المواظبة على الطاعات ثمرة من ثمرات عظم الإيمان، ومن أعظم أفضال الله على عبده المؤمن، وعلى العبد المسلم واجب في اليوم والليلة، هو الصلوات الخمس. كما جاء في البخاري ومسلم وغيرهما من حديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه قال: «جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أهل نجد ثائر الرأس نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول، حتى دنا فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال هل علي غيرها؟ قال: لا، إلاّ أن تطوّع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وصيام رمضان، قال هل علي غيره؟، قال: لا، إلاّ أن تطوّع، قال: وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة، قال هل علي غيرها؟، قال: لا، إلاّ أن تطوّع، قال فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلح إن صدق».
وإذا كانت الفرائض دليل الخوف، حيث يخشى المؤمن غضب الله ويتوقى عقابه فيأتي ما افترضه عليه، فإنّ النوافل هي دليل المحبة للّه، يتقرّب بها العبد المؤمن إلى ربه، وفي الحديث الذي يرويه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه: «ما يزال عبدي يتقرب إلّى بالنوافل حتى أحبّه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطيّنه، ولئن استعاذني لأعيذنّه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله، ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته»، (صحيح البخاري).
بيت في الجنة
وقد شرعت النوافل فضلاً من الله على عباده وخاصة السنن الرواتب التي داوم عليها النبي صلى الله عليه وسلم وحثّ عليها. وقد روى مسلم بسنده عن النعمان بن سالم عن عمرو بن أوس قال حدثني عنبسة بن أبي سفيان في مرضه الذي مات فيه بحديث يتسار إليه قال: سمعت أم حبيبة تقول: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بني له بهن بيت في الجنة»، قالت أم حبيبة: فما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال عنبسة: فما تركتهن منذ سمعتهن من أم حبيبة، وقال عمرو بن أوس: ما تركتهن منذ سمعتهن من عنبسة، وقال النعمان بن سالم: ما تركتهن منذ سمعتهن من عمرو بن أوس.»
اثنتا عشرة ركعة تركعها تطوعاً في اليوم والليلة تضمن لك بيتاً في جنة الخلد، ويروي مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تطوّعه، فقالت: «كان يصلي في بيتي قبل الظهر أربعاً، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يدخل فيصلي ركعتين، وكان يصلي بالناس المغرب ثم يدخل فيصلي ركعتين، ويصلي بالناس العشاء ويدخل بيتي فيصلي ركعتين، وكان يصلي من الليل تسع ركعات فيهن الوتر، وكان يصلي ليلاً طويلاً قائماً وليلاً طويلاً قاعداً، وكان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ قاعداً ركع وسجد وهو قاعد، وكان إذا طلع الفجر صلى ركعتين، وتلك اثنتا عشرة ركعة، أربع ركعات قبل الظهر، وركعتان بعد الظهر، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل صلاة الفجر، لك بها بيت في الجنة.»
جبر خلل صلاة الفريضة
تلك هي السنن الرواتب التي قال العلماء: إنه يُكره تركها، وأن من داوم على تركها، سقطت عدالته عند بعض الأئمة، وأثم بسبب ذلك، لأن المداومة على تركها تدل على قلة دينه، وعدم مبالاته، والمحافظة على هذه السنن الرواتب، فضلاً عن كونها اقتداءً بنبينا صلى الله عليه وسلم وعملاً بقول ربنا سبحانه وتعالى: «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً»، فإنها إلى جانب ذلك فضل من الله يجبر به ما يحصل في صلاة الفريضة من النقص والخلل، وكلٌّ منّا معرّض للنقص والخلل في عمله وعباداته، والتطوّع شرع لجبر نقصنا. وهكذا كل فريضة شرعت إلى جانبها نافلة من جنسها، تجبر نقصها وتصلح خللها، وهذا من فضل الله على عباده، حيث نوع لهم الطاعات ليرفع لهم الدرجات، ويحط عنهم الخطايا، وهي في فريضة الصلاة، كما في فرائض الصيام، والزكاة، والحج، كل إلى جانبها نافلة من جنسها، وذلك لأنها تجبر النقص الذي قد يحصل في الفرائض، ففي سنن ابن ماجة والترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح ونجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، فإن انتقص من فريضته شيئاً قال الرب عز وجل: انظروا هل لعبدي من تطوّع فيكمل بها ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك»، وروى مثله الإمام أحمد رضي الله عنه أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته، فإن كان أتمها كتبت له تامة، وإن لم يكن أتمها قال الله لملائكته: انظروا هل تجدون لعبدي من تطوع فتكملون بها فريضته».
وانظر إلى أهمية هذه النوافل القصوى حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقضيها إن فاته منها شيء، فقضى صلى الله عليه وسلم ركعتي الفجر مع الفجر حين نام عنهما، وقضى الركعتين اللتين قبل الظهر بعد العصر، ويقاس الباقي من الرواتب في مشروعية قضائه إذا فات على ما فيه النص، وقال صلى الله عليه وسلم: «من نام عن الوتر أو نسيه، فليصله إذا أصبح أو ذكر»، ويقضي الوتر مع شفعه، لما في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا منعه من قيام الليل نوم أو وجع، صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة».
بين كل أذانين صلاة
والدور الآن عليّ وعليك أن نعاهد الله في هذا الشهر المبارك على ألّا نتركهن تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم، واتباعاً لهديه، وطمعاً في بيت يبنيه الله لنا في الجنة، وإذا فاتك شيء من هذه السنن الرواتب، فإنه يسن لك قضاؤه، وكذا إذا فاتك الوتر من الليل، فإنه يسن لك قضاؤه في النهار، والأصل في صلاة التطوع ما قاله صلى الله عليه وسلم: «بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، قال في الثالثة: لمن شاء، والمراد بالأذانين: الأذان والإقامة ومن شاء أن يزيد ليزيد له الله في الخير»، وروي أنّه صلى الله عليه وسلم قال: «رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعاً»، وقال صلى الله عليه وسلم: «من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حرّمه الله على النار»، وتستحب ركعتان بعد الوضوء فقد قال صلى الله عليه وسلم لبلال: «يا بلال حدثني بأرجى عملٍ عملته في الإسلام، فإني سمعت دفَّ نعليك بين يديّ في الجنة»، قال: «ما عملت عملاً أرجى عندي من أني لم أتطهر طهوراً في ساعة من ليل أو نهار إلا صلّيت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي».
ومن حديث أم المؤمنين عائشة نتبين أن فعل تلك السنن في البيت أفضل من فعلها في المسجد، وذلك تحرياً لإخفاء العمل عن الناس والبعد عن الرياء والإعجاب، ولتمام الخشوع والإخلاص، وهي عمارة للبيوت بذكر الله والصلاة التي بسببها تنزل الرحمة على أهل البيت ويبتعد عنه الشيطان، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تجعلوها قبوراً»، فعمّر قلبك وبيتك بالسنن ولا تهجرها، فإن المداومة على هجرها من قلة الدين كما ذكر علماء المسلمين.