محمد حماد

المواظبة على الطاعات ثمرة من ثمرات عظم الإيمان، ‮ ‬ومن أعظم أفضال الله على عبده المؤمن، ‮ ‬وعلى العبد المسلم واجب في‮ ‬اليوم والليلة، هو الصلوات الخمس. ‮ ‬كما جاء في‮ ‬البخاري‮ ‬ومسلم وغيرهما من حديث طلحة بن عبيد الله رضي‮ ‬الله عنه قال‮: ‬«جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أهل نجد ثائر الرأس نسمع دوي‮ ‬صوته ولا نفقه ما‮ ‬يقول، ‮ ‬حتى دنا فإذا هو‮ ‬يسأل عن الإسلام، ‮ ‬فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‮: ‬خمس صلوات في‮ ‬اليوم والليلة، ‮ ‬فقال هل علي‮ ‬غيرها؟ قال‮: ‬لا، إلاّ أن تطوّع، ‮ ‬قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‮: ‬وصيام رمضان، ‮ ‬قال هل علي‮ ‬غيره؟، ‮ ‬قال‮: ‬لا، إلاّ أن تطوّع، ‮ ‬قال‮: ‬وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة، ‮ ‬قال هل علي‮ ‬غيرها؟، ‮ ‬قال‮: ‬لا، إلاّ أن تطوّع، ‮ ‬قال فأدبر الرجل وهو‮ ‬يقول‮: ‬والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، ‮ ‬قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‮: ‬أفلح إن صدق».
وإذا كانت الفرائض دليل الخوف، ‮ ‬حيث‮ ‬يخشى المؤمن‮ ‬غضب الله ويتوقى عقابه فيأتي‮ ‬ما افترضه عليه، ‮ ‬فإنّ النوافل هي‮ ‬دليل المحبة للّه، ‮ ‬يتقرّب بها العبد المؤمن إلى ربه، ‮ ‬وفي‮ ‬الحديث الذي‮ ‬يرويه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه‮: «‬ما‮ ‬يزال‮ ‬عبدي‮ ‬يتقرب‮ ‬إلّى‮ ‬بالنوافل‮ ‬حتى أحبّه‮ ‬فإذا أحببته‮ ‬كنت‮ ‬سمعه‮ ‬الذي‮ ‬يسمع‮ ‬به،‮ ‬وبصره‮ ‬الذي‮ ‬يبصر‮ ‬به‮، ‬ويده‮ ‬التي‮ ‬يبطش‮ ‬بها ورجله‮ ‬التي‮ ‬يمشي‮ ‬بها، ‮ ‬وإن‮ ‬سألني‮ ‬لأعطيّنه، ‮ ‬ولئن‮ ‬استعاذني‮ ‬لأعيذنّه، ‮ ‬وما ترددت‮ ‬عن‮ ‬شيء‮ ‬أنا فاعله‮، ‬ترددي‮ ‬عن‮ ‬نفس‮ ‬المؤمن‮ ‬يكره‮ ‬الموت‮ ‬وأنا أكره‮ ‬مساءته‮»، (‬صحيح البخاري‮).‬

بيت في الجنة

وقد شرعت النوافل فضلاً من الله على عباده وخاصة السنن الرواتب التي‮ ‬داوم عليها النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم وحثّ عليها‮. ‬وقد روى مسلم بسنده عن النعمان بن سالم عن عمرو بن أوس قال حدثني‮ ‬عنبسة بن أبي‮ ‬سفيان في‮ ‬مرضه الذي‮ ‬مات فيه بحديث‮ ‬يتسار إليه قال‮: ‬سمعت أم حبيبة تقول‮: ‬«سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم‮ ‬يقول‮: ‬من صلى اثنتي‮ ‬عشرة ركعة في‮ ‬يوم وليلة بني‮ ‬له بهن بيت في‮ ‬الجنة»، ‮ ‬قالت أم حبيبة: فما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ‮ ‬وقال عنبسة‮: ‬فما تركتهن منذ سمعتهن من أم حبيبة، ‮ ‬وقال عمرو بن أوس: ما تركتهن منذ سمعتهن من عنبسة، ‮ ‬وقال النعمان بن سالم‮: ‬ما تركتهن منذ سمعتهن من عمرو بن أوس.»
اثنتا عشرة ركعة تركعها تطوعاً في‮ ‬اليوم والليلة تضمن لك بيتاً في‮ ‬جنة الخلد، ‮ ‬ويروي‮ ‬مسلم في‮ ‬صحيحه عن عائشة رضي‮ ‬الله عنها أنها سئلت عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تطوّعه، ‮ ‬فقالت‮: «‬كان‮ ‬يصلي‮ ‬في‮ ‬بيتي‮ ‬قبل الظهر أربعاً، ‮ ‬ثم‮ ‬يخرج فيصلي‮ ‬بالناس، ‮ ‬ثم‮ ‬يدخل فيصلي‮ ‬ركعتين، ‮ ‬وكان‮ ‬يصلي‮ ‬بالناس المغرب ثم‮ ‬يدخل فيصلي‮ ‬ركعتين، ‮ ‬ويصلي‮ ‬بالناس العشاء ويدخل بيتي‮ ‬فيصلي‮ ‬ركعتين، ‮ ‬وكان‮ ‬يصلي‮ ‬من الليل تسع ركعات فيهن الوتر، ‮ ‬وكان‮ ‬يصلي‮ ‬ليلاً طويلاً قائماً وليلاً طويلاً قاعداً، ‮ ‬وكان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، ‮ ‬وإذا قرأ قاعداً ركع وسجد وهو قاعد، ‮ ‬وكان إذا طلع الفجر صلى ركعتين، ‮ ‬وتلك اثنتا عشرة ركعة، ‮ ‬أربع ركعات قبل الظهر، ‮ ‬وركعتان بعد الظهر، ‮ ‬وركعتان بعد المغرب، ‮ ‬وركعتان بعد العشاء، ‮ ‬وركعتان قبل صلاة الفجر، ‮ ‬لك بها بيت في‮ ‬الجنة‮.»‬

جبر خلل صلاة الفريضة

تلك هي‮ ‬السنن الرواتب التي قال العلماء‮: ‬إنه‮ ‬يُكره تركها، ‮ ‬وأن من داوم على تركها، ‮ ‬سقطت عدالته عند بعض الأئمة، ‮ ‬وأثم بسبب ذلك، ‮ ‬لأن المداومة على تركها تدل على قلة دينه، ‮ ‬وعدم مبالاته، ‮ ‬والمحافظة على هذه السنن الرواتب، ‮ ‬فضلاً عن كونها اقتداءً بنبينا صلى الله عليه وسلم وعملاً بقول ربنا سبحانه وتعالى‮: ‬«لقد‮ ‬كان‮ ‬لكم‮ ‬في‮ ‬رسول‮ ‬الله‮ ‬أسوة‮ ‬حسنة‮ ‬لمن‮ ‬كان‮ ‬يرجو الله‮ ‬واليوم‮ ‬الآخر‮ ‬وذكر‮ ‬الله‮ ‬كثيراً»، ‮ فإنها ‬إلى جانب ذلك فضل من الله‮ ‬يجبر به ما‮ ‬يحصل في‮ ‬صلاة الفريضة من النقص والخلل، ‮ ‬وكلٌّ منّا معرّض للنقص والخلل في‮ ‬عمله وعباداته، ‮ ‬والتطوّع شرع لجبر نقصنا‮. ‬وهكذا كل فريضة شرعت إلى جانبها نافلة من جنسها، ‮ ‬تجبر نقصها وتصلح خللها، ‮ ‬وهذا من فضل الله على عباده، ‮ ‬حيث نوع لهم الطاعات ليرفع لهم الدرجات، ‮ ‬ويحط عنهم الخطايا، ‮ ‬وهي‮ ‬في‮ ‬فريضة الصلاة، ‮ ‬كما في‮ ‬فرائض الصيام، ‮ ‬والزكاة، ‮ ‬والحج، ‮ ‬كل إلى جانبها نافلة من جنسها، ‮ ‬وذلك لأنها تجبر النقص الذي‮ ‬قد‮ ‬يحصل في‮ ‬الفرائض، ‮ ‬ففي‮ ‬سنن ابن ماجة والترمذي‮ ‬أن النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم قال‮: ‬«إنّ أول ما‮ ‬يحاسب عليه العبد‮ ‬يوم القيامة من عمله صلاته، ‮ ‬فإن صلحت فقد أفلح ونجح، ‮ ‬وإن فسدت فقد خاب وخسر، ‮ ‬فإن انتقص من فريضته شيئاً‮ ‬قال الرب عز وجل‮: ‬انظروا هل لعبدي‮ ‬من تطوّع فيكمل بها ما انتقص من الفريضة، ‮ ‬ثم‮ ‬يكون سائر عمله على ذلك»، ‮ ‬وروى مثله الإمام أحمد رضي‮ ‬الله عنه أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال‮: ‬«أول ما‮ ‬يحاسب به العبد‮ ‬يوم القيامة صلاته، ‮ ‬فإن كان أتمها كتبت له تامة، ‮ ‬وإن لم‮ ‬يكن أتمها قال الله لملائكته‮: ‬انظروا هل تجدون لعبدي‮ ‬من تطوع فتكملون بها فريضته».
وانظر إلى أهمية هذه النوافل القصوى حيث إن النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم كان‮ ‬يقضيها إن فاته منها شيء، ‮ ‬فقضى صلى الله عليه وسلم ركعتي‮ ‬الفجر مع الفجر حين نام عنهما، ‮ ‬وقضى الركعتين اللتين قبل الظهر بعد العصر، ‮ ‬ويقاس الباقي‮ ‬من الرواتب في‮ ‬مشروعية قضائه إذا فات على ما فيه النص، ‮ ‬وقال صلى الله عليه وسلم‮: «‬من نام عن الوتر أو نسيه، ‮ ‬فليصله إذا أصبح أو ذكر‮»‬، ‮ ‬ويقضي‮ ‬الوتر مع شفعه، ‮ ‬لما في‮ ‬الصحيح عن عائشة رضي‮ ‬الله عنها‮: ‬«كان النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم إذا منعه من قيام الليل نوم أو وجع، ‮ ‬صلى من النهار اثنتي‮ ‬عشرة ركعة‮». ‬

بين كل أذانين صلاة

والدور الآن عليّ ‬وعليك أن نعاهد الله في‮ ‬هذا الشهر المبارك على ألّا نتركهن تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم، ‮ ‬واتباعاً لهديه، ‮ ‬وطمعاً في‮ ‬بيت‮ ‬يبنيه الله لنا في‮ ‬الجنة، ‮ ‬وإذا فاتك شيء من هذه السنن الرواتب، ‮ ‬فإنه‮ ‬يسن لك قضاؤه، ‮ ‬وكذا إذا فاتك الوتر من الليل، ‮ ‬فإنه‮ ‬يسن لك قضاؤه في‮ ‬النهار، ‮ ‬والأصل في‮ ‬صلاة التطوع ما قاله صلى الله عليه وسلم‮: «‬بين كل أذانين صلاة، ‮ ‬بين كل أذانين صلاة، ‮ ‬بين كل أذانين صلاة، ‮ ‬قال في‮ ‬الثالثة‮: ‬لمن شاء، ‮ ‬والمراد بالأذانين‮: ‬الأذان والإقامة ومن شاء أن‮ ‬يزيد ليزيد له الله في‮ ‬الخير‮»‬، ‮ ‬وروي‮ ‬أنّه صلى الله عليه وسلم قال‮: «‬رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعاً‮»‬، ‮ ‬وقال صلى الله عليه وسلم‮: «‬من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حرّمه الله على النار‮»‬، ‮ ‬وتستحب ركعتان بعد الوضوء فقد قال صلى الله عليه وسلم لبلال‮: ‬«يا بلال حدثني‮ ‬بأرجى عملٍ ‬عملته في‮ ‬الإسلام، ‮ ‬فإني‮ ‬سمعت‮ ‬دفَّ‮ ‬نعليك بين‮ ‬يدي‮ّ ‬في‮ ‬الجنة»، ‮ ‬قال‮: ‬«ما عملت‮ ‬عملاً‮ ‬أرجى عندي‮ ‬من أني‮ ‬لم أتطهر طهوراً‮ ‬في‮ ‬ساعة من ليل أو نهار إلا صلّيت بذلك الطهور ما كتب لي‮ ‬أن أصلي»‮.‬

ومن حديث أم المؤمنين عائشة نتبين أن فعل تلك السنن في‮ ‬البيت أفضل من فعلها في‮ ‬المسجد، ‮ ‬وذلك تحرياً لإخفاء العمل عن الناس والبعد عن الرياء والإعجاب، ‮ ‬ولتمام الخشوع والإخلاص، ‮ ‬وهي‮ ‬عمارة للبيوت بذكر الله والصلاة التي‮ ‬بسببها تنزل الرحمة على أهل البيت ويبتعد عنه الشيطان، ‮ ‬وقد قال صلى الله عليه وسلم‮: ‬‮«‬اجعلوا من صلاتكم في‮ ‬بيوتكم، ‮ ‬ولا تجعلوها قبوراً‮»‬، ‮ ‬فعمّر قلبك وبيتك بالسنن ولا تهجرها، فإن المداومة على هجرها من قلة الدين كما ذكر علماء المسلمين‮.‬