عبّر الشعراء على مر العصور عن فكرة التحليق والسمو والارتقاء في آلاف القصائد وبطرق مختلفة، وبأشكال شعرية متعددة، فالشعر في مفهومه الأسمى هو التحليق في فضاءات غير مأهولة بأجنحة الخيال في أبعاد متعددة، والشعر إن جاء معبراً عن الواقع المحيط بالشاعر، فإن هناك تحليقاً غير مرئي تقوم به مخيلة الشاعر؛ لاصطياد اللحظة المستحيلة، السابحة في فضاء الحلم.
في مطلع القرن العشرين عبّر أحمد شوقي أمير الشعراء؛ من خلال مجموعة من قصائده الموحية عن إحساسه بالطبيعة سواء ما تحمله من جمال على الأرض وما تحمله من جمال في السماء؛ من خلال النجوم والكواكب والأفلاك، وهذا ما نراه جلياً في قصيدة له يصف بها إحدى المدن الأوروبية التي زارها، والتي يقول فيها:
«تلك الطبيعة، قف بنا يا ساري
حتى أريك بديع صنع الباري
حتى يصل إلى وصف السماء وما فيها من نعم تبهر الناظرين، فيقول: وكواكب الجوزاء تخطر في الربى/ والنسر مطلعه من الأشجار.
ويعد الشاعر العراقي بدر شاكر السيّاب واحداً من أكثر الشعراء العرب موهبة، فقد كان صاحب مخيلة كبيرة، وهو أحد رواد حركة الشعر الحر في الخمسينات، وقد أسهم في بلورة مواقفها الجمالية والفنية، حتى وصل بها إلى درجة متقدمة من التطور والنضج، وربما كانت نشأته في قرية جيكور، التي ولد فيها عام 1926 وما فيها من طبيعة مفتوحة، ألهمته كثيراً من قصائده الجميلة، وتعد قصيدته «أنشودة المطر» من أهم قصائد الشعر العربي الحديث، وهي تعتمد على الخيال المجنح، فالشاعر- هنا - مثله مثل الطائر الذي يحلق في سماء بلاده، مستعيناً بحبه وشوقه وشعره أيضاً وموقفه الإبداعي فجاءت القصيدة محملة بصور غاية في الجمال والروعة، انظر مثلاً وهو يخاطب حبيبته، قائلاً:
عيناك غابتا نخيل ساعة السحر
أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر
عيناك حين تبسمان تورق الكروم
وترقص الأضواء كالأقمار في نهر
يرجه المجداف وهنا ساعة السحر
ورغم أن القصيدة يرجع زمن كتابتها إلى خمسينات القرن الماضي، إلا أنها تعبر عن الواقع الذي يعيشه العراق الآن، وما مر به في سنوات سابقة، وما عاناه من أزمات، يقول السيّاب:
أكاد أسمع النخيل يشرب المطر
وأسمع القرى تئن، والمهاجرين
يصارعون بالمجاديف والقلوع
عواصف كالخليج والرعود، منشدين
مطرٌ..مطرٌ..وفي العراق جوع
وينثر الغلال فيه موسم الحصاد
ليشبع الغربان والجراد
الجوع والقمر
من الشعراء الذين خصصوا ديواناً كاملاً للحديث عن القمر، الشاعر المصري الراحل محمد عفيفي مطر، من خلال ديوانه «الجوع والقمر»، وهو الديوان الذي يقدم فيه رؤية فلسفية للواقع، والبحث عن خلاص من خلال النظر للقمر، باعتباره «النور» الذي يضيء الأرض ويكشف الظلمات التي تكبل قلوب البشر.
وقد استخدم مطر ما سمي «الخرافة الشعبية» وقام بتوظيفها داخل بنية القصائد، ويصف الناقد جابر عصفور تجربة عفيفي مطر، قائلاً: الشاعر في تجاربه يتقنع بعناصر الطبيعة، يلبس أقنعة الأشياء في رحلتها التي تتعارك فيها الظلمة والنهار، ويولد في تداخلات الأشياء، أو في تزاوجات الحب والطبيعة.
تأثر مطر بدراسته للفلسفة وكانت إحدى أهم سمات خطابه الشعري، ومن ذلك ما نراه في هذا المقطع الذي يقول فيه: لا شيء يأكله الصغار/ فاترك عباءتك القديمة يا قمر/ واسرق لهم بعض الذرة/ بعض الذرة/ بعض الذرة.
يتحدث عفيفي في الديوان عن الجوع الذي تعانيه بعض القرى، فكأنها في حالة اختناق، مثلما يحدث عند خسوف القمر؛ حيث تخرج جموع الأطفال مرددة العبارات الشعبية المشهورة في قرى مصر «يا بنات الحور.. خلوا القمر يدور».
وفي قصيدة «يتحدث الطمي» يصف مطر القمر قائلاً:
القمر جديلة عشب معقود
والنهر الأسود آهة جوع ممدودة
أما أمل دنقل فله ديوان مشهور تحت عنوان «مقتل القمر» عبّر فيه عن الأحلام الموؤودة والأماني المنكسرة وقد صدر الديوان في طبعته الأولى عام 1969، فقد اتخذ القمر وهو رمز الأماني المحلقة طابعاً مأساوياً؛ بعد أن ارتدى وشاح الانكسار.
ولأمل دنقل قصيدة «الطيور» وهي من قصائده الأخيرة التي كتبها قبل رحيله عام 1981 يقول فيها: «الطيور مشردة في السموات/ليس لها أن تحط على الأرض/ليس لها غير أن تتقاذفها فلوات الرياح/ربما تتنزلُ كي تستريح دقائق/فوق النخيل/التماثيل/أعمدة الكهرباء/حواف الشبابيك والمشربيات/ والأسطح الخرسانية».
أما محمود درويش فله قصيدة تحت عنوان «أحد عشر كوكبا»، والتي تجسّد حالة من التناقض بين ما يريده الشاعر المدافع عن قضية شعبه من كونه يريد الارتفاع بالقضية إلى أعلى السحاب، وبين ما يحدث على الأرض من تخاذل البعض تجاه القضية الفلسطينية، يقول درويش:
«كَيْفَ أكْتُبُ فَوَقْ السَّحاب وصَيَّة أهْلي؟ وَأهْلي/ يَتْرُكونَ الزَّمانَ كَما يَتْرُكونَ معاطِفَهُمْ في الْبُيوتِ، وَأَهْلي/ كُلَّما شَيَّدوا قَلْعَةً هَدَموها لِكيْ يَرْفعَوا فَوْقَها/ خَيْمَةً لِلْحَنين إلى أول النَّخْل».
ويكتب الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة عن مدينة «مدلين» في كولومبيا، والتي يعقد بها مهرجان سنوي للشعر العالمي، وقد شارك الشاعر في إحدى دوراته وكتب عن المدينة هذه القصيدة التي يحلق فيها في أجواء الخيال، عبر صور متتابعة يقول فيها: «مدلين أجنحة / تموجت على السهول والجبال/ في العراء / فراشة حمراء / تنام في استرخاء / على وسائد العواصف الخرساء / تحيطها منابع الأضواء / تمد في المساء منقارها / تشرب من جداول الغناء / تشهق في الغدير/ بكاءها الذي يضج بالسرور/ تكاد تطير/ تكاد أن تمسكها النجوم / فتنتشي كأنها عذراء».
وللشاعر فريد أبو سعدة ديوانه الذي حمل عنوان «سماء على طاولة»، تبدو قصائده حالة من الرفرفة في فضاء الشعر؛ حيث الكتابة عن الذات التي حملت برسالة الشعر منذ الطفولة والصبا، وامتلكت عدسة الرؤية، يقول أبو سعدة في قصيدة «ما أذكره من كلام الرجل الوحيد»: «كنت صغيراً / عندما امتلكت العدسة /افرح وأنا / أقود الشمس من قرينها إلى الورق / وافرح عندما يبدأ الدخان في التصاعد».
هذه الحالة من «الصعود» تجعل الشاعر يرفض دائماً الاستكانة والبقاء في مكانه، فهو الباحث دائماً عن الجديد، من الأمكنة والجهات: ساعدني أيها الرجل الجميل/ ارفع بيديك قليلاً هذا الهواء / أريد أن أستدير/ إلى جهة».
الشاعر الحالم بغد أفضل، وبيوت أجمل، وبشر آخرين: ستركض أحصنة في الهواء الخفيف / وتأتي ملائكة فتزيح البيوت قليلاً / لترقص كل الوحوش التي خرجت / من توحشها.
ومن الشعراء الذين أغرموا بالكتابة عن التحليق خلف السحب الشاعر جمال القصاص خاصة في ديوانه «ما من غيمة تشعل البئر» الذي يقول في قصيدة البحيرة تصفو لطائرها»: «له الآن أن يستريح / وأن يدعي ملكه للفضاء/ يجرده من يديه / ويمرق كالطفل فوق النجوم / يرشرشها بالبخور/ ويحبسها في الإناء.
وتتوالى الصور بشكل دنيامي عبر ثنايا القصائد، فنجد مفردات الصعود والسمو مثل الشمس والنجوم: والشمس / تدخل في إبرة البحر/ تنعس فوق البيانو/وتلتقي - أحصنة من رخام مرايا - فتافيت خبز- حواديت - تصفر في دفتر الوقت - عاشقة - تتمسح في فروة الحلم - لا ترتجي غير أغنية لا تدل عليها.
التباس
في ديوانه «موتى يجرون السماء» يأخذنا الشاعر موسى حوامدة إلى ما يحدث في الواقع المعاصر من التباس، فقد تساوت الأشياء، التحليق في السماء والإقامة على الأرض، يصور حوامدة حالة الالتباس هذه بأنه حدث انقلاب طبقي لعناصر الكون؛ حيث يقول: مستوى الأرض / أعلى قليلا / من حذاء الغيم / هنا تتساوى الرؤوس والجذور/ الكائنات سعيدة بالانقلاب الطبقي/ قشرة الأرض تحك وجه القمر/ كفن السماء جريح / بيتي مدينة للعقارب / بيادري زائفة/ أجمع الحصى من طحين الهزيمة.
للشاعر شوقي بزيع مختارات شعرية حملت عنوان «سماء مؤجلة» يقول الشاعر الراحل أنسي الحاج في مقدمتها: يتقن شوقي بزيع اصطياد المعنى الهارب، يأخذه بهدوء، هنا في شعره أصوات نوافذ ترتج وعبر رؤية رومانسية يقول: بزيع في قصيدة صراخ الأشجار عن الفتاة الأولى التي عرفها صغيراً: أكاد الآن اسمع/ من وراء نوافذ الخمسين/ ضحكتها على كتف السفوح.
أما الشاعر محمد علي شمس الدين فله ديوان «الغيوم التي في الضواحي»، والصادر عن دار النهضة العربية عام 2006، تمثل مفرداته الصعود والارتقاء والتحليق مساحات واسعة في قصائده؛ حيث الحلم في الارتقاء بعيداً عن الأرض ومآسيها، يقول شمس الدين في القصيدة التي تحمل عنوان الديوان: تقول التي وجهها كالقمر/ أريد الحياة/ أقول لها: وأنا / غير أني على غير ما ترغبين/ لم أكن أعرف الطقس/ ولا أعترف/ لم أقدر كما ينبغي ما يكون/ شممت قليلا من الدم / في أول الصيف/ فوق التراب/ ولكنني قلت: ريح وتمضي / وأبصرت شيئا من الذعر/ في وشوشات الطيور التي في الحديقة.
السباحة بعيداً
يسبح الشاعر عبد المنعم رمضان في ديوانه «بعيداً عن الكائنات» في فضاءات مملوءة بالصور والمجازات محلقاً في سماء متخيلة تخص الشاعر ورؤاه وطقوسه التي يضعها بنفسه: «سوف يطرد عن ظله الشمس/ حيث يمر به رجل آخر/ رجل آخر سوف يعبره / سوف يمشي وراء سماواته ذاهلا/ سوف يهبط من سلم واطئ / نحو غرفته / هكذا هكذا».