سمى الله نفسه السميع في القرآن كقوله تعالى: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) (الشورى: 11)، وقوله: (إن الله كان سميعا بصيرا) (النساء: 58)، وقد ورد اسم الله (السميع) مقترنا باسمه تعالى (العليم) في اثنين وثلاثين موضعا، ومقترنا باسم الله (البصير) في أحد عشر موضعا، ومقترنا باسم الله (القريب) مرة واحدة في قوله تعالى: (قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب) (سبأ: 50)، وجاء بصيغة سميع الدعاء في موضعين كقوله تعالى: (الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء) (إبراهيم: 39).

وورد اسم الله البصير في ثلاثة وأربعين موضعا بالقرآن الكريم، جاء منها تسع عشرة مرة بصيغة تؤكد أن الله بصير بما تعملون كما في قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير) (البقرة: 110)، وكما في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا) (الأحزاب: 9)، وجاء أربع مرات بصيغة بصير بالعباد كما في قوله تعالى: (فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد) (آل عمران: 20)، وجاء مقترنا باسمه تعالى الخبير خمس مرات كما في قوله تعالى: (إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا) (الإسراء: 30)، وجاء مرة واحدة بصيغة أنه تعالى بكل شيء بصير كما في قوله تعالى: (أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير) (الملك: 19).

وورد اسما الله السميع والبصير في الحديث الذي رواه البخاري عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فكنا إذا علونا كبرنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، ولكن تدعون سميعا بصيرا)، وفي الحديث الذي رواه أبو داود عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستفتح في صلاته قبل القراءة بقوله: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه)، وكذلك في الحديث الذي رواه أبو داود وصححه الألباني عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية: (إن الله كان سميعا بصيرا)، ثم قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه).

وصف حقيقي

والسميع سبحانه هو المتصف بالسمع وهو وصف حقيقي نؤمن به على ما جاء في كتاب ربنا، والسمع في حقه تعالى ليس كمثله في حق البشر، فهو سبحانه وتعالى تنزه عن الشبيه والمثيل: (فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) (الشورى: 11)، وهو سبحانه جل شأنه يسمع بالكيفية التي تليق بجلاله وكماله والتي تناسب عظمته وتفرده، وهو الذي يعلم حقيقة سمعه وكيفيته.

وهو كما وصف نفسه السميع البصير، السميع بلا تكييف ولا تشبيه، لا يشبه سمعه سمع خلقه، والبصير بلا تحديد ولا تكييف، لا يشبه بصره بصر خلقه، ويقول القرطبي: (إن السمع والبصر صفتان كالعلم والقدرة والحياة والإرادة، فهما من صفات الذات لم يزل الخالق سبحانه وتعالى متصفا بهما)، ونقل في تفسيره قول الحاكم أبي عبد الله في معنى السميع: (إنه المدرك للأصوات التي يدركها المخلوقون بآذانهم من غير أن يكون له أذن، وذلك راجع إلى أن الأصوات لا تخفى عليه، وإن كان غير موصوف بالحس المركب في الأذن، كالأصم من الناس لما لم تكن له هذه الحاسة لم يكن أهلا لإدراك الصوت).

وفي الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد في مسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تكلمه وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول فأنزل الله عز وجل: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير) (المجادلة: 1)، وفي رواية لابن أبي حاتم عن الأعمش عن تميم بن سلمة عن عروة عن عائشة أنها قالت: تبارك الذي أوعى سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة، ويخفى علي بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تقول: يا رسول الله أكل مالي، وأفنى شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبر سني، وانقطع ولدي، ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك، قالت: فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآية: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها).

ويروي الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ودعاء لا يسمع، ومن نفس لا تشبع، ومن علم لا ينفع أعوذ بك من هؤلاء الأربع).

وعند البخاري من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (اجتمع عند البيت قرشيان وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، كثيرة شحم بطونهم، قليلة فقه قلوبهم، فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع ما نقول؟ قال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا، وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا، فأنزل الله عز وجل: (وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون) (فصلت: 22).

والعبد الذي يتعبد ربه باسمه السميع يعلم أنه عز وجل من فوق عرشه يسمع كل صغيرة وكبيرة في خلقه، فيراقب ربه في سره وعلانيته ويتقيه ويخشاه ولا يخاف من أحد سواه، ويذكره على الدوام صباح مساء كما دلنا صلى الله عليه وسلم: (ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة: باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات فيضره شيء).

حتى دبيب النملة

سمى الله عز وجل نفسه البصير، والبصر صفة من صفات ذاته تليق بجلاله يجب إثباتها لله دون تمثيل أو تكييف، أو تعطيل أو تحريف، وكما يقول العلماء فهو سبحانه الذي يبصر جميع الموجودات في عالم الغيب والشهادة، ويرى الأشياء كلها مهما خفيت أو ظهرت ومهما دقت أو عظمت، وهو سبحانه وتعالى مطلع على خلقه يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور، لا يخفى عليه شيء من أعمال العباد، بل هو بجميعها محيط، ولها حافظ ذاكر، فالسر عنده علانية والغيب عنده شهادة، يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء ويرى نياط عروقها ومجاري القوت في أعضائها.

هو البصير الذي ينظر للمؤمنين بكرمه ورحمته، ويمن عليهم بنعمته وجنته، ويزيدهم كرما بلقائه ورؤيته، ولا ينظر إلى الكافرين إيقاعا لعقوبته، فهم مخلدون في العذاب محجوبون عن رؤيته، كما قال تعالى: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) (المطففين: 15)، لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، كما جاء في البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم: رجل حلف على سلعة، لقد أعطى بها أكثر مما أعطى وهو كاذب، ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال رجل مسلم، ورجل منع فضل ماء).

.. إنني معكما أسمع وأرى

وهو سبحانه أثبت لنفسه السمع والبصر فقال تعالى لموسى وهارون عليهما السلام: (قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى) (طه: 46)، وقال تعالى: (إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم) (آل عمران: 77).

وهو سبحانه الذي أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتوكل على الذي يراه حين يقوم من الليل: (وتوكل على العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين) (الشعراء: 219)، فكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: (اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي لساني نورا، واجعل في سمعي نورا واجعل في بصري نورا، واجعل من خلفي نورا، ومن أمامي نورا، واجعل من فوقي نورا ومن تحتي نورا، اللهم أعطني نورا).

والمؤمن الذي يتعبد الله باسمه البصير يراقب ربه في طاعته، ويوقن أنه من فوق عرشه بصير بعبادته، عليم بإخلاصه ومطلع على ما في نيته، وتلك مرتبة المراقبة يقول عز وجل: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون) (التوبة: 105).

والمؤمن يبذل كل جهده وجهاده من أجل الوصول لمرتبة الإحسان التي تحدث عنها جبريل عليه السلام كما في الحديث الذي رواه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أن جبريل سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (أخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، وتلك أغلى أماني المؤمن الموحد الله السميع البصير.