الشارقة: فدوى إبراهيم

سلوكيات غير مسؤولة، بعضها يوصف بالطيش والتهور، تلك التي يسلكها عدد من المراهقين والشباب، إلا أن بعض الخبراء يصفونها بالحالات الطبيعية التي تعبّر عن تلك المرحلة الحرجة من حياتهم مع تغير الهرمونات، بينما يعزوها آخرون إلى أسباب تتعلق بالفراغ أو عدم اهتمام أولياء أمورهم بشؤونهم. وبين هؤلاء تختلف الانتقادات بل وحتى العقوبات الرسمية بحسب قدر السلوك، وما إذا كان يحمل أذى للآخرين أو للممتلكات، لكن ما دوافعهم وراء كل ذلك؟ هذا ما سنحاول التعرف إليه خلال التحقيق التالي.
على الرغم من انتشار فئة كبيرة من المراهقين والشباب المتطوعين الذين يقدمون الخدمات المجتمعية والمبتكرين والرواد في مجالات عدة، ويعتز بهم الوطن، فإننا نجد غيرهم ممن يتبنون السلوكيات غير المسؤولة وينشرونها في المجتمع بوسائل عدة، منهم من يلجأ إلى مواقع التواصل الاجتماعي، أو ينشرها أصدقاؤهم أو من حضر وشاهد تلك السلوكيات، أو التقطتها الرادارات المرورية وكاميرات المراقبة، أو تلك التي يتم الإبلاغ عنها للتعامل معها بشكل مباشر. وبحسب الخبراء في مجالات علم النفس والاجتماع والإعلام فإنّ لكل من تلك السلوكيات والوسائل أسباباً ودوافع وأهدافاً، فمن ينشرها مثلاً عبر فيديوهات على الإنترنت يبتغي من ذلك الشهرة أو التسلية بين أقرانه بما وصلت له نسبة المشاهدة.
يرى د.ياس خضير البياتي، أستاذ علم الاجتماع الإعلامي في جامعة عجمان، أن وسائل التواصل على اختلاف مسمياتها الإعلامية، باتت تشكل إحدى الأدوات المهمة في جميع الحقول خصوصاً المجال الاجتماعي، وفي ظل لجوء البعض إلى توظيفها بشكل سيّئ لنشر الشائعات والأكاذيب المغرضة وممارسة العنف والتسلط، استخدمها بعض المراهقين والشباب لذلك الغرض، وبذلك أصبحت منصة للممارسات السلبية.
ويشير البياتي إلى أن الشباب بحكم تكوينهم النفسي الاجتماعي، ومميزات شخصياتهم في هذه المرحلة العمرية التي تتزامن ومرحلة المراهقة وما تفرضه التحولات الفسيولوجية والنفسية من أنماط تفكير، فهم يميلون إلى رفض المعايير والمستويات والتوجيهات الفوقية والسلطة.
ويقول: «سوء التخطيط والإدارة الخاطئة لقضايا الشباب وعدم إشباع حاجاتهم المختلفة في المؤسسات الاجتماعية، وضعف مستوى التكوين والتربية على مستوى المدرسة والمؤسسات التربوية، وتعقد الحياة الاجتماعية والاقتصادية، والانفجار المعرفي والتكنولوجي الذي يشهده عالمنا المعاصر وتأثيره في القيم الاجتماعية والثقافية والاتجاهات الفكرية والسياسية للأفراد والمجتمعات، جعلت من شبابنا يعيش صراعات متعددة الأبعاد، بين القديم والجديد، والتقليدي والحديث، وبين الوافد والمحلي، إلى جانب صراع الأجيال، والصراعات الداخلية بين الصورة الواقعية التي يكوّنها حول ذاته كما هي في الواقع، وبين الصورة النموذجية التي يتمناها لنفسه، وبين الصورة التي يعتقد أن المجتمع ينظر إليه بها، ومحاولات تكوين ذات مستقلة ومتميزة واحتلال مكانة ولعب أدوار رائدة. إلا أنها كثيراً ما جعلتهم يتبنون حلولاً ويستعملون استراتيجيات يعتقد أنها مناسبة لمواجهة مشكلاته، كالتمرد وعدم الرضا والنقد إلى جانب الانحراف عن قيم وعادات المجتمع»، لذلك وبحسب البياتي، يحاول الشباب استخدام ما يسمى (العنف عبر الإنترنت) للتنفيس عن طاقاتهم أو كبتهم أو إظهار رجولتهم ووجودهم كمباهاة اجتماعية.
ويكمن الحل، من وجهة نظر البياتي، لدى أكثر من جهة، فالمؤسسات الاجتماعية والجماعات المحلية عليها مسؤولية التكفل بانشغالات الشباب، وما تفتحه من آليات اتصال وقنوات للحوار معهم، مع ما توفره من فرص للعمل والمشاركة في الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية لإشباع حاجاتهم للانتماء، ولعب الأدوار، أيضاً هناك الأسرة التي تقع عليها مسؤولية متابعة أبنائها وتوجيههم، والتكفل بحاجاتهم الأساسية البيولوجية والنفسية والاجتماعية، إلى جانب ما تنميه من تعميق الاتجاه الديمقراطي في الحوار معهم، وبناء شخصيتهم المستقلة. إضافة إلى دور المؤسسات التعليمية من خلال ما تنميه من قيم ومبادئ وقدرات واتجاهات للفرد نحو نفسه أيضاً، ونحو كل شيء يحيط به، وما يوفره من فرص للتفتح.
ويضيف: «يبدو الدور الأخطر لوسائل الإعلام المختلفة وما تتناوله من موضوعات وقضايا تهم الشباب. وبلا شك فإن الردع الاجتماعي والأمني مطلوب في التقليل من هذه الظواهر السلبية، التي تحتاج أحياناً إلى سن تشريعات متعلقة بقضايا العنف عبر الإنترنت التي يرتكبها الأطفال والشباب، وسن تشريعات تغرم أولياء أمور المتورطين»، منوهاً بأنه يميل إلى أسلوب الردع الاجتماعي من خلال الاعتذار للمجتمع، والعقوبات المجتمعية التي أدت إلى تحقيق الهدف الأساسي منها، وهو إصلاح الشباب بممارسة الخدمة الاجتماعية، وإشعارهم بذنب ما اقترفوه من ممارسات.
تعبير
د.هنادي ربحي، مديرة مكتب الإرادة للاستشارات والدراسات الإدارية، ترى أن سلوكيات الشباب غير المسؤولة ما هي إلا وسيلة تعبير عن ضغوط ربما تكون في الأغلب ناتجة عن ضغوط في الدراسة، بسبب المناهج خصوصاً في فصل الصيف؛ لذا لا نجد هذه السلوكيات لدى الشباب المكملين لدراستهم أو الموظفين.
وترى ربحي أن العقوبات المجتمعية التي شهدناها مؤخراً من خلال العقوبة بالخدمات العامة هي أحد أنواع العقوبات الرادعة والمقومة للسلوك، مقترحة أن من يعترف بجرمه يمكن أن تخفف عنه العقوبة، مضيفة: «علينا أن نتخذ منهجاً يشجع الفئة المتوسطة أو الأقل من فئة الأذكياء الذين غالباً ما يقدم لهم الدعم؛ لأن تلك الفئات لديها أدمغة وطاقات لكنها لم تعرف إيصال أفكارها بشكل منظم».
لوائح سلوكية
يعتبر طلاب المدارس المراهقون من أكثر الفئات التي ترتبط فيها الظواهر السلوكية غير المسؤولة، وهذا ما يحدثنا عنه الاختصاصي الاجتماعي عمر مبارك الناجم، قائلاً: «تتقيّد المؤسسات التربوية والتعليمية بلوائح سلوكية يتم تطبيقها على الطلاب، والهيئتين التدريسية والإدارية، وهذه تحدّ السلوكيات السلبية وتعزز الإيجابية منها، التي يمكن للمدرسة أن تدعمها بطرق عدة».
ويضيف: «يعتبر حظر إدخال الهواتف النقالة إلى الحرم المدرسي واحداً من الإجراءات المتخذة للحد من الظواهر السلوكية في استخدامها، وفي حال ضبط جهاز هاتف لدى أحد الطلبة يتم فوراً حجزه وتسليمه لولي الأمر في المرة الأولى، ولو تكرر الأمر يصادر الجهاز حتى آخر العام حيث يسلم مع النتيجة الدراسية، هذا في حال مجرد ضبط الهاتف، أما إذا ضبط خلال تصوير مشاهد معينة، فهناك يعتبر اعتداءً ضمن الحرم المدرسي، ويمكن استدعاء الشرطة المجتمعية للتعامل مع الحالة، وهو أمر ينطبق على المدرسة أيضاً، فلا يمكن أن يتم تصوير أي نشاط مدرسي إلا بموافقة ولي الأمر».
ويؤكد الناجم أن غزو مواقع التواصل دفع العديد من المراهقين والشباب إلى تصوير بعض المشاهد، أو تمثيل بعض السلوكيات، ونشرها على تلك المواقع؛ لتحقيق الشهرة ونسبة مشاهدة، والغرض منها التسلية، وهنا يلقى اللوم على الأسرة ودورها في تحمل المسؤولية من خلال ضبط امتلاكهم للأجهزة وكيفية استخدامها.
ويقول: «مع شديد الأسف، كثير من الأهالي لا يلتفتون إلى التحصيل العلمي لأبنائهم، بقدر ما يهتمون لمراجعة المدرسة في حال تم ضبط الهاتف مع أحد أبنائهم وذلك ليسترجعوه، ولعل حرية التصرف هذه بالهواتف النقالة قادت الكثير حتى من طلبة الابتدائية إلى أن يكونوا ناشطين عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ولديهم قنوات يوتيوب خاصة، حتى أن أحد رواد التواصل الاجتماعي أشار إلى أنها أصبحت تسمى السلطة الخامسة».
ويتفق الناجم مع غيره من الخبراء في أن أسلوب الخدمة المجتمعية يعتبر رادعاً نوعاً ما للسلوكيات غير المسؤولة، ويقترح أنه في حال نشر بعضهم مقاطع فيديو غير لائقة أن يعتذروا بنفس الوسيلة عن سوء استخدامهم لتلك المواقع، وعلى الأهالي أن يدركوا أن سوء استخدام أوقات الفراغ وعدم استثمار الطاقات بالشكل السليم يشجع على الممارسات الخاطئة.
الوعي واستثمار الطاقات
ترى الدكتورة حصة لوتاه، أستاذة الإعلام، أن علينا التعامل مع السلوكيات الشبابية بطريقة أكثر وعياً وبحسب نوع السلوك الذي يرتكبونه ودرجته، فهناك عدد من الظواهر التي يمارسها البعض تقليداً لما يشاهدونه على الإنترنت، وهناك نماذج كثيرة كالرقصات والحركات لمشاهير يقلدها معظم الفتيان في أماكن عدة، ما يطرح تساؤلاً حول طبيعة البرامج الموجهة للمراهقين، ومدى ملاءمتها لأعمارهم وتلبيتها لاحتياجاتهم المعرفية والفنية وحتى الجسدية.
تقول: «بعض السلوكيات لا يجب أن تصل لحد التعامل معها بالقانون المحلي، بغض النظر عن كونها خاطئة؛ ذلك لأنها صادرة من فئة الشباب، وما دامت السلوكيات لا تعتبر جرماً فلا أرى أن هناك داعياً أن تصل للعقاب القانوني، فمرحلة الشباب هي مرحلة البحث عن الذات، والاختلاط مع المجتمع، وتتضمن كثيراً من التمرد والتعلق ببعض المظاهر؛ لذا يترتب التفكير ملياً قبل الإقدام على سلوك مخالف لثقافة المجتمع، ورغم ذلك فإن هذا النوع من السلوكيات لا يستحق التركيز عليه».
وتضيف: «من وجهة نظر المجتمع الواعي، هي مجرد حالة من التسلية وتعبير عن الفراغ، ربما تستدعي بعض السلوكيات الجسدية مثل تقليد الرقصات والتمثيل، استثمارها من قبل الجهات المسؤولة، بينما بعضها لا معنى له ولا يستحق إثارته بالحديث عنه، فمرحلة الشباب هي أكثر مرحلة تتدفق فيها الطاقات، وإن لم نتمكن من توجيه هذه الطاقة التوجيه السليم، فسيتجه الشباب للانحراف، سواء بإدمان المخدرات أو قيادة المركبات بتهور، وغيرها من الانحرافات السلوكية الأخرى، الأمر الذي يشير بضرورة انخراطهم في مجالات الرياضات والفنون بحسب ميولهم أو ما يتم اكتشافه لديهم من طاقات».
وتؤكد لوتاه أن مرحلة الشباب تتصف بالحماسة والتهور وعدم تقدير الأخطار؛ لأن القدرة على معرفة الحقائق لا تأتي إلا بعد المرور بالتجارب، إلا لدى القلة الواعية، وهي أيضا مرحلة المثالية والبحث عن القدوة والتعلق بالقيم الإنسانية.