مثلما كانت بوابات الكويت الخمس الشامية أو نايف، وبنيد القار أو دسمان، والجهراء، والشعب أو البريعصي، والمقصب متوزعة على سور الكويت الثالث الذي بني عام 1920 بعد تهدم السورين الاول والثاني بفعل العوامل المناخية، ليشكل هذه البوابات والسور معا حصنا منيعا، أصبحت الآن شاهدا تاريخيا وتراثيا على حكمة ومثابرة الأجداد، وعزيمتهم في الحفاظ على أمن وسلامة بلدهم ضد أي اعتداء خارجي.
وحينما صدر القرار بإزالة السور العام 1957 لأسباب تتعلق بالتوسعات العمرانية، بقيت هذه البوابات الخمس، رمزا لتراث وتاريخ الكويت، وعنوانا يمكن قراءة ما يتضمنه من معان مرتبطة بسعي الكويتيين القدماء إلى التطور المعماري، فعلى رغم ما كانت تتضمنه الطبيعة المناخية وظروف المعيشة من صعوبة، وعدم وفرة المواد الإنشائية الصالحة للبناء وتشييد البوابات، فإن الرغبة في الذود عن الوطن، والمساهمة في تعزيزه ضد أي هجمات خارجية، جعلتا الإنسان الكويتي يتحدى الظروف لتأمين حدود الوطن، عبر إنشاء سور يحيط بالبلد من كل اتجاه، وفتح بوابات على مساحات متفاوتة منه، تسمح بمعرفة الداخل والخارج.
وكانت الاعتداءات والهجمات المتكررة من قبل بعض القبائل المجاورة، سببا رئيسيا لتفكير أهل الكويت في بناء سور يحيط ببلدهم الصغير، ويحافظ على أمنه واستقراره، وهذا المجتمع الصغير، كان بحاجة لأن يتفرغ للعمل وكسب الرزق من مياه الخليج، وأن هذا التفرغ لن يتحقق، طالما أن هناك أطماعاً تحيط به، وتتطلع إلى الخير الذي يجلبه البحارة من الخليج. وعلى هذا الأساس كان التفكير منصبا على إقامة سور يحيط بالكويت، ويحميها من الغزاة الطامعين، ومن ثم أقيم السور الأول الذي اختلف الرواة في تاريخ بنائه، ولكنهم أوضحوا أنه كان دائري الشكل يحيط بالكويت من كل اتجاه فيما يشبه السد المنيع، وأن نشأته كانت في زمن ابن عريعر، وأن الذين بنوه هم بنو خالد، ولكن هذا السور انتهى وجوده عقب تولي آل الصباح الحكم - كما يرى بعض المؤرخين - أن هذا السور لا يعد الأول، كونه كان حصنا يطلق عليه حصن الكوت، وأن السور الأول أنشئ في عهد الشيخ عبدالله الأول في العام ،1770 وكان يمتد حوالي ميل، بين حي النصف في منطقة الشرق ثم حي البدر في منطقة القبلة، مع وجود البحر من الجهة الأخرى. وساعد السور الأول على أن تنعم الكويت وأهلها بالاستقرار، مع الارتباط بالمحيط الخارجي من خلال خمس بوابات أو دروازات، هي: عبدالرزاق والفداغ وأمديرس والبدر وبن بطي.
ولأن السور الأول أو الحصن، كان صغير الحجم لم يتحمل عوامل البيئة، فتهدم تاركا الكويت للهجمات الخارجية، ومن ثم فقد كان لابد من بناء سور ثان أكثر قوة وأكبر حجما وأكثر أمنا، وتحمل هذه المسؤولية الشيخ جابر الأول بن عبدالله (جابر العيش)، في العام ،1815 حينما دعا لبناء السور، إلا أنه بعد فترة وجيزة تهدمت أجزاء منه، مما دفعهم إلى إعادة ترميمه في العام ،1845 وللالتقاء بالمحيط الخارجي أقاموا سبع بوابات، جاءت كلها على امتداد السور وهي دروازات بن بطي، وعبدالرزاق، والقروية، والشيخ والفذاع والسبعات والبدر، وتميز السور بثغرة أطلقوا عليها ثملة أو المطبة كان الناس يقفزون منها، لذا فقد عرفت باسم فريج المطبة.
ويذكر بعض المؤرخين أن السور الثاني بُني في عهد عبدالله الأول (الحاكم الثاني للكويت) ورمم في عهد جابرالأول (جابر العيش)، وسبب بنائه، أن إبراهيم بن عفيصان غزا الكويت بجيش كبير ونجح في الاستيلاء على الكثير من الأسلحة والعتاد، وبعد أربع سنوات أقدم مناع بورجلين على غزو الكويت أيضا وخرج أهل الكويت جميعا لمواجهة هذا الغزو ولكنهم منوا بالهزيمة.
وبسبب هاتين الغزوتين قررأهل الكويت بناء السور الثاني، واستخدموا في البناء الطين وكل المواد المتوافرة لديهم، ولحق بهذا السور عوامل هدم حينما تعرضت الكويت لغزو بندر السعدون، وكان لابد من ترميمه، ورتق ما حدث فيه من شروخ وهدم.
وساهم بناء السور الثاني في أن ينعم أهل الكويت بالاستقرار، والتفرغ لمواصلة البناء والتعمير.
وحينما تولى الشيخ سالم المبارك الصباح حكم الكويت العام ،1920 حدثت معركة حامية الوطيس أطلق عليها معركة حمض، في شمال قرية العليا، التي نزح إليها الإخوان بغية الاستيلاء عليها، لذا فقد أرسل الشيخ سالم المبارك سرية بقيادة دعيج بن سلمان، وكان معه 100 فارس و200 من جنود المشاة، ولكن قائد جيش الإخوان استعان بالأرطاوية، الذين أمدوه بأكثر من 2000 جندي، مما تسبب في هزيمة السرية الكويتية، وعودتها، واستعان حاكم الكويت بضاري بن طوالة ومن معه، لمساندة جيشه بقيادة دعيج الصباح، ولكن الجيش الكويتي لم يهاجم الإخوان ورجع إلى الجهراء نتيجة لما وجده من صعوبة في مهاجمتهم.
بعد هذه المعركة تأكد الشيخ سالم المبارك الصباح ضرورة تشييد سور ثالث للكويت، يكون بمنزلة الحصن المنيع الذي يقي أهل الكويت من هجمات الغزاة، التي كانت تأتي من ثغرات في السور الثاني، بعد أن تعرض لعوامل عديدة أدت إلى تهدم بعض من أجزائه، ولم يكن بناء سور جديد أمرا سهلا، فقد مرت الكويت بتجارب عدة في بناء الأسوار، واجتمع حاكم الكويت بشعبه، وأفضى إليهم بطموحه، فوجد من الهمة والعزيمة والإصرار ما عزز في قلبه الثقة ودفعه إلى الاستبشار خيرا، لبناء سور يحصن الكويت، ويُدخل إلى أهلها الطمأنينة والأمان.
وبالفعل في 27 شعبان من العام 1338 ه، بدأ الكويتيون بالبناء، في شكل جماعي منظم، فكان سكان كل حي يشاركون في بناء جزء من السور يقابل منطقتهم، كما كان سكان كل فريج يبنون الجزء الذي يقترب منهم، والمواد التي استخدمها الكويتيون وقتها كانت بسيطة، ومأخوذة من الطبيعة وهي الطين، الذي كان يحمل على ظهور الحمير، بينما كان الماء ينقل من مصادره على ظهور الجمال.
بلغ ارتفاع السور الثالث 14 قدما، وسمكه يقترب من المتر ونصف المتر، واستخدم الكويتيون في بناء الأبراج والبوابات الأربع للسور التي يطلق عليها دروازات وهي جمع دروازة من الجص واللبن والطين، وبنيت بوابة خامسة للسور بعد ذلك، ويبلغ طول السور خمسة أميال، وذكر المؤرخون أن هذا السور كان يبدأ من ساحل الخليج شرقا ليصل إلى ساحله غربا في شكل قوس.
تحمل الكويتيون المشقة والعناء في سبيل تأمين البلاد، وتحصينها من الغزوات الخارجية، وكانت الحماسة شديدة، لدرجة أنهم بنوا السور الثالث في وقت قياسي، لم يتعد الشهرين.
وذكر المؤرخون أن إقامة السور الثالث، كان لها بالغ الأثر في تأمين مداخل ومخارج البلد. وتشهد دروازات السور الثالث نموذجا فريدا يجسد نظرة الإنسان الكويتي قديما للمعمار، اذ استخدم في تشييدها مواد بسيطة (الجص والطين والخشب) وحينما نريد ترتيب بوابات السور الثالث من ناحية الشرق وصولا إلى الغرب، فهي كالتالي: دسمان، الشعب، الشامية، الجهراء، المقصب، بينما احتوى السور على 26 برجا يطلق على الواحد منها غولة، وهي عبارة عن غرفة مستديرة مقامة على السور لأهداف عسكرية ولكي تسمح بالمراقبة.
وفي العام 1957 قررت الحكومة الكويتية هدم السور، من أجل إعادة تخطيط مدينة الكويت، وتوسيعها، ومن ثم فقد أبقت على البوابات الرئيسية له، كي يشاهدها الأحفاد، ويتذكروا من خلالها الأجداد والآباء، الذين بذلوا الجهد الكبير للحفاظ على الكويت، وتأمينها من هجمات الغزاة.
وحينما نتأمل هذه البوابات، نجد أننا أمام تحفة معمارية تحمل في مضامينها مواصفات متميزة، تشير إلى فطنة الكويتي القديم، وقدرته على توظيف المواد الطبيعية المتوفرة على رغم قلتها في تشييد بوابات يتحدث خشبها عن ملحمة وطنية مشرفة.
البوابة الاولى هي بنيد القار أو دسمان، وأطلق عليها اسم بنيد القار بسبب وجود بعض الرواسب القريبة من الساحل الموازي لها، وهذه الرواسب كانت تحتوي على القارة التي كانت تأتي من جزيرة قاروة بفعل الرياح، بينما أطلق عليها دسمان، نتيجة لقربها من قصر دسمان، وتتميز هذه البوابة بسعتها ومتانة خشبها، وصممت البوابة بطريقة يتم التحكم فيها بأعداد المارة منها من خلال حارسها المرابض خلفها، بالإضافة إلى تضمينها أشكالا هندسية وزخارف بسيطة، لا تتأثر بعوامل الطبيعة.
والبوابة الثانية هي دروازة الشعب أو البريعصي وأطلقت عليها هذه التسمية لقربها من منطقة الشعب، كما أطلق عليها البريعصي لأن حارسها كان من البراعصة، وهذه البوابة كانت صغيرة الحجم، وبعيدة بعض الشيء عن العمران.
ويعود سبب تسمية دروازة الشامية بهذا الاسم لقربها من منطقة الشامية التي كانت تحتوي على آبار من المياه العذبة، كما يستخدمها الأهالي في ري مزروعاتهم، كما أطلق عليها كذلك دروازة نايف لقربها من قصر نايف، وهي من أهم البوابات في السور.
وتقع دروازة الجهراء في الطريق المؤدي إلى الجهراء، وتعد من أهم البوابات لانها المنفذ الذي تدخل منه السيارات وتخرج، وانعزلت هذه البوابة في دوار يطلق عليه دوار الجهراء، وتحمل آثارا تاريخية تشير إلى قديم الكويت من خلال تكويناتها المعمارية، وبساطة حوائطها.
والدروازة الأخيرة، هي المقصب أو المسلخ باللهجة الكويتية، وكانت قريبة من المسلخ القديم، وتبدو ذات أوصاف بسيطة، وقادرة على تنظيم المرور من خلالها، بفضل متانتها، وقدرة حارسها على أن يتحكم في إغلاقها وفتحها بسهولة.
وصدرعن مركز البحوث والدراسات الكويتية كتاب متميز يتحدث عن سور الكويت الثالث وتاريخ بواباته للباحث بشار محمد خليفوه، تحدث فيه عن الجوانب التاريخية لبناء السور الثالث، وأشار ببعض التفصيل إلى البوابات الخمس للسور الثالث.