات للتحكم في المياه إضافة إلى حواجز للأعشاب .
وتنتج محطة الكهرباء طاقة كهربائية تصل إلى 10 مليارات كيلووات ساعة سنوياً .
وتشكل المياه المحجورة أمام السد بحيرة صناعية هائلة طولها 500 كيلومتر ومتوسط عرضها 12 كيلومتراً، ولذلك تغطي النوبة المصرية بأكملها وجزءاً من النوبة السودانية .
وصمم السد العالي بحيث يكون اقصى منسوب للمياه المحجوزة أمامه 183 متراً، وتبلغ سعة البحيرة التخزينية عند هذا المنسوب 169 مليار متر مكعب منها 7 .89 مليار متر مكعب سعة التخزين التي تضمن متوسط تصرف سنوي يعادل 84 مليار متر مكعب موزعة بين مصر والسودان (5 .55 مليار متر للأولى و5 .28 مليار متر مكعب للثانية)، و7 .47 مليار متر مكعب سعة التخزين المخصصة للوقاية من الفيضانات .
وأقيم مفيض لتصريف مياه البحيرة إذا ارتفع منسوبها عن أقصى منسوب مقرر للتخزين وهو 183 متراً، ويقع هذا المفيض على بعد 2 كيلومتر غرب السد في منطقة بها منخفض طبيعي منحدر نحو مجرى النيل يسمح بمرور 200 مليون متر مكعب في اليوم .
وأضيف مفيض توشكى في نهاية العام 1981 لوقاية مصر من أخطار الفيضانات العالية وما يمكن أن يسببه إطلاق المياه بتصرفات كبيرة في مجرى النهر من تدمير للمنشآت المائية المقامة عليه، إذ تصرف المياه إذا زاد منسوبها أمام السد العالي عن 178 متراً من خلال مفيض توشكى إلى منخفض يقع في الصحراء الغربية جنوب السد العالي بنحو 250 كيلومتراً وهو منخفض توشكى .
ودخلت المياه إلى مفيض توشكى لأول مرة في 15 نوفمبر/تشرين الثاني 1996 بعد أن وصل منسوب المياه أمام السد العالي إلى 55 .178 متر .
ويعتبر السد العالي أعظم وأكبر مشروع في القرن العشرين من الناحية المعمارية والهندسية متفوقاً في ذلك على مشاريع عالمية عملاقة أخرى . وأقيم المشروع لحماية مصر من الفيضانات العالية التي كانت تغرق مساحات واسعة فيها أو تضيع هدراً في البحر المتوسط .
وحمى السد العالي مصر من كوارث الجفاف والمجاعات نتيجة للفيضانات المتعاقبة شحيحة الإيراد في الفترة من 1979 إلى ،1987 ففيها سحب ما يقرب من 70 مليار متر مكعب من المخزون ببحيرة السد العالي لتعويض العجز السنوي في الإيراد الطبيعي لنهر النيل .
ووقى السد مصر من أخطار الفيضانات العالية التي حدثت في الفترة من 1998 إلى ،2002 فلولا وجوده لحدثت كوارث ولتكبدت الدولة نفقات طائلة في مقاومة هذه الفيضانات وإزالة آثارها المدمرة .
ولعب السد العالي دوراً في التنمية الزراعية والصناعية حيث ساعد على استصلاح الأراضي وبالتالي زيادة الرقعة الزراعية، وتحويل الري الحوضي إلى مستديم وزيادة الإنتاج الزراعي، والتوسع في زراعة الأرز، وتوليد طاقة كهربائية تستخدم في إدارة المصانع وإنارة المدن والقرى، كما أن السد هو ضمان التشغيل الكامل المنتظم لمحطة خزان أسوان بتوفير منسوب ثابت على مدار السنة، وزيادة الثروة السمكية عن طريق بحيرة السد العالي، وتحسين الملاحة النهرية طوال العام .