ترتبط السينما بالواقع ارتباطاً عضوياً، والواقع هو المرجعية الأولى للسينما . يؤدي تجاهل هذه الحقيقة إلى فقدان الكثير من الأفلام تماسكها المنطقي، وبالتالي، إلى فقدان مصداقيتها وقدرتها على الإقناع . تتضح معالم هذا التجاهل أكثر ما تتضح في الأفلام التي تجير الواقع وتفتعله لصالح فكرة مسبقة، غالبا ما تكون غير واقعية، بحيث تصبح الفكرة هي المرجعية والواقع مجرد وسيلة يمكن التلاعب بها، أي أن هذه النوعية من الأفلام، وحسب التعبير الشائع: تلوي عنق الواقع .
تبرز هذه الإشكالية أكثر ما تبرز في بعض أنواع الأفلام ذات الرسالة الأيديولوجية والأفلام ذات الرسالة السياسية، وعلى نحو خاص، في الأفلام التي تجمع ما بين الرسالتين، فتتحول مثل هذه الأفلام إلى نوع من الترويج الإعلاني الخادع، على شاكلة الأفلام الدعائية للمنتجات الاستهلاكية التجارية، عندما يتم تجاهل الواقع والقفز عنه لصالح الرسالة ذات الفكرة المقحمة المسبقة . أكثر النماذج السائدة في السينما المعاصرة على هذا النوع تمثلها سينما الدعاية الصهيونية، وقبلها، السينما النازية .
من ناحية ثانية، يتحدث الكثير من الكتّاب عن دور أو رسالة السينما كوسيلة لنشر التفاهم ما بين الثقافات والشعوب، وهي رسالة خيّرة من حيث المبدأ، خاصة عندما تتجانس مع الواقع وتنطلق منه ولا تغتصبه، لكنها تصبح عكس ذلك عندما تجير هذا الرسالة لصالح غرض سياسي فتلوي عنق الواقع وتتجاهل الحقائق والوقائع على الأرض .
يخص هذا الحديث المحاولات المتعددة والمتنوعة التي نلاحظها في بعض الأنشطة والفعاليات والمهرجانات السينمائية المعاصرة، وفي العديد من الأفلام التسجيلية والروائية، لتجيير رسالة السينما المتعلقة بالتعايش والتفاهم بين الشعوب من أجل الوصول إلى حالة من التطبيع، من خلال الثقافة والفن، مع العدو الصهيوني، وهي محاولات تجد لها أصداء في كتابات بعض النقاد السينمائيين .
كان هذا الموضوع مجال حديث جرى بيني وبين سينمائي بريطاني يعمل في مجال السينما التسجيلية، حضر خصيصا إلى عمان لإجراء مقابلة معي ومع آخرين معنيين بالسينما، لصالح فيلم تسجيلي يشتغل عليه وتجشم عناء السفر الطويل والمكلف من أجل ذلك .
كان هذا السينمائي الذي لم أكن أعرفه قد اتصل بي من لندن، حيث أبلغني أنه يعمل على فيلم عن فلسطين والسينما الفلسطينية، وطلب موافقتي على إجراء مقابلة حدد لي موعد حضوره لإجرائها مسبقا . كان قد حصل على رقم هاتفي المحمول، كما أبلغني، من سينمائي فلسطيني يقطن في رام الله .
قبل وصوله بيوم أرسل لي على الهاتف رسالة موجزة شكرني فيها على موافقتي على المقابلة وأكد فيها موعد وصوله، لكنه ختمها بنقل سلام لي من سينمائي إسرائيلي(!)، لا تربطني به أية صلة أو معرفة شخصية، مع أنه سبق لي أن شاهدت بعض أفلامه نتيجة فضولي المهني كناقد سينمائي .
عندما بدأ بإجراء المقابلة في اليوم التالي اتضح لي أن الفيلم الذي يشتغل عليه لا يتحدث عن فلسطين والسينما الفلسطينية، بل عن ما يمكن أن يفعله التعاون المشترك بين المثقفين والسينمائيين العرب والفلسطينيين مع السينمائيين الإسرائيليين من أجل المساعدة في حل القضية الفلسطينية .
سببت إجابتي الأولى الموجزة والحاسمة حالة من الدهشة، بل الصدمة، لهذا السينمائي البريطاني القادم من بعيد،إذ قلت له إن هذا التعاون لا يمكن أن يتحقق ويكون مجدياً إلا بعد تحقيق شرطين متلازمين، أولهما إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وتبعاته، وثانيهما تخلص السينمائيين الإسرائيليين من عنصريتهم، وكنموذج على عنصرية السينمائيين الإسرائيليين شرحت له على وجه التحديد مضمون فيلمين من أفلام ذلك المخرج الإسرائيلي الذي أوصل لي سلاماً منه، حيث تبين لي أنه لم يشاهدهما .
تالياً، بينت له قناعتي بأن الأفلام التسجيلية الحقيقية هي التي تنطلق من الواقع وتعكس بصدق، خاصة عندما يعالج الفيلم قضية سياسية، وأن الفكرة، ومهما كانت نواياها حسنة لا يجوز أن تتجاهل الواقع أو أن تتعدى عليه .
بعد أيام من إجراء المقابلة فكرت بشرط ثالث يسبق الشرطين الآخرين اللذين ذكرتهما فاتني أن أحدده له، شرط يصلح بحد ذاته لأن يكون منطلقاً وموضوعاً للعديد من الأفلام السينمائية حول فلسطين وجذور الصراع العربي- الإسرائيلي، وهو الاعتذار الرسمي من قبل حكومة بلاده عن وعد بلفور وسياسات الانتداب البريطاني في فلسطين، وهو موضوع يحتوي على كل ما تحتاجه السينما من مواصفات درامية فيها جذب وتشويق، ومنها على سبيل المثال وزير الخارجية البريطاني بلفور الذي يصلح لأن يكون شخصية سينمائية تتصدر العديد من الأفلام التسجيلية والروائية .