من المصطلحات المرتبطة بفهم الدين الإسلامي مفهوم السنة وهي من المفاهيم التي وقع بسببها بعض الشباب والدعاة في خطأ التشدد والتطرف باسم التدين، كما وقع بسبب المفهوم نفسه بعض المثقفين في خطيئة التحلل والتفريط في أسس الدين .
والسنة في الإسلام تعني المصدر الثاني للتشريع باعتبارها أصلاً من أصول التشريع، وهي مرتبطة بالقرآن المرجع الأول في فهم الدين عقيدة وعبادة وشريعة وأخلاقاً، وهذا هو المفهوم الأول والأبرز لفهم السنة .
وقد تعني السنة مرتبة من مراتب الحكم الشرعي، فالحكم الشرعي من مراتبه: الفريضة والواجب والسنة والمباح والمكروه والحلال والحرام . . وهذا هو المفهوم الثاني لالسنة .
والسنة قد تعني ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو ترك . . أي الجانب التطبيقي العملي للقرآن والدين، كما فسره الرسول ومارسه .
وفهم المقصود من السنة، كما يقرر عالم السنة الدكتور الأحمدي أبو النور، أستاذ الحديث بالأزهر، عضو هيئة كبار العلماء، هو الذي يرسخ الفهم الصحيح للإسلام ويعصم الكثيرين من الإفراط أو التطرف .
من ثوابت الإسلام
ويتحدث الدكتور الأحمدي عن السنة باعتبارها أصلاً من أصول التشريع، يرجع إليها أهل العلم لمعرفة الحكم الشرعي، فهذا من ثوابت الإسلام . فلا يمكن الاكتفاء بشيء، حتى بالقرآن وحده لفهم الدين، بل السنة هنا مطابقة للقرآن الكريم أو مفسرة له أو مقيدة لعمومه أو موضحة لمجمله، وهنا تكون كالقرآن سواء بسواء في الاستناد إليها في فهم الحكم . وفي هذا جاء القرآن واضحا: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا . وقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول . . وقوله تعالى: وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم .
ومن السنة ما قاله رسول الله: إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به فلن تضلوا بعدي، كتاب الله وسنتي . وقوله: صلوا كما رأيتموني أصلي . وهذا الحديث يدل على أن الفرائض لا نفهمها إلا بالسنة، فالقرآن فرض الصلاة مثلاً، ثم جاءت السنة فحددت طرق الصلاة وركعاتها، فالحكم يثبت بالقرآن والسنة معاً .
وقد أجمعت الأمة على هذا، واتفق الفقهاء والمحدثون والمفسرون على أن السنة هي المصدر الرئيس للتشريع مع كتاب الله . كما حذّر العلماء من دعوى الاكتفاء بالقرآن في الحكم الشرعي من غير السنة، واعتبروه إنكاراً لما هو معلوم من الدين بالضرورة، وقد يصل بصاحبه إلى الخروج من الدين، ولهذا حذّر الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح بقوله: ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان متكئ على أريكته يقول: عليكم بالقرآن . . وأكمل الرسول بما يدل على حرمة من يقول بهذا . ودعا لاتخاذ السنة مصدراً للاجتهاد من القرآن وقرأ قوله تعالى: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا .
القول والفعل والترك
والسنة باعتبارها من درجات الحكم الشرعي، يكثر استخدامها بهذا المفهوم عند الفقهاء، أي العلماء المهتمين ببيان الحلال ودرجاته والحرام ودرجاته . ولهذا يعرف الفقهاء السنة بأنها: ما يثاب فاعلها وما لا يعاقب تاركها . ويضرب الفقهاء مثالاً على هذا المفهوم بصوم التطوع أو صلاة الضحى .
ومن الخطأ أن يتوسع البعض في الحكم على الأشياء بأنها من السنة بينما هي درجة أعلى في الحكم . ومن الخطأ كذلك أن يستهين البعض بالحكم الشرعي لمجرد أنه سنة فطالما فعلها الرسول صلى الله عليه وسلم فهي لحكمة شرعية ودنيوية وسلوكية مفيدة للناس في آخرتهم ومعاشهم .
ومن مفاهيم السنة كما يضيف الدكتور الأحمدي ما يعرف بالسنة الفعلية أو القولية أو التركية .
فسنة القول هي ما يسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قاله، كأن يسمع مثلاً أن رسول الله قال: أول ما يحاسب عليه العبد الصلاة .
والسنة الفعلية هي ما يفعله الرسول . . سواء كان من أفعال الطبيعة الإنسانية مثل الأكل باليمين أو المشي الهوينا . . أو ما هو خاص به في العبادات مثل كثرة الصوم وكثرة قيام الليل . . أو بيان لحكم قرآني، فعندما يأمر الخالق: وأقيموا الصلاة يفعل الرسول إتيان الصلاة وعدد الركعات وكيفية الوضوء والقيام والقعود . . ثم يؤكد الرسول هذه السنة الفعلية بسنة قولية عندما يقول: خذوا عني مناسككم .
والسنة التركية هي التي يتركها الرسول . . وذلك مثل ترك الرسول الأذان عند صلاة العيدين مع إمكانية فعله، أو عدم الغسل عند كل صلاة مع عدم وجود مانع من فعله وغير هذا من المتروكات .
الإلهام والاجتهاد
والسنة الفعلية بشكل عام بعضها جاء بوحي جلي نزل به جبريل عليه السلام . . وقد ورد أكثر من حديث يؤكد أن ما فعله الرسول أو قاله جاء بالوحي .
وبعض السنة جاء بالإلهام، حيث قذف الله في قلبه كذا . . من ذلك ما جاء في حديث: إن روح القدس نفث في روعي: لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب .
وبعض السنة جاء بالاجتهاد، حيث اجتهد الرسول برأيه، ثم أقره الخالق بوحيه . . وهذا ما فهمه العلماء من معنى قوله تعالى في سورة النجم والنجم إذا هوى، ما ضل صاحبكم وما غوى، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى .
والسنة قد تبين ما شرعه الخالق في قرآنه الكريم . . فعندما يأمر القرآن بحد السرقة مثلاً تأتي السنة وتبين كيفية تطبيقه . . وعندما يفرض القرآن الصلاة تأتي السنة وتبين عدد الصلوات وكيفية أدائها وتوقيتاتها .
والسنة قد تستقل بحكم شرعي لم يرد في القرآن الكريم . . مثال تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، أو تحريم أكل كل ذي ناب من السباع، أو تحليل أكل ميتة البحر . . وهكذا في سياق حكم القرآن وهديه: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا .
ضوابط للفهم
وبعد هذا الضبط العلمي لمفهوم السنة في الإسلام . . يضع العالم الجليل الدكتور الأحمدي أبو النور عدداً من القواعد الشرعية الضابطة لفهم السنة من دون خطأ الوقوع في الإفراط، كما يفعل بعض المتحللين من السنة أو بعض المتشددين .
أول هذه الضوابط هو البعد عن الغلو في الفهم أو التأويل بالباطل . . فلا يجوز للإنسان أن يغلو في السنة بداعي حبها، كما لا يجوز أن يؤول المعاني بجهل أو سوء فهم .
وقد جاء التحذير النبوي واضحاً من هذين الصنفين، ففي الحديث: إياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين . وفي رواية ابن جرير أن رسول الله قال: يحمل هذا العلم من كل خلف عدو له، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين . وقد قال بعض الصحابة إن الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة . وفي الحديث الصحيح من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد .
ثاني هذه الضوابط، أننا لا بد أن نفهم السنة النبوية قولاً وعملاً، في ضوء آيات كتاب الله . . فلو التبس الأمر علينا في فهم السنة رجحنا الفهم الواضح من القرآن . . وقد فعل العلماء هذا في كثير من أحكام الزكاة والصدقات والزواج والطلاق وفقه العبادات، ومعروف أن الرسول يبين ما أنزله الله للناس، وبالتالي فإن السنة تفهم في سياق مصدر الوحي وقرآن الخالق: هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور وإن الله بكم لرؤوف رحيم . وهو القائل: وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله .
ومن أهم ضوابط فهم السنة أيضاً، أن الحديث النبوي ينبغي فهمه في ضوء الحادثة التي سيق فيها الحديث . فأسباب ورود الحديث والفهم العام منه يعين على الفهم ويجنب الزلل .
ويستشهد الدكتور الأحمدي على هذا المعنى على سبيل المثال بحديث أنتم أعلم بأمر دنياكم . فالحديث صحيح كما ورد في أكثر من رواية في مسلم وغيره عن عائشة وأنس، والمؤسف أن بعض المتحللين من شرع الله يتعللون بمثل هذا المعنى للهروب من أحكام الإسلام القاطعة في مجالات الاقتصاد والحلال والحرام وبعض الأمور السياسية والقانونية .
ولهذا نقول لهم: افهموا الحديث في سياقه ومقصده الشرعي . . فالمعروف أن هذا النص جاء في الواقعة المعروفة بتأبير النحل، ورأى الرسول بظنه أن النحل لا يحتاج إلى تأبير أي تلقيح فلما فسد الزرع بسبب عدم التأبير، أشار إليهم الرسول بأن ما قاله كان ظناً وليس أمراً دينياً، ولا يؤاخذ الرسول بالظن، وقال أنتم أعلم بأمر دنياكم، أي في هذه الواقعة .
إن ضبط مفهوم السنة عند العامة، وعند العلماء كفيل بالتيسير على الناس وإزالة أسباب الفرقة والاختلاف وجعل السنة باباً واسعاً من أبواب الفهم السليم، وحل المشكلات وتأسيس المجتمع المسلم البعيد عن الفرقة والضلال وسوء الفهم . وفي الحديث: إنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ . . .