محمد أبوالفضل

عندما اندلعت المعارك في جنوب السودان، بين فريقي الرئيس سلفاكير، ونائبه الأول السابق رياك مشار، قبل نحو عامين، كانت هناك تقديرات تقول إن هذه حرب بدأت لتستمر مدة طويلة، حيث توافرت لها جملة من العوامل، التي نادراً ما تجتمع في مكان واحد، خلافات سياسية محتدمة، ونزاعات قبلية مستعرة، وميليشيات وأسلحة على كل شكل ولون، وتدخلات خارجية.

مع أنه تم توقيع اتفاق سلام نهائي بين الجانبين في 26 أغسطس/ آب الماضي، غير أن السلام لا يزال يتمايل، وهو ما يجعل من المقولة السابقة حقيقة ملموسة، أي أن الصراع بدأ ليبقى إلى أجل غير مسمى، فالبيئة التي اندلع فيها خصبة وملأى بالعوامل التي ساعدت، وسوف تساعد على استمراره مدة أطول، ويكفي أن انتهاك وقف إطلاق النار تجاوز ال 53 مرة حتى نهاية أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وهو ما يعني عدم وجود الرغبة الحقيقية لتثبيت السلام، حتى إن التهديدات والضغوط والرسائل والإشارات والتلميحات التي جاءت من أطراف متعددة فشلت في إجبار الطرفين على الرضوخ وتطبيق اتفاق السلام، الذي كانت ولادته المتعثرة إيذاناً بعدم التفاؤل بمستقبله.

المرحلة الأكثر وعورة

خلال أيام قليلة (يوم 23 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري) ستنتهي مرحلة قاتمة، لتبدأ المرحلة الانتقالية الأكثر وعورة، فقد نص اتفاق أديس أبابا للسلام، على الإعداد والتجهيز لانتخابات برلمانية ورئاسية خلال 30 شهراً من المرحلة الانتقالية، التي حدد لها أن تبدأ عقب مضي 90 يوماً من توقيع اتفاق السلام، وهو ما يتطلب ضرورة أن تكون اللبنات والقواعد الأساسية التي تنطلق بموجبها هذه المرحلة قد انتهت، بل جرى تثبيتها، وتجاوز جميع العقبات، التي ربما تعيق انطلاقها.

لكن الواقع يبدو حافلاً بالتحديات، ومملوءاً بالعقبات، لأن الاتفاق الذي بالغت بعض الأطراف في الاحتفال به، وهي تعلم أنه خرج بموجب مخاض عسير، دخل سلسلة من المطبات والمنحنيات والتعرجات، جعلته يترنح يساراً ويميناً، بصورة يصعب معها توقع أن يفضي إلى الأمن والاستقرار، وقبلهما وضع حد للحرب الأهلية البغيضة، التي فرضت على جنوب السودان أن تكون دولة فاشلة، بدلاً من أن تتحول لدولة مركزية في منطقة سمتها التوترات، حيث كانت الولايات المتحدة، التي ساندت بقوة عملية الانفصال، تراهن على الدور الإيجابي الذي يمكن أن تقوم به جوبا في شرق إفريقيا، كضابط لإيقاع إقليم، يعيش مرحلة مريرة من الاضطرابات والنزاعات.
على الصعيد السياسي، في الفترة التي تلت توقيع اتفاق أديس أبابا، ظهرت مجموعة من التوجهات والممارسات قللت من الفرصة الضيقة أصلاً للخروج بالاتفاق إلى بر الأمان، فالرئيس سلفاكير فاجأ الجميع قبل أسابيع بالإعلان عن عزمه تقسيم البلاد إلى 28 ولاية بدلاً من عشر ولايات، ما يشي بانهيار اتفاق السلام مباشرة، الذي وقع على أن ولايات الدولة عشر فقط، لها خصوصية مادية واجتماعية، وكل طرف من طرفي النزاع له حسابات تجاه كل ولاية.
بالتالي فإعادة التقسيم، سوف تفرض واقعاً مختلفاً عما جرى فيه اتفاق السلام، وإذا علمنا أن النية من إعادة التقسيم أصلاً ضم أقاليم وإخراج أخرى من الحدود النفطية، ومحاولة تركيز الثروة في أيدي قبيلة الدينكا (ينتمي لها كير) على حساب النوير (ينتمي لها مشار)، الذي يقطن قطاع كبير منهم في بعض الولايات الغنية بالنفط، لذلك كان هذا أول حجر كبير يلقى في أحد فروع النهر، الذي حسبه البعض هادئاً، لكن فوجئوا به هائجاً.
كما أعطى الرئيس سلفا كير إشارة البدء لأعضاء البرلمان للبحث في مسألة تعديل الدستور، ليمنح رئيس الجمهورية صلاحيات أكبر، استعداداً لمعركة كسر العظم التي من المنتظر أن يخوضها مع غريمه الجديد - القديم نائبه رياك مشار - ليستطيع تقليم أظافره قبل أن يستقوي عملياً بعودته مظفراً، ونجاحه في الجلوس على كرسيه مرة أخرى، الذي انتزعه منه سلفاكير من قبل، وكان الشرارة التي انطلقت منها المعارك الشرسة في مناطق مختلفة.
وبرغم أن الرئيس كير تمكن من تعديل الدستور مرتين من قبل، حيث أجل الانتخابات، ومدد مدة رئاسته، إلا أن المعارضة استعدت لدخول معركة قانونية وسياسية لوقف عملية التعديل، حيث تقدمت للمحكمة الدستورية بمذكرة لإحراج الرئيس، ووقف انتهاكاته المتكررة للقانون، ولا تزال هذه المعركة مستمرة، النجاح أو الفشل فيها، يمكن أن يكشف عن طبيعة الاتجاهات التي تتحكم في المرحلة المقبلة، فإذا كانت المعارك الحربية هدأت نسبياً، فإن المعارك السياسية أمامها شوط طويل، لا أحد يستطيع توقع مدتها، لأن المسافة الشاسعة بين الجانبين، تقلل من قيمة أي خطوات إيجابية، وتجعل ما يطفو على السطح من تفاؤل، مثل السراب الذي يحسبه الظمآن ماء.
على الصعيد الميداني، حدثت بعض التطورات الإيجابية، وأبرزها بدء انسحاب القوات الأوغندية التي دخلت جنوب السودان مع بداية الصراع، وحاربت إلى جوار قوات سلفا كير، وتمكنت من حسم معارك كثيرة لصالحها، وكانت أحد العناصر المهمة التي منعت انهيار القوات الحكومية أمام قوات وميليشيات المتمردين، التي يقودها رياك مشار، كما أخذت القوات الحكومية تتمركز مؤخراً بعيداً عن جوبا بنحو 25 كيلومتراً، وبقيت قوات محدودة لحماية مقر الرئيس ونائبه والأمن في العاصمة.
لكن هذه الخطوات، لا يزال ينظر إليها البعض بتوجس كبير، لأنها في ظل الالتباس الحاصل في مواقف كل طرف، يصعب الوثوق في استقرارها، ثم البناء عليها، فهي عرضة للانهيار في كل لحظة، لأن الاشتباكات تتجدد من حين لآخر، والحوارات الجارية بشأن الترتيبات الأمنية، ويشارك فيها ممثلون لكل من كير ومشار وأعضاء بارزين في الحركة الشعبية، لم تحقق المطلوب منها حتى الآن، حتى عودة مشار للعاصمة لم تتم، وتبدو محفوفة بالمخاطر، لأن الرجل لا يأمن على حياته في جوبا، وعملية وضع القوات الأمنية جرت بشكل معقد، نزعت منه جزءاً كبيراً من الميليشيات التي يحتمي بها.
حيال هذه الصورة المرتبكة، من الطبيعي أن يكون السلام في جنوب السودان مترنحاً بصورة مثيرة، ويدعو للقلق، وأن احتمالات العودة إلى المربع الأول، تفوق بمراحل احتمالات الانتقال للمربع التالي، مربع التفاهم والأمن والاستقرار والبناء، فطالما بقيت الحسابات الضيقة تتحكم في مفاصل الحل والعقد، فمن الصعوبة التعويل على اتفاق السلام، لأن الرشادة المطلوبة في مثل هذه الحالات غائبة.

وكل طرف يحاول الاستئثار بالمزايا النوعية التي تجعل يده هي الطولى على الآخر، الأمر الذي أدخل النزاع نفقاً مظلماً، قد لا تفلح معه المسكنات العلاجية التي تحقق بها قوى إقليمية اتفاق السلام، كلما شعرت بأن ترنحه يمكن أن يطرحه أرضاً.

من هنا، يمكن التوقف عند ثلاثة محددات رئيسية، الالتزام أو عدم الاعتداد بها سوف تكون له ضريبة، لن تدفعها دولة جنوب السودان بمفردها، ربما تتحمل تكاليفها دول مجاورة كثيرة، بعضها تتمنى ووقف الصراع، وبعضها تريد استمراره لأنه يمثل لها حالة من الارتياح.

المحدد الأول، إقرار الطرفين المتصالحين - المتخاصمين، أن العودة للحرب ونقض اتفاق السلام، يعني تكبد كليهما خسائر باهظة، وانسداد أفق الأمن في هذه الدولة الوليدة فترات طويلة، فهذه النوعية من الصراعات يصعب أن تنتهي بغالب ومغلوب، لكنها في معظم الحالات تنتهي بمغلوب ومغلوب، بالتالي فالابتعاد عن التفكير القبلي وسلوك الميليشيات هو المدخل الصحيح للخروج من الدائرة الجهنمية التي دخلها كير ومشار بإرادتهما.

المحدد الثاني، يتعلق بلجنة الوساطة الإفريقية، التي بذلت جهوداً مضنية، لكن المراقب لتصوراتها وتصرفاتها يشعر أحياناً بازدواجيتها، حيث تبدو مرجحة لكفة فريق على حساب آخر، لأنها من البداية رضخت لإرادة بعض القوى الفاعلة في هيئة الإيجاد، وأضحت مواقفها خاضعة لرؤى تتعارض مع مصالح دولة جنوب السودان، ولعل التدخل الأوغندي منذ البداية، تم التعامل معه باعتباره جزءاً من الحل، في حين كان إحدى المشكلات التي عقدت الموقف على الأرض.
المحدد الثالث، التقاعس الظاهر في الموقف الدولي، فرغم التهديدات والعقوبات، إلا أن الأمم المتحدة، ركزت نشاطها في الشق الإنساني بصورة لافتة، وحتى القوات التي أرسلت لحفظ السلام، لم تتمكن أصلاً من الإتيان به حتى تحافظ عليه، والدليل استمرار الاشتباكات وسط وجود القوات الأممية، لأنها ذات طابع رمزي بالأساس.
وفي مثل هذه النزاعات من الضروري أن يتم استخدام أدوات أكثر فاعلية للوصول للأمن والاستقرار، كما أن بعض القوى ذات المصالح الاستراتيجية، لديها اعتقاد بأن إنهاك الطرفين سوف يؤدي إلى استسلامهما، ويمكن هذه القوى من فرض حلولها، وهو ما يضاعف من صعوبة الرهان عليه، لأن الصراع الذي يقوم على التوازن الهش يمكن أن يمتد لعشرات السنين.