ينظم شعب الزوقو المكسيكي، احتفالاً تقليدياً كل عام يطحنون خلاله النباتات السامة ويصبون خليطها في نهر يمر عبر أحد الكهوف . وبطبيعة المادة السامة، فإن الأسماك تنفق وتطفو على السطح، وهكذا يصطادونها . هذه العملية خلفت حالياً أسماكاً مقاومة لبعض السميات بفعل التي تستقبلها كل عام . وهكذا قاومت الأسماك المواد السمية، فما الآثار والتغييرات التي يحدثها الإنسان من ممارسات يومية في غيره من الكائنات؟

من المحتمل اختفاء عدد كبير من الكائنات خلال القرن المقبل نتيجة لذلك . وما أصبح واضحا الآن هو أن الأنواع التي ستبقي على قيد الحياة ستتغير حيوياً . ونسبة لأن العلاقة بين تسارع النظام الحيوي والتغير البيئي طردية، فإن تغيير طبيعة الأرض أصبح سريعاً الآن أكثر من أي وقت آخر، بحكم الزخم السكاني فيه .

يقول ستيفن بالومبي، من جامعة ستانفورد في كاليفورنيا الأمريكية، بمجلة نيوسانيتست العلمية: تأثير الإنسان في البيئة واضح جدا، وهناك معطيات مذهلة نتجت من هذا التغير . ولعل أسرع معدلات هذا التغير موجود في الحياة البرية التي تحصد يد الإنسان منها أعداداً خرافية سنوياً .

ويضيف: هناك العديد من المشاهدات على النباتات والحيوانات، تثبت أنها تغيرت بفعل الممارسات البشرية، بعضها واضح في حيوانات تحورت لأجل البقاء على قيد الحياة في المناطق عالية التلوث وهذا إيجابي، ولكن البعض الآخر سلبي من وجهة نظر علماء، مثل التي تنقرض بفعل الصيد والآفات، إذاً بقاء وتطور الإنسان مرهون بآثار سلبية لا يمكن تجاهلها .

ظهر أول دليل واضح لآثار الصيد في الحياة البرية خلال تقرير نشر في الولايات المتحدة عام ،1942 ومنذ ذلك الحين طرحت جهات مختصة العديد من النصائح عن الكيفية الصحيحة للصيد، لأن استهداف الحيوانات الأكبر سناً أدى إلى تعديل خريطة الحياة البرية حول العالم، مثل أن تراجعت أعداد أغنام بيغورن البرية في كندا والموفلون في فرنسا وكلاهما نادر وجوده بالوقت الراهن .

ولعل المثال الدراماتيكي هو تقلص طول سن الفيل وانعدامها في بعض الدول، ليست لانقراضه، ولكن لانخفاض أعدادها في زامبيا الشرقية فقد أعدم الصيادون نحو 10% من إناث الفيل 1969 ولم تكبح حركتهم القوانين الدولية ولا سلطاتهم المحلية إلى أن بلغت 40% عام 1989 . وعلى المنوال نفسه تقلصت نسبتها في أجزاء أخرى كثيرة من إفريقيا .

ويقول رامان شوكمار، من المعهد الهندي للعلوم في بنغالور: يبدو هذا التأثير واضحاً في ذكور الفيل الآسيوي، حيث ارتفعت نسبة الإناث بسبب الصيد غير المشروع لأنها لا ينمو لديها أسنان بخلاف الأخريات من العالم، ونتيجة لذلك فإن 95% من ذكور الأفيال في سريلانكا تعيش من دون أسنان .

وأشارت دراسة للعالم الألماني رالف تيدمان من جامعة بوتسدام، إلى أن التفضيل بين الفيل الأنثى والذكر في آسيا قد يتصدى جزئياً لتأثير الصيد بالحفاظ النوعي، ولكنه أضاف: حتى لو توقف فإن الأمر سيستغرق وقتا طويلا حتى تعود نسبة توالد الفيلة إلى الارتفاع والتوازن مرة أخرى .

والتأثير لا ينحصر على الحيوانات فقط، فهناك النباتات البرية وصيد الأسماك التي طالها التأثير السلبي لنشاطات الإنسان المختلفة . ففي هضبة التبت على سبيل المثال، انخفضت النباتات البرية إلى النصف تقريباً على مدى القرن الماضي بسبب قطفها المستمر للاعتماد عليها في الطب التقليدي .

ولتحقيق نوع من التوازن، يروج بعض علماء الأحياء حالياً لفكرة مواجهة الضغوط التطورية الناتجة عن الصيد بما أسموه إعدامات تعويضية وهو قتل أعداد مقدرة من الحيوانات غير المرغوب فيها . وهذا في الواقع بدأ تنفيذه منذ زمن طويل في دول ألمانيا وبولندا حيث أعدمت الغزلان لمنع حدوث انخفاض بحجم قرن الوعل . وهناك خطط أخرى لذات الهدف في بلدان مثل زيمبابوي، إذ تحفز السلطات الصيادين بمبالغ مالية مقابل صيد الفيلة في محاولة متعمدة للقضاء على سمة تكاثرها على حساب حيوانات أخرى .

ومن المعتقد أيضاً أن السناجب الحمراء في أمريكا الشمالية تحولت جينياً نتيجة للتغيرات البيئية، ففي السابق كانت تخرج في فصل الربيع، ولكنها حالياً لا تظهر في نفس الموسم التي كانت تعيش حياتها فيه على سطح الأرض .

وكما يقول باتريك كاريل من جامعة هلسنكي، في دراسة نشرها في وقت سابق من هذا العام: في فنلندا، يعيش نوع رمادي من البوم كان هو الأكثر شيوعاً، ولكن سلالة اللون البني ارتفعت إلى ما يزيد على (40%) 2010 مقارنة بعام 1960 .

وكشف كاريل أن البوم البني أكثر قدرة على التخفي في الأجواء المعتدلة التي تنخفض فيها الثلوج، وبسبب ارتفاع درجات الحرارة زادت أعدادهم على حساب البوم الرمادي لأنها أكثر قدرة على مواكبة التغيرات المناخية .

وهناك عشرات الأمثلة على كيفية تأثير الاحترار العالمي في تغيير شكل الحياة على الأرض، فما بين أزهار ونباتات تنمو في الربيع، إلى حيوانات أصبحت أصغر حجماً، إلى أخرى تمحورت جينياً كونت أجساماً مضادة لتأثيرات البيئة المحيطة فيها .

وفي أمريكا الشمالية، كان البعوض يبيض في النباتات واليرقات خلال أشهر الشتاء وقبل بداية فصل الربيع . إلا أن قصر اليوم تسبب في إطالة موسم النمو لأنه يعتمد على زهور تتفتح خلال النهار كمصدر غذائي رئيس .

وكشفت دراسة أجريت على مزارع الخردل أو ما يسمى الكرنب رابا في ولاية كاليفورنيا بين عامي 1994 و2007 والتي كانت عادة ما تزرع في ظروف مماثلة كل عام، أنها وخلال موسم عام 2004 كانت تزهر في وقت يسبق مواعيد 2007 بنحو 9 أيام . وهذا التغيير ناتج عن الجفاف الذي أوجد فيها خاصية تأخير إزهارها التطوري قبل نفاذ المياه .

والتطور يساعد بالفعل بعض الأنواع على التكيف مع ارتفاع درجات الحرارة العالمية، ولا يخرجها من نطاق التهديد . فالذبابة الرقطاء في المملكة المتحدة حتى الآن تبدو غير قادرة على التكاثر قبل فصل الربيع . وتماشياً مع ارتفاع درجة حرارة الأرض فقد ذكرت بعض التقارير أن 20% من جميع أنواع السحالي ستنقرض بحلول عام ،2080 لأن عليها قضاء مزيد من الوقت في الظل، وفي الوقت نفسه مع أقل معدل تغذية، ولكن درجة الحرارة المرتفعة ستعكس هذه العادة .

أما الكائنات التي تعيش لأوقات طويلة وبمعدلات إنجاب بطيئة، فهي الأقل قدرة على التطور، يضيف بالومبي: مثل هذه الأنواع هي التي تقع تحت طائلة التهديد والآن أصبحت مهددة بالفعل، وانقراضها يشكل ضربة مزدوجة للنظام البيئي .

وحتى الأنواع التي تتطور لتواكب ارتفاعاً طفيفاً في درجة الحرارة، لن تبقى كما هي عندما ترتفع درجات الحرارة بمقدار 4 درجات مئوية أو أكثر، فستطور عاداتها اعتماداً على الاختلاف الموجود في محيطها . فالتغير يقتصر على تغييرات محددة والتي قد تحدث بسرعة . . يضيف بالومبي .

وبين عامي 1947 و،1976 صرف مصنعان شمال شرقي الولايات المتحدة نصف مليار كيلوغرام من مادة الكلور الثنائي في نهر هدسون، من دون تقديم دراسة لآثارها في الحياة البحرية في ذلك الوقت، واليوم ظلت بعض الأنواع على قيد الحياة على الرغم من مستويات الكلور العالية في النهر رغم أنها قد تكون سامة لبعضها ما جعل العلماء يشككون في أنها تطورت لتواكب بيئتها الجديدة مثل سمكة تومكود الأطلسية، يقول إسحاق فيرجن من جامعة نيويورك للطب: يمكن حقن هذه السمكة بالكلور والديوكسينات من دون أن يؤثر فيها .

ولعل أشهر الأمثلة لظاهرة التحولات الناجمة عن التلوث، هي فراشات العث شمالي بريطانيا التي أدخلت اللون الأسود في أجنحتها، لأنها تحتمي بالأشجار التي أحيل لونها لسواد بسبب الدخان المنبعث من مداخن المصانع على الرغم من أن معظم التغيرات التطورية للتصدي لمثل هذا التلوث غير مرئية .

ومثال آخر للتلوث الناجم عن هذه المواد، يبدو جلياً في أكوام ومخلفات المناجم القديمة، ففيها تنمو نباتات تبدو طبيعية، ولكنها في الواقع تعيش في تربة تحتوي على مستويات عالية من المعادن مثل النحاس والرصاص والزنك والزرنيخ، والتي من شأنها أن تكون سامة لكل المخلوقات .

وكشفت دراسة علمية أجريت نبته بلانتاغو ميجور عام 1991 في موقع شمالي إنجلترا، حيث بلغ تلوث الأوزون مستويات عالية، أنها أصبحت تنمو بسرعة أكبر بمعدل الثلث مقارنة بعام 1985 . ومعظم مناطق الأرض تلوثت بطريقة أو بأخرى، ومن المرجح أن العديد من النباتات والحيوانات تطورت لتتواكب مع الظاهرة ولكن حظي القليل منها بالتوثيق لصعوبة مثل هذه الدراسات، ومع ذلك، فمن الواضح أن هناك حدوداً لما يمكن حدوثه، وهذا ينطبق بشكل خاص على المجموعات الصغيرة التي تتكاثر ببطء، مثل دلفين نهر اليانغتسي الذي يعتقد أن التلوث قد أسهم في انقراضه .

وبخلاف تحورها، فإن بعض المخلوقات تظل على قيد الحياة وتواصل مسيرتها، ولكن تلازمها بعض الأمراض كما في أسماك بحيرة ويندرمير في المملكة المتحدة التي أصبحت تعيش لفترة أطول مما كانت عليه في السابق، ففي حين أن متوسط أعمارها وبحسب باحثين كان نحو 5 سنوات في عام ،1976 إلا أن مرضاً مجهولاً قضى على 99% منها وتسبب في طول عمر البقية . ويعتقد الباحثون أن المرض الذي ينتشر بشكل طبيعي في البحيرة، يشير إلى أن العديد من حالات تفشيه في النباتات والحيوانات جاء نتيجة للنشاط البشري .

وأي مرض يقتل نسبة كبيرة من الأحياء لديه القدرة على تحقيق تطور على نحو سريع في الجانب الآخر، ففي العام الماضي ذكرت عدة مجموعات بحثية أن بعض الضفادع على ما يبدو أصبحت مقاومة لفطريات دمرت العديد من الأنواع البرمائية، ويعادل ذلك ما حدث في مجتمعات بشرية تطورت وأصبحت مقاومة لأمراض كانت في الماضي وباء هالك مثل مرض كورو الذي يهاجم الجهاز العصبي . يعلق بالومبي: هذه الظاهرة شائعة، ولم يتمكن الباحثون من كشف جوانبها لصعوبة إثباتها .

ولا شك في أن المبيدات قد أحدثت تغييراً كبيراً في حياتنا . لقد ساعدت في القضاء على أمراض مثل الملاريا في بعض المناطق، ففي عام ،1935 أدخل ضفادع العلجوم من أمريكا الجنوبية إلى أستراليا لمكافحة الآفات التي تتغذى على قصب السكر، إلا أن النتيجة كانت أن حقول قصب لم تروق للضفدع، ما تسبب في انتقالها لمزارع أخرى وانتشرت على حساب الكثير من الحيوانات المحلية الأخرى واستوطنت في مناطق حارة جداً بالنسبة للضفادع المحلية، ما يدل على نجاحها في التطور بحسب الظروف .

وأجرى الباحث الأمريكي مايكل كينسون، من جامعة ولاية ماين بمدينة أورنو، وزملاؤه تجربة نقلوا خلالها أسماك الشينوك من نهر في نيوزيلندا إلى آخر، ورغم أن الشينوك موجود هناك قبل نحو قرن، إلا أن كينسون هدف إلى تقييم مدى تكيفه مع ظروف في الأنهار . وقال كينسون: وجدت اختلافات جذرية على الرغم من أن الأسماك تبدو متطابقة عندما تنسجم مع المحلية .

ويشتبه كينسون في أن الكثير من التغييرات الصغيرة يمكن أن تضيف ما قد يصل إلى إحداث تغيير كبير . ويضيف: التطور المعاصر قد يكون متواضعا نسبيا وعلى أساس سمة على حساب أخرى، ولكن إسهامها في إحداث تغييرات شاملة على المخلوق المحلي قد تكون هائلة .

هذه النتائج تساعد على تفسير الفجوة بين عملية إدخال الأنواع الجديدة وانتشارها السريع . إذ إن أي نوع يدخل في بيئة جديدة حديثاً من المرجح أن يجد نفسه في بيئة ليست مثالية تماماً، ما يعني احتمالية قلة تكاثره إن لم يكن منعدماً تماماً، وهذا يعني ندرة وجود التنوع الجيني في مثل هذه الظروف التي تبطئ من عملية التكاثر .

وكما أن المخلوق المحلي يتكيف مع الظروف المحلية، فإنه ربما وعن طريق التغييرات غير المرئية مثل الطفرات فإن الجينات المناعية قد تبدأ في النمو والانتشار، لأن أكثر الطفرات التكاثرية تحدث في جو مثل هذا .