السيد بدير أو ابن كبير الرحمية هكذا عرفه الجمهور العربي بتلك الشخصية الكوميدية العالقة في أذهان الجميع، من زمن الفن الجميل والكوميديا العفوية الراقية . لكن ما نجهله عن هذا العملاق أنه كان إذاعياً مخضرماً ومسرحياً متميزاً .
خرج السيد بدير إلى الدنيا يوم 11 يناير/كانون الثاني عام 1915 في مدينة بلقاس محافظة الدقهلية، وحرصت أمه على تعليمه القرآن منذ صغره بجانب دراسته، فحصل على الشهادة الابتدائية من مدرسة بلقاس عام 1927 . وأصر على مواصلة رحلة التعليم حتى وصل إلى المرحلة الثانوية في القاهرة .
بدأ عشقه للفن في سن مبكرة، وكانت بداياته في دار سينما الشعب التي كانت مجاورة لمسرح الريحاني . حاول السيد بدير الانضمام كممثل إلى إحدى الفرق المسرحية الجديدة تحت إشراف عبدالقادر المسيري - أحد ممثلي مسرح رمسيس آنذاك - لكنه فشل في اختبار الأداء التمثيلي، إلا أنه نجح في إقناعهم بأن يستعينوا به في سلك الإخراج، وكانت أولى تجاربه مسرحية الناصر صلاح الدين ومملكة أورشليم . ساعده المسيري في الالتحاق بفرقة رمسيس أو فرقة يوسف وهبي كممثل كومبارس، وكانت البداية مع مسرحية قمبيز حيث إن فترة ظهوره على المسرح كانت لا تتعدى الثواني مع عدد كبير من الكومبارس منهم أنور وجدي وعبدالفتاح حسن . عمل بعدها مع يوسف وهبي ثالث مساعد لمدير المسرح يسبقه قاسم وجدي ثم محمد حجازي ثم حسين تعريت، وكان عمل السيد بدير يتلخص في تذكير كل فنان بوقت ظهوره على المسرح، فمثلاً يتوجه إلى غرفة الست أمينة رزق ليقول لها: اتفضلي يا ست أمينة دورك جه، هذا العمل كان يسمى الكول بوي .
قام بدير بأولى تجاربه التمثيلية الحقيقية حينما أدى دور السجان في مسرحية الاستعباد بعد تغيب المرحوم الممثل لطفي الحكيم لظروف مرضية، فقام بدير بأداء الدور ونجح فيه .
التحق السيد بدير بكلية الطب البيطري، لكنه رسب فيها وتركها، ومن ثم قرر التحول إلى كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية، لكنه لم يستطع التوفيق بين الدراسة والفن فآثر الفن على كل شيء وعمل موظفاً في مجلس الدولة بلجنة قضايا الحكومة .
ترك عمله مع فرقة رمسيس وانضم إلى فرقة فاطمة رشدي وعزيز عيد، حيث كانت الفرقة تجوب الأقاليم وبلاد الشام، وكانت المشكلة الكبرى أن العمل الحكومي يمنع موظفيه من الاحتراف في الفرق المسرحية، فانضم السيد بدير إلى جمعية أنصار التمثيل والسينما التي كانت تضم مجموعة من هواة التمثيل في مصر أمثال: سليمان نجيب، محمد عبدالقدوس، وعبدالوارث عسر، وكان كل هؤلاء موظفين حكوميين . كانت الفرصة الكبرى التي أتاحها الممثل سليمان نجيب لسيد بدير في إخراج أولى مسرحياته، هي فرصة العمر مع مسرحية باسم الأم بين جيلين .
التحق السيد بدير بفرقة ملك عام ،1942 حيث عمل مخرجاً وممثلاً، كانت أولى أعماله بفرقة ملك أوبريت درية .
حينما تولى سليمان نجيب منصب مدير دار الأوبرا الملكية، انتدب السيد بدير من مجلس الدولة ليكون مديراً لخشبة مسرح دار الأوبرا، ثم تركها لينتقل إلى وزارة الصحة ويصبح المسؤول عن الدعاية الصحية، حيث كان أول من دعا إلى التوعية الصحية في القرى والنجوع من خلال أفلام تمثيلية صغيرة تعمل على توعية الناس من أخطار الملاريا والتيفود في سيارات تجوب الشوارع، ثم أصبح يكتب هذه التمثيليات للإذاعة، ومن هنا بدأت علاقته بالإذاعة المصرية .
بدأ السيد بدير يكتب للإذاعة ثم يخرج لها بعد أن دربه الأستاذ حافظ عبدالوهاب، ومن ثم تعاقد مع الإذاعة كمخرج وممثل بمبلغ مئة وثمانين قرشاً . عيّن السيد بدير في الإذاعة عام ،1946 حيث قدم العديد من الأعمال العامية، وأيضاً الدراما العالمية مثل مسرحية هاملت حيث قام بدور هاملت الممثل صلاح منصور، وقدم بدير العشرة الطيبة لسيد درويش، وبرنامجاً إذاعياً غنائياً اسمه هاتور للمؤلف عبدالفتاح مصطفى .
قدم نحو ثلاثة آلاف تمثيلية بين تأليف وإخراج وتمثيل، لكن للأسف ليست كل أعماله موجودة، لأن الأجزاء الأولى منها كانت مسجلة على أسطوانات لا شرائط . تدرج في عمله الإذاعي من مخرج إلى أن أصبح كبيراً للمخرجين، ثم مديراً للتمثيليات، ثم مستشاراً للإذاعة، حتى أنشئ التلفزيون عام 1960 فأصبح مستشارا له .
في خلال فترة عمل السيد بدير في التلفزيون استطاع أن ينشئ أكبر مشروع في تاريخ الإعلام ألا وهو مسارح التلفزيون، التي كانت مقسمة إلى اثنتي عشرة فرقة، بعضها يعمل في المسرح العالمي، والبعض الآخر يقدم المسرح الحديث لعرض مشكلات المجتمع المصري، وأخرى تقدم المسرح الكوميدي بكل أنواعه، وكانت فترة ازدهار حقيقية للمسرح بشتى صوره، بل ذهب بالمسرح إلى الجماهير في كل بقاع مصر .
شارك السيد بدير في الكثير من الأعمال السينمائية كممثل، كان أولها فيلم وحيدة عام ،1944 أما أشهر أفلامه فنذكر منها: رصيف نمرة خمسة، شباب امرأة، الوسادة الخالية، بين السما والأرض، جعلوني مجرماً، سكر هانم . . وغيرها، إلا أن أشهر شخصياته هي التي قدمها عام 1949 مع الفنان محمد التابعي العمدة عبدالرحيم وولده عبدالموجود مع المطرب عمر الجيزاوي . أسند إلى السيد بدير كتابة أول سيناريو عام 1944 في فيلم دائماً في قلبي، وقد أسند إليه هذه المهمة المخرج صلاح أبوسيف مكتشف السيد بدير سينمائياً، كما أخرج بدير مجموعة من الأفلام السينمائية منها: المجد، الزوجة العذراء، غلطة حبيبي، أم رتيبة . . وغيرها .
السيد بدير صاحب مئتين وخمسين سيناريو فيلم وخمس وأربعين مسرحية وستة وثلاثين فيلماً روائياً وقام بالتمثيل في ما يزيد على مئة عمل فني، هو الحاصل على وسام الجمهورية، ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى، وجائزة الدولة للجدارة .
تزوج مرتين، الزيجة الأولى من ابنة عمه أنجب منها ثلاثة أبناء وابنتين، والزيجة الثانية من المطربة شريفة فاضل التي اكتشفها وأنجب منها ابناً وحيداً استشهد في حرب أكتوبر 1973 .
كان بدير فناناً مبدعاً متنوعاً، واصل الليل بالنهار لينتج فناً آمن به فكان ينام في الأربع والعشرين ساعة أربع ساعات فقط، وكأنه كان يضحك على القدر بأن عاش عمره مرتين إلى أن وهن الجسد، وقرر أن ينام نومة طويلة لا يصحو بعدها أبداً، وانتقلت الروح إلى بارئها في 30 أغسطس/آب 1986 تاركاً إرثاً كان آخره كتابة فيلم السلخانة عام 1982 .