الحقيقة الواقعية، أن الإنسان مشى على سطح القمر أكثر من زيارته إلى أعمق مكان في مياه البحار كان ذلك خلال بعثات أبولو الست بين عامي 1969 و ،1972 تمخض عنها وضع 12 شخصاً أقدامهم هناك، في حين أن اثنين فقط وصلوا إلى أعمق نقطة في خندق ماريانا قبالة سواحل جزر ماريانا التابعة للولايات المتحدة . وهما المهندس وخبير علوم البحار السويسري جاك بيكارد وخبير البحرية الأمريكي دون والش، وذلك على متن رحلتهم تشالنجر ديب، وصلا إلى عمق 11 آلاف متراً تحت سطح المحيط الهادئ قبالة سواحل جزيرة غوام، كان ذلك في يناير/كانون الثاني 1960 .

تكمن صعوبة رحلات أعماق المحيطات، في الضغط وبرودة المياه، ما يستلزم تقنيات متقدمة لحماية من على متن الغواصة، وهذا التباين بين السفر إلى الفضاء والغوص في أعماق البحار، أو بمعنى آخر، من تسبب في تأخر استكشاف المسطحات المائية على كوكب الأرض؟ بشكل كبير هم الساسة، ففي وقت مولوا فيه سباقهم نحو الفضاء بما خلفته الحرب الباردة من تقنيات، صرفوا أنظارهم عن تحفيز وتشجيع التنقيب في المحيطات .

وتمويل مثل هذه المشروعات من خزانة عامة تعاني من شح السيولة حالياً وترزح تحت تبعات الأزمة الاقتصادية كما كان في الولايات المتحدة وأوروبا على أقل تقدير، خلف مبادرات خاصة مختلفة تدعي أنها على وشك السيطرة على مجال الفضاء . وتماشياً مع ذلك، بدأ نشاط موازي لعدد من الجهات الغير حكومية للبحث في أعماق المحيطات، المخرج الشهير جيمس كاميرون بإرسال غواصة إلى خندق ماريانا لتصوير لقطات من فيلمه الجزء الثاني الشهير أفاتار . رجل الأعمال البريطاني الملياردير ريتشارد برانسون الذي اشتهر بقدرته على أساليب الدعاية والترويج بقدرته المادية، فقد صنع الغواصة العذراء ويستعد لبداية سلسلة رحلات إلى أعمق المناطق الموجودة في كل المحيطات الخمسة، ستشمل صدع ماريانا، وهي أعمق نقطة معروفة في المحيطات، وعمقها 10902 متر .

يقول برانسون: لم أكن أفهم حقاً لماذا لم يتم استكشاف المحيطات، والمؤسف أن مجرد التفكير فيها يبدو ضرباً من الجنون . ولكن هذه ليست مجرد حبكة من حبكات الكاتب الفرنسي جول فيرن الذي كان له الفضل في تأسيس ما يعرف بأدب الخيال العلمي وهو القائل أن الأشكال لغة الكون، وإنما الأمر جدي وليست كما يذهب به العقل إلى أن فكرة برانسون الترفيه، فقد وقع اتفاقيات مع عدد من الباحثين للقيام بدراسات اعتماداً على ما يأتي به من ملاحظات وعينات، وبناءً على ذلك وضعوا لائحة من الأسئلة العلمية في علوم البيئة والجيولوجيا الأرضية .

وفي عام ،1995 قدمت الغواصة اليابانية كيايكو الغير مأهولة، المزيد من الأدلة عن أسرار الحياة بأعماق البحار في شكل صور، ظهر عليها بعض من المخلوقات البحرية المعروفة مثل خيار البحر وبعض أنواع الروبيان . وفي مايو ،2009 أرسل معهد وودز هول لعلوم المحيطات في ولاية ماساشوستس الأمريكية، الغواصة نيريوس وعلى متنها عدد من الباحثين، جمعوا خلال رحلتهم عينات، وهذا كل ما حصلت عليه البشرية من رحلات رعتها جهات خاصة إلى أعمق أعماق المحيطات عينات وليست دراسات ونظريات حديثة .

من المناطق المعروفة بعمقها المفرط، خندق ماريانا، وهو شق ضيق طوله نحو 2500 كيلومتراً وعرضه 70 كيلومتراً، وبحسب علماء، فإنه تشكل بعد عملية ما يمسى بالاندساس قبل نحو 50 مليون سنة، حيث تحركت صفيحة المحيط الهادئ التكتونية إلى أسفل صفيحة ماريانا الواقعة إلى الغرب منها . والعمق المائي في ماريانا، يخلف بيئة نادرة ومعزولة، فقد أثبت تشارلز داروين، صاحب نظرية التطور، حول نشأة الإنسان، قبل 150 عاماً، أن العزلة قادت الحيوانات في جزر غالاباغوس للتحور متخذة أشكالاً غريبة، فالسلاحف نمت إلى أحجام أكبر، والاختلاف أن الجزر هي غالباً أماكن ذات بيئات متنوعة، ويمكن الوصول إليها بسهولة وفي الغالب تتنوع مخلوقاتها ولكنها تضم أنواعاً رحالة من الطيور، ولكن الضغط والماء البارد والظلام التام في خنادق المحيطات يجعلها قاتلة لمعظم المخلوقات .

وقد يعني أن الحياة الموجودة في مثل هذه الخنادق بدأت كأول شكل من أشكال البيئات التي تضم مخلوقات تتكيف مع الطبيعة، لأنها لا توفر لها إلا ما يسمح لها بالتكيف وببطء في البيئة المتغيرة .

تقول كاترينا إدواردز، عالم الأحياء البحرية في جامعة جنوب كاليفورنيا في لوس أنجلوس لمجلة نيوساينشن السؤال الذي يستحق الجواب هو، هل هناك كائنات جرثومية جديدة وذات تأثير في النظريات الحالية؟ .

إن دراسة البيئة الطبيعية لقاع المحيطات العميقة ليست بسيطة مثل إسقاط كبسولات الباحثين عبر حبال، والتي توفر لهم الخروج بسهولة عند الطوارئ . فالكائنات الحية التي تعيش في الأعماق البعيدة، غالباً لا تتعايش في بيئة السطح .

تضيف إدواردز: إن التغير في الضغط قد يقتل الكثير منها . . ولتأمين حياة عيناتهم حتى السطح، اعتمدت إدواردز وزملاؤها على آلية لاندرز، التي تعمل بتقنية مضخات المياه والفلاتر لجمع الحياة الميكروبية وتحليلها في الموقع .

تضيف: غالباً ما نجد صعوبة في معرفة ما إذا كنا قد هبطنا على منحدر، أو في حفرة بالقرب من مكان خطر، ومن هنا نعرف من البيئة التي نجدها أن النشاط والتنوع البيولوجي يختلف بشكل كبير وفقاً للجيولوجيا وتحولاتها الكيميائية .

وفي مناطق الاندساس والنشاط الجيولوجي، مثل ما في خندق ماريانا، توجد فتحات حرارية مائية وبراكين تخلف اختلافات كبيرة في الكيمياء ودرجة الحرارة عبر مسافات صغيرة .

وهذا هو المكان الذي يمكن أن يكون مرتعاً خصباً للباحثين لاحتوائه على عينات لا تقدر بثمن . وستقوم ادواردز وفريقها بأول رحلة إلى أعماق المحيط على متن الغواصة العذراء، بمركبات آلية مزودة بمجاهر ومعدات لتحليل الحمض النووي وأجهزة تعقب فأذرع لجذب وقبض أي من المخلوقات التي تسبح على مقربة .

وبعد السباحة لمدة ساعتين على طول القاع، ستوفر عينات وصور وفيديو . يقول كريس ويلش قائد الغواصة: هدفنا زيارة كل منطقة يمكن أن تساعدنا في جمع العينات، التي نتطلع للحصول عليها، مثل الأحماض الأمينية، يضيف: الأمل هو أخذ العينات وباستمرار، ما سيكشف عن مجالات الحياة النشطة .

ولأن علماء الأحياء ليسوا من يهتمون بتضاريس الخنادق البحرية، فإن باتريشيا فراير المتخصصة في الجيولوجيا من جامعة هاواي في هونولولو، سترافق البعثة كشخص مناسب عند الحاجة لجمع عينات التضاريس .

ووفقاً للنظرية، فإن الأراضي الجافة الأولى تكونت، عندما تحركت مناطق من تحت البحر بما في ذلك الصخور، حتى وصلت في نهاية المطاف إلى السطح مشكله الجزر . وعلى مر التاريخ الجيولوجي، حدث المزيد من الاندساسات على طول خطوط الصدع التكتونية وتصادمت الصمامات الأرضية، مخلفة كتل يابسة أكبر من ذي قبل، وهكذا دواليك .

فإذا كان هذا هو الحال، فثمة أنماط من العناصر والنظائر التي عثر عليها في منتصف القارات الحالية، وبما أنها في اليابسة، فهي إذاً بعيدة عن خطوط الصدع وقيعان البحار، ما يعني أنه ينبغي أن تكون موجودة في مناطق الاندساس النشطة وكما يجب أن تكون في طبيعتها .

ويعتقد علماء، أن المستويات العالية من الروبيديوم والسترونتيوم والباريوم والبريليوم والضوء النادرة الموجودة في عناصر الأرض الداخلية، مصدرها الصفائح التكتونية، وما هي إلا دمج في الصخور . واختبار هذه الفكرة يعني تحليل الصخور الموجودة في الجزر وأسفل المنحدرات العميقة التي تؤدي إلى الخنادق المجاورة، ولذلك يتعين عليهم الذهاب إلى قاع المحيط رغم جهلهم عما سيواجههم من مشكلات هناك .

تضيف فراير: النزول في المكان الخطأ يمكن أن يكلفنا الملايين من الدولارات .

والتحرك المفاجئ على امتداد مناطق الاندساس يولد زلازل بحرية قوية وبصورة مستمرة، تتسبب في تسونامي مدمر، مثل الذي ضرب الساحل الشمالي الشرقي لليابان في وقت سابق من هذا العام . وفي هذه الظاهرة تلعب الكيمياء دوراً مهماً، إذ إنزلاق الصفيحة المضغوطة والساخنة في باطن الأرض، يخلف خليط من الصخور، ومن نقاط القوة يمكن معرفة متى وأين سيتركز النشاط الزلزالي .

وخندق ماريانا يمثل بيئة مثالية بفضل البراكين الطينية التي تحدث من وقت لآخر في منحدراته . والبراكين الطينية ليست كتلك الموجودة على ظاهر الأرض فهي غير ملتهبة، ولكنها تنفث سوائل تحتوي على طين يتحرك مع قطع من الصخور الفوقية على مسافات متفاوتة من قاع الخندق . وهذه الظاهرة تمثل فرصة للاستفادة لرصد الغرائب الكيميائية . ومن المقرر أن تشاهد البعثة عدداً من البراكين الطينية وتسجيل إحداثيات تلك التي تنشط من وقت إلى آخر . ولن يكون من دون مخاطر، فالمنطقة نشطة جيولوجياً بها الكثير من المواد المتفجرة والماء الساخن .

وعلى الرغم من أن ويلس يتوقع اختيار الأهداف قبل بدء البعثة، فإن الأخطار التي تشكلها الكهوف والمنحدرات التي ربما تضر أو تعترض الغواصة، هي أكثر المشكلات التي تشغلهم قبل بداية الرحلة .

ولا بد لطاقم الغواصة أن يكون على درجة عالية من الخبرة والمرونة للاستجابة لما غير متوقع في الوقت المناسب، وقليلون من شاهدوا الهبوط على سطح القمر، فهو لم يكن كما كان متصوراً، سهلاً لا تحفه المخاطر سوى السفر إليه، بعكس السفر إلى المياه العميقة، فخطورة الثانية تبدأ بعد الوصول .

وقد تكشف البراكين الطينية على سفوح خندق ماريانا كيفية حدوثها، ويمكن أن تكون مدخلاً لدراسات تطور من تقنيات جهاز عزل الكربون . لأنها وسيلة سريعة لإزالة ثاني أكسيد الكربون الزائد في الغلاف الجوي والتخفيف من ظاهرة الاحتباس الحراري . ولكن حتى الآن لم يكن هناك أي اتفاق بين العلماء حول كيفية ومكان بحث الموضوع .