من المفاهيم الدينية التي طفت على الساحة الإسلامية في الوقت الحالي، وربما من قبل، مفهوم السلفية . . البعض يتبناه بحماس واقتناع، والبعض الآخر يرفضه بالحماس نفسه . . يعتبره البعض أحد التيارات العاصمة من الانحرافات الفكرية في الأمة، فيما يعتبره آخرون سبباً من أسباب الانحراف .
تقدم السلفية أحياناً على أنها فهم ديني خالص بعيداً عن الانشغال بالسياسة، فيما تقدم أحياناً منغمسة في الشأن العام .
ترى كيف نفهم السلفية في الوقت الحالي؟
الدلالة اللغوية للكلمة تعني ما تقدم وسبق ومضى، أي الجماعة التي سلفت ويأتي آخرون على أثرها . وقد صارت الكلمة في الدلالة الإسلامية - كما يقول العالم الأزهري الدكتور إسماعيل الدفتار أستاذ الحديث وعضو هيئة كبار العلماء - عنواناً على الرجوع في الأحكام الشرعية إلى نصوص القرآن والسنة النبوية والاقتداء المباشر بالرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده .
والسلفية بهذا المعنى المبدئي ليست حكراً على أحد أو جماعة من الناس، فكل من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله يؤمن بهذا ويدرك حديث رسول الله: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ ويؤمن بأمر الله لرسوله:قل إن الأمر كله لله .
ولكن السلفية في الممارسة الدينية بدأت تأخذ خصوصيات معينة عبر التاريخ، ففي الأصل تركز هذا المفهوم على من يعتمد على نص الحديث أكثر من فهمه، ولهذا عرفوا أحياناً باسم أهل الحديث، كما غلبوا إعمال النص الشرعي فيما راعى آخرون الرأي العلمي، فعرفوا باسم أهل النص في مقابل أهل الرأي ولشدة التماسهم لآثار الصحابة والتابعين سموا أحياناً بأهل الأثر، وقد أطلق عليهم البعض اسم الحنابلة دلالة على منهج الإمام أحمد بن حنبل (164 241ه) الذي تمسك بالوقوف عند النصوص والأحكام بعيداً عن الجدل في العقائد، والذي أطلق عليه علم الكلام .
البداية التاريخية
ولعل أبرز موقف تاريخي بلور هذه المدرسة الفكرية في التاريخ الإسلامي، هو النقاش الواسع الذي دار حول صفات الله الواردة في القرآن الكريم وكيف يمكن فهمها .
ففي بداية القرن الثاني الهجري ثار نقاش تحول إلى جدل حول دلالات كلمتي اليد والوجه اللتين جاءتا في القرآن بحق الله تعالى، أو عندما يقول القرآن: الرحمن على العرش استوى هنا دار النقاش حول تفسير معنى اليد أو الاستواء والجلوس . . وهل تثبت هذه الأشياء بحق الله تعالى؟
النقاش العلمي، ثم الجدل الفكري، نتجت عنه مدارس عدة في الفهم . . المدرسة البارزة قالت بتأويل هذه الصفات، فالله ليس له يد كما قال القرآن مثلاً يد الله فوق أيديكم، بل اليد هنا تؤول بمعنى القدرة والإرادة . . وكلمة استوى في الآية الرحمن على العرش استوى ليس معناها الجلوس بل تؤول بما يفيد الاقتدار والاستيلاء . . وهكذا . . وأصحاب هذا الاتجاه سموا بأهل التأويل .
في مقابل هذا برزت مدرسة تحذر من التأويل وتعتبره خطراً على النص، وتدعو إلى ضرورة أن يثبت المفسرون هذه الأشياء كما أثبتها الله لنفسه في القرآن بلا تأويل ولا تعطيل، أو على الأقل نثبت الصفة ولا نخوض في معانيها ونفوض المراد منها إلى الله الذي أوردها في قرآنه الكريم .
وأتباع هذه المدرسة التي رفضت التأويل واعتبرته نوعاً من التعطيل للنص . . هم الذين أسسوا بذرة المدرسة السلفية أو مدرسة الحديث أو النص التي كان من أبرز دعاتها فقيه أهل السنة الإمام ابن حنبل .
ثم جاء الإمام ابن تيمية (661 - 728ه) ومن بعده تلميذه أبو عبد الله بن القيم (توفي 741 ه) ليشرحوا أفكار هذه المدرسة، ويؤصلوا توجهاتها الدينية في العقائد وفي الفقه وفي الأخلاق وفي التجديد والإصلاح الاجتماعي الذي لم يخل من مواقف سياسية بارزة، جسدها ابن تيمية في حثه لولاة الأمر والعلماء والعامة على الوقوف ضد الغزو التتري، كما حدث من ابن تيمية في معركته ضد التتار في موقعة تشقحب عام 701 ه .
وفي كل عصر برز عدد من الدعاة السائرين على هذا الخط السلفي، كان من أبرزهم حديثا الشيخ المصلح محمد رشيد رضا في مصر والمحدث ناصر الدين الألباني، وغيرهما في كثير من دول الإسلام والمسلمين .
عناصر الفكر السلفي
وتجاوزاً لمئات الأسماء والأشخاص الذين قد تغلب عليهم الرؤية السلفية، يوجز الدكتور الدفتار أبرز عناصر الفكر السلفي في الآتي:
- الاعتماد على النص الشرعي، ورفض فكرة تأويل الصفات الواردة في حق الخالق .
- تلمس سنن رسول الله والاقتداء المباشر بأفعال الصحابة والتابعين .
- التشدد في الحرص على نقاء العقيدة . . والوقوف ضد البدع التي قد تشوه عقيدة التوحيد مثل النذر لغير الله، وبناء القبور على المساجد، أو التعلق بالمشايخ أو الولاة من المتصوفة وغيرهم، أو إتيان الكهان وتعليق التمائم . . وبالضرورة اتخاذ موقف صارم ضد المخالفين للمسلمين في التوحيد .
- التمسك بسنن الهيئات والعادات مثل اللحية وارتداء الجلباب والنقاب وتقصير الثوب وإلقاء السلام .
- التركيز في الخطاب الدعوي على نقاء التوحيد وأداء العبادات والسنن وتطبيق الشريعة، والتركيز في الإصلاح على أنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، طبقاً لمفهوم الأتباع للجماعة الناجية من البدع، وهي التي سئل الرسول: وما هي الجماعة يا رسول الله؟ فقال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي .
4 تحفظات
ومع هذا الرصد الموضوعي لمفهوم السلفية ودلالاتها في الفكر الإسلامي، يبدي الدكتور إسماعيل الدفتار أربعة تحفظات على تيار السلفية وهي التحفظات التي قد تنقلب عند البعض إلى أخطاء قاتلة:
أولاً: حصر جهد السلفية في رفض التأويل والمبالغة في الوقوف ضد كل ما فيه شبهة مظنة تخالف عقيدة التوحيد، وقد سبب هذا الحصر في رمي الآخرين بالشركيات في مسائل فيها سعة، والتقصير ربما غير المقصود في الاهتمام بقضايا الشريعة والأخلاق .
ثانياً: التوسع في ما أطلقوا عليه البدع والخرافات الحديثة . . وقد ساهم هذا في استعداء شرائح واسعة من المتدينين ضد الفكر السلفي، ووسعت مساحة التطرف والتناحر بين أهل التدين .
ثالثاً: الاستبداد بالرأي عند بعض دعاة السلفية، فمفهوم الجماعة الناجية من البدع، جعل بعض المشايخ يعتقدون أن الواحد منهم يمثل هذه الجماعة، وجعل بعضهم يجرح الدعاة الآخرين مما أرهق الدعوة الإسلامية وأدخل فقهاءها في جدل شكلي على حساب كليات الدين .
رابعاً: هناك شريحة واسعة من عامة السلفيين وبعض دعاتهم يركزون فقط على الأمور الدينية، كما تتجسد في العقائد والعبادات . . ويهملون الاهتمام بقضايا المسلمين الملحة في مجالات السلوك والاجتماع بل وقضايا المسلمين في أمور لقمة العيش والسياسة .
وهذا الأمر تولد عنه خطران شديدان:
* الخطر الأول أنه أظهر الفكر الإسلامي السلفي، كما لو كان فكراً يعتزل الدنيا ولا يفيدها في الإصلاح والإعمار والتقدم الحضاري للأمة .
* الخطر الثاني ظهور توجهات شديدة التطرف ضد ما هو موجود عند الناس وعند المجتمع وعند الحاكم .
إن تربية البعض على وجود صورة ذهنية سلفية واحدة للمجتمع المسلم، جعل البعض يتمرد على كل ما هو موجود، وهذا هو ما يفسر دعوات التكفير ومحاربة الحكام والصدام مع مستحدثات العصر . . وهذا هو ما قد يفسر ظهور ما أصبحنا نسمع عنه مما يعرف أحياناً بعمليات العنف أو السلفية الجهادية .
تفاوت الناس
وختاماً يضع الدكتور الدفتار عدداً من الأمنيات التي يتمناها على التيار السلفي في كل التجمعات والبيئات الإسلامية . ويقول: أتمنى على السلفيين أن يؤمنوا بأن الله خلق الناس متفاوتين في الأفهام، والتدين والطباع، وأن الله جعل الناس تختلف في فهم النص الشرعي، وأن محاولة إلزام الجميع بالرأي الواحد أمر غير مقبول . . ولهذا على الشاب السلفي أن يدرك أنه جزء من الجسد الإسلامي الكلي، وأن فهمه قد يكون صواباً كما أن فهم الآخرين قد يكون صواباً كذلك، ومما يورده العلماء في هذا الصدد ما يدل عليه قول الحق: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا . فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله، فالخالق أدخل المقصر الظالم لنفسه في جماعة المصطفين مثل السابقين بالخيرات .
ويضيف: أتمنى على السلفيين كذلك ألا يدخلوا في معارك فكرية طاحنة، وألا يقعوا في مصيبة التطرف أو التكفير أو الصدام مع الحكام . . فهذا الأمر كم جر على الأمة من ويلات هي كالحالقة التي تحلق الدين والدنيا معاً . . وصاحب الدعوة أنكر العنف ودعا إلى التيسير والتسامح حيث يقول عليه السلام: يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا ويقول: إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه . ويقول: إن الله تعالى لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً ولكن بعثني معلماً ميسراً .
أتمنى على السلفيين اليوم أن يقوموا بعملية مصالحة - في سياق مشروع الأمة الحضاري - بين النص والعقل، وبين الحديث والرأي، وبين الحديث والقديم، وبين أهل التصوف وأهل الفلسفة وبين حاجات الفرد ومتطلبات الأمة: وأن يدركوا أن حفظ التراث واجب مقدس، وأن التجديد في فهم الواقع واجب مقدس .
إن علماء السلف عظام قدموا للإسلام الكثير وأن علماء الخلف من المعاصرين عندهم الخير الكثير، حيث يتحملون في كل وقت مسؤولية تجديد فهم الدين كما في الحديث: إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها .