حدد معجم المصطلحات المسرحية لصاحبه باتريس بافيس المسرح السردي على أنه مسرح يستعمل أدوات سردية وليست درامية مثل الروايات والأشعار ونصوص أخرى مختلفة لا تكون مبنية على أسس درامية، وهذا المسرح يعتمد على دور السارد كما قال بإقصاء السارد من المسرح الدرامي وحدد أدواره كمسؤول عن إخبار الجمهور شارحاً الأحداث مباشرة .
يضعنا هذا التعريف تواً أمام الفرق الكامن بين المسرح السردي والروائي، فإذا كان الأول يستجدي أدوات سردية أخرى كما جاء في التعريف، فآلية المسرح الدرامي الرئيسة هي الحوار الذي يعد عصب وجوهر الدراما، كما أسس لذلك التفكير الغربي في المسرح .
يضعنا التعريف كذلك أمام هامشية السردي، فمهمة السارد ليست ابتداع الحدث الآني وإنما مهمته الشرح والتعليق والتقديم، وهي العناصر نفسها التي استلهمها بريشت في سياق نقده لدرامية أرسطو، فوظيفة السارد من وظيفة الحكاية التي يجب أن تؤدي إلى ما يعيد البناء، بل إن المهمة المثلى للمسرح هي تفسير الحكاية في سياق بحث محموم عن وضع المتفرج في مجال السيطرة على الواقع المصور، هكذا إذن وفي سياق دراما التغيير التي أرساها المسرح الملحمي أصبح السارد/الراوي عند بريشت شخصية مركزية تضطلع بأدوار التكثيف والتفكيك وتشكيل وعي التلقي، ومن ثمة أمكن الحديث عن قصدية السرد، وهو الإطار الذي انتظمت داخله ومازالت مسرحيات عربية عدة نذكر منها مغامرة رأس المملوك جابر ل سعد الله ونوس، حيث وظف الراحل شخصية الحكواتي ضمن ما أسماه الرسائل المصطنعة لتحقيق حوار تحد من قيامه التقاليد المسرحية المبنية على الإلغاء، وكذا طبائع المتفرجين وموانعهم الداخلية .
بعد هذا التقديم دعونا نسائل هذا الحضور الطاغي لشخصية السارد أو الراوي في المتن المسرحي العربي لدرجة يكاد يكون فيها التمظهر الوحيد للسردي داخل هذا المتن، للمساءلة، دعونا نفكر أنه ليس هناك ما لا يمكن عرضه على خشبة المسرح وقبل ذلك فليس هناك ما لا يمكن كتابته مسرحياً .
ألا توجد إذن صيغ سردية أخرى تؤثث فضاءات المسرح المكتوب باللغة العربية؟
إنه تساؤل قد يقذف بنا إلى مهاوٍ سحيقة خصوصاً مع تدشين الأشكال المسرحية ما بعد الحديثة عودتها إلى جذور التشكل الأولى، وما يرافق هذا الإياب من ردم صريح وعلني أحياناً، وملتبس أحياناً أخرى لهوة الانفصال بين أجناس السرد الصريحة والدراما .
وحتى نكون إجرائيين أكثر، سنعرض للحضور السردي في المسرح الذي نكتبه أو نرغب في كتابته على الأرجح عبر دراسة مستويين مهمّين هما: الحامل والدلالة .
الأول يتشكل كتهيئة تعبيرية والثاني كطاقة من المعنى قابلة للكشف، ومن ثم اكتشاف الجماليات الممكنة إثر تعالق القصد والبنية، مقتنعين أن هذا التعالق الحار جداً، هو ما يميز الكتابة الدرامية، ويؤسس لكل جمالية محتملة .
من نصنا المسرحي الموسوم عطب سنختار من بين اللمعات السردية التي تخللته، نموذجاً سنعرض لتناميه الخطي أولاً، وبعد ذلك سنعمد إلى تقطيعه تقطيعاً بروبوياً من المتواليات والوظائف لكشف العلاقات المغيبة والغائبة بحثاً عن فائض المعنى، سيتيح لنا إذن، الانتقال من دراسة الحوامل إلى دراسة الدلالة، تتبع السيرورة السردية عبر النظر إلى الموضوع الرئيس من خلال استهداف موضوعات شتى، سيجعلنا هذا نبرهن على أن الدراما بما هي حكاية، هي اشتباك واع من الأحداث الصغيرة والكبيرة .
ينتصب السرد داخل النموذج موضوع الدراسة كدينامو التحريك الدرامي، وماكينة أساسية للإيصال والوصل داخل لعبة شبه مغلقة غير قابلة للانفراج تضطلع به شخوص المسرحية نفسها .
يقدم لنا النموذج الصوت السردي جوزيف ديوي الذي تقدمه لنا الإشارة المسرحية العامة على أنه عجوز إفريقي نزيل خيمة الأطباء، وتقدمه الإشارة المسرحية الآنية كونه يستعمل كرسياً متحركاً، يجتمع بالشخصية الرئيسة يوسف واكريم الجندي المغربي الذي انتقل إلى الكونغو الديمقراطية ضمن بعثة حفظ السلام في ساحة إفريقية قرب خيمة التطبيب .
ينهض الحوار في بداية المشهد بين الشخصيتين حول محور دلالي يتأسس على التضاد، ضداً على تشابه أسماء الشخصيتين، وضداً على الاعتبار، شيخ عجوز/جندي شاب، وهو ما يسند ضرورة السرد الدرامية، فالصوت السردي جوزيف ديوي يضطلع بوظيفة يمكن تسميتها ب وظيفة حالة، فهي شخصية بلا رغبات أكيدة أو لنقل إنها استنفدت طاقة الفعل والحراك، في المقابل هي تدفع بإصرار يوسف نحو وظيفة إنجازية، يقول هناك الكثير من الأشياء الممكن عملها حتى تبتعد عن هذا الجحيم المستعر، تظاهر بالمرض، افتعل الشجارات، اعص الأوامر . . في زمن الحرب كل شيء مباح الكذب وحتى الهرب .
إن اختيار السرد كحامل لمحور دلالي معين، هو اختيار عضوي واع، ينبثق من خلال دواعٍ درامية سابقة وأخرى لاحقة، فالصوت السردي جوزيف ديوي يرمي من خلال حكايته، ليس كما أشار المعنى الإخباري الصريح سأحكي لك حكاية، الجو رائق يغري بالحكي، وإنما يروم الإجهاز على مقاومة الطرف الآخر أو تغييب التضاد إذا استعملنا التوصيف السابق، وبالتالي إزالة الموانع أمام الوظيفة الإنجازية المرتقبة، ولتحقيق ذلك فهو يتوسل ببنية سردية داخلية (الحكاية الإفريقية) تنتمي إلى الزمان والمكان الدراميين، السرد يوصل خط الانتباه .
لنقترب من جانب آخر من العلاقة جوزيف/يوسف، إنها تنهض على أنقاض علاقة سابقة هي يوسف/شاندوراي (الفتاة الإفريقية التي اغتيل زوجها كارومي في الحرب) باستحضارها لعنصر محوري غائب وهو الزوجة، كما تعيد استحضار العنصر الدرامي الأساسي في المسرحية ككل (الحرب)، وتدفع به بقوة نحو واجهة الحدث مرة أخرى، إن فتنة إنتاج الدلالة تتأتى بخلخلة الحوامل ورجرجتها وجعلها تدخل في شبكة مستجدة ولا متناهية من العلاقات .
لكن، لماذا الحامل السردي الحكاية الإفريقية؟ لأن الأفكار يمكن أن تنتظم ليس فقط داخل صور عاطفية ملموسة تقريباً، ولكن وبشكل مفارق في صيغ مجردة، داخل علامات، هذا يعني أن الأفكار تحضر في متخيلنا كصور مفترضة، رموز، هيروغليفا . . كما يشير أناتولي فاسيليف المخرج الروسي المعروف .
ما يتكشف من وراء هذا القول هو أن المباشرة خيال ضعيف، وأن النص المسرحي هو مجال بوليفوني بامتياز أو فوضى منظمة على حد قول أنتونان أرتو .
متن الحكاية الإفريقية
إنها قصة امرأة صماء تلتقي رجلاً أصم يسألها عن خرفانه التي تاهت، واعداً إياهاً بإعطائها الخروف الأعرج الذي يوجد بين القطيع في حالة مساعدته، لم تفهم المرأة شيئاً وظنت أنه يسألها عن نهاية حقلها، تتبع الرجل الأصم إشارة المرأة وبواسطة مصادفة غريبة يعثر على خرفانه، عاد ليفي بوعده ويعطيها الخروف الأعرج، ظنت المرأة الصماء مرة أخرى أنه يتهمها بإلحاق الأذى بالخروف، فانبرت لتنفي التهمة عنها في حين ظن الرجل الأصم أنها تريد الخروف الأقرن على عكس ما وعدها به . اشتد الصراع بينهما فنقلاه إلى المحكمة حيث القاضي أصم بدوره، ظن القاضي أن الصراع عائلي محض عندما شاهد الأم تحمل طفلاً فوق ظهرها، نصح الزوجين بأن يبر أحدهما الآخر ولا يعودوا إليه في مثل هذه الخلافات المنزلية البسيطة . سمع الجمهور المتحلق حول المحكمة حكم القاضي فانفجر الكل بالضحك .
تنهض الحكاية على متواليتين مهمتين: المتوالية الأولى تتأسس على مجموعة من الوظائف هي عمل، بحث، استفسار ووعد، إشارة، بحث، لقاء وإهداء، رفض، خصام .
تنبئ الوظيفة الأولى والثانية عمل وبحث عن منحنين مختلفين يؤسسان لمحور دلالي مهم في التسلسل السردي للحكاية وهي وظيفة تضاد واختلاف الاهتمامات، فالمرأة الصماء تعمل في حقلها والرجل الأصم يبحث عن خرفانه التائهة، إنها وضعية افتتاح لوضعية استعصاء عامة، تعمل الوظيفة الثالثة استفسار ووعد على تأجيج التضاد وسوء الفهم والاختلاف والعودة الى نقطة البداية في انفراج مخادع لمسار الحكاية، حيث تعمل الوظيفة إشارة على تأجيل الصراع ولو إلى حين، في الوقت الذي تختط الوظيفة بحث مساراً درامياً آخر للحكاية عندما يعثر الرجل الأصم على خرفانه ومن ثمة العودة الى المرأة الصماء ومحاولة إهدائها الخروف الأعرج كما وعدها . إن الوظيفة رفض تؤجج التضاد للمرة الثانية، وهو تضاد غير قابل للتأجيل أو السكوت عنه، إنه تضاد يمس الملكية وتضاد لا يسمح بمواصلة الاختلاف، بل البحث عن حل عاجل، أي فك التضاد .
إلى هنا تستنفد العلاقة بين الصوتين السرديين امرأة صماء/ رجل أصم وظائفها، ببلوغ ذروة الصراع والاختلاف غير القابل للفك إلا بحضور طرف وسيط ثالث .
المتوالية الثانية: الذهاب إلى المحكمة، تتأسس على الوظائف التالية: دفاع، دفاع، حكم، ضحك .
لنشاهد أن الوظيفتين الأوليين متشابهتان عكس قرينتيهما في المتوالية الأولى، يدل هذا على قبول الشخصيتين الدخول في عالم اجتماعي محكم لا يخضع بالضرورة لمنطقهما المصلحي الفردي، ومن ثم وجب الامتثال لأحكام العالم الجديد .
في حين تعلن الوظيفة حكم عن انفراج التضاد، وهو انفراج مخادع لذلك، ينبئ بتوتر جديد لا تعلن عنه الحكاية بل تنبئ به فقط لأن الوساطة لم تتوجه الى جوهر التضاد، وهو ما يثير وظيفة الضحك، غير أنه ضحك كالبكاء، فنحن نضحك كي لا نبكي .
فائض المعنى
الحكاية بما هي قول فهي إمساك كذلك عن القول، حيث ينشأ فائض المعنى، للبحث عن المعنى المغيب سنكتفي بالإشارة لفكرة الصمم .
المشكلة التي تستنفرها الحكاية هي الصمم، صمم المرأة، صمم الرجل، صمم القاضي .
نحن أمام وضعية صمم متشعبة يستحيل معها التواصل، لنربط هذه البنية السردية بالخط الدرامي للمسرحية عموماً، أليست المشكلة هي مشكلة صمم بين شخوص المسرحية؟ أليست المسألة أن يوسف لم يستمع لكلام زوجته وأن أم سناء لم تستمع لنداء قلب ابنتها؟ وقبلهما ألم تكن العلاقة بين أم سناء وزوجها الكولونيل السابق المتوفى فاترة لعدم الاستماع الى بعضهما بعضاً؟ أوليست مشكلة الكولونيل الذي يحاول إغواء سناء ومن قبل أغوى والدتها هي أنه لا يتكلم مع زوجته أكثر من عشر دقائق في اليوم ولا يستمعان إلى بعضهما؟ أوليس الانخراط في الحروب وليد عدم تفاهم وإنصات؟
نحسب أن المسرح عملية سحرية بامتياز يقول أنتونان أرتو، لكن كيف السبيل إلى هذا السحر؟
إنه سؤال كبير تظهر من وراء ضرورته وصلابته النظرية هشاشة التشظي . يجب أن تنخرط الكتابة في عملية واعية من الهدم والبناء، فإذا كانت الكتابة هي الولوج إلى معبد يفرض علينا بغض النظر عن اللغة التي هي ملكنا بحق الإرث وبحتمية عضوية، قدراً من العادات وإيماناً ضمنياً . الكتابة هي إذن رغبة في هدم المعبد قبل بنائه، يعني هذا بالنسبة لنا القدرة على الكتابة المسرحية خارج طبقتيها النصيتين الحوار والإرشادات المسرحية، وخلق لغة ميتامسرحية ضمن كيمياء خاصة تتأسس على التعالق والاشتباك ومحاولة قول الأشياء بأشكال لا يمكن أن تقال إلا بها، إنها خصوصية المسرح الذي يبدو كبنية منغلقة تتماهى داخلها طبقة الشكل والمضمون، فالنص المسرحي هو نص موجه للعرض، موجه لخلق أثر مسرحي عند الآخر، موجه لخلق استجابات انفعالية وأخرى عقلية تأويلية . وربما يكون حوار الحامل والدلالة في المسرح أقرب إلى الفن التشكيلي، فوظيفة السند التشكيلي من وظيفة اللوحة الدلالية، وبتغيير الأسانيد تتغير الدلالات .
إن الشكل المسرحي على رغم أنه بنية منغلقة، فهو مطاطي بما يكفي لاستيعاب أشكال تعبيرية جديدة سردية على الأرجح، وهو ما يجعل منه مجالاً بوليفونياً بامتياز .
إن الاختيار السردي تنسجم بداخله الدواعي الدرامية والاستاتيقية، فالحكاية داخل المسرحية كما أسلفنا تشتغل كتجويف استعاري يشبه مرآة ويتجسد عبر حكي مصغر أو بنية داخل أخرى لإنعاش الحقل الدلالي والتكثيف الدرامي، وكذا فتح آفاق تأملية أكثر رحابة، بعبارة أخرى مكنتنا الحكاية المصغرة من النفخ في الحكاية الأم بتوفير معادلات درامية جديدة وتقابلات على مستوى الحدث والشخوص، وهي إسقاطات مبكرة على مستوى الحكاية الصغرى قبل أن تتفجر درامياً على مستوى الحكاية الكبرى، عندما نشاهد مثلاً في المشهد الأخير يوسف وهو يدخل على كرسي متحرك في صورة أيقونية سبق مشاهدتها، وهو ما يخلف إحساساً مراً بتكرار حدث أليم، فالمسرحية ذاكرة انفعالات لا تفتر ولا تهدأ .
نقلتنا الحكاية الإفريقية كذلك إلى أتموسفيرات جديدة تنتمي إلى عالم الخارج وهو ما شكّل انفراجاً في الاختيارات المكانية للمسرحية، حيث تدور كل المشاهد السابقة في أماكن تنتمي إلى الداخل، فنكون أمام البنية داخل - خارج - داخل، وهي بنية مثالية لرحلة متكاملة تستحضر تفاصيلها مع نهاية المسرحية حيث النهاية الحتمية للرحلة .
أتاح الأتموسفير الذي وفرته الحكاية إمكانية التجربة الإفريقية في عمقها أي . . انطلاقاً من كونها تجربة حاملة وناقلة للمعرفة .
خلاصة القول إنه إذا كان الحضور السردي داخل المسرح ما بعد الحديث حضوراً أكيداً رغم اختلاف درجاته وطرائفه، فلأنه مكن الكتابة المسرحية من أن تجترح لنفسها خطوطاً درامية جديدة أكثر انفتاحاً . ينبغي فقط أن يؤخذ بعين الاعتبار الوفاء لطبيعة المسرح وخصوصيته من حيث إنه حكاية دالة تنتفي داخلها الحدود بين الشكل والمضمون، وأن كل الجماليات المحتملة تتولد من عضوية العلاقة بين الطبقتين وتواري مفهوم الكاتب، تاركاً للشخوص مهمة إنتاج الدلالة .
من البحوث المقدمة إلى ورشة الإبداع العربي في الشارقة 2010