لم يكن السهر عادة عند الآباء والأمهات، لأنهم لم يكن لديهم ما يدعوهم إلى السهر، فالليل والنهار كانوا يملأونهما بالطاعة وأداء الواجب، ولم يكن اللهو عملا مشروعا يستحق أن يسهر عليه الشباب.
وإذا رأينا أحدهم ساهرا ليله، فإنه أحد اثنين: إما أنه قائم ليل يقضي ليله في مناجاة رب العالمين، فيصلي في حين أن الناس يغطون في النوم، وقد أشار الحديث الشريف إلى أن ذلك أحب الأعمال إلى الله تعالى فقال: إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله تعالى لمن أطعم الطعام، وأفشى السلام، وصلى بالليل والناس نيام.
نعم، وقد رؤي الجنيد البغدادي في المنام بعد وفاته، فقيل له ماذا فعل الله بك يا أبا عبد الله؟ قال: لقد ذهبت تلك الإشارات، واختفت تلك العبارات، ولم ينفعنا إلا ركيعات كنا نركعها وقت السهر.
والأمر الثاني الذي كان يدعو الآباء إلى السهر، هو طلب العلم، وقد روي عن الإمام الشافعي رحمه الله أنه نزل ضيفا على تلميذه الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، فتعشى عنده وأكثر من الأكل ثم لم ينم طول الليل.
فقالت بنت أحمد بن حنبل التي كانت تسمع عن الشافعي كثيرا، وفي تلك الليلة كانت تراقبه فقالت: يا أبت إن العلماء لا يأكلون كثيراً، والذي يأكل كثيرا ينام كثيرا، ولكنني رأيت الشافعي أكل كثيراً ولم ينم طول الليل فاسأله عن ذلك.
فسأل أحمد بن حنبل الشافعي عن ذلك، فقال الشافعي: أكلت كثيرا لأني لم أذق الطعام منذ ثلاثة أيام، فأكلت وتزودت لثلاثة أيام أخر، لأنني لا أجد طعاما حلالا كطعام أحمد بن حنبل.
وأما كوني لم أنم، فلأني كنت أصلي، فقرأت آية في كتاب الله، وبدأت أفكر في مضمونها، فاستخرجت منها 14 حكما ينفع المسلمين، وعند ذلك أي لما انتهيت وجدت الفجر قد دخل، فلم يعد لي وقت حتى أنام.
إذن هكذا كانوا يسهرون الليل، وكان طلب العلم عبادة لا يقل أجرها عن قيام الليل، والعلم فضيلة تستحق منا أن نعطيها ليلنا ونهارنا، وقديما قال الشاعر:
بقدر الجد تكتسب المعالي
ومن طلب العلا سهر الليالي
ومن طلب العلا من غير كد
أضاع العمر في طلب المحال
ويمكن أن يضاف إلى هذين النوعين من السهر، سهر الأمهات على تربية الأطفال، وسهر الأمهات عبادة أيضا، لذلك جعل الله الجنة تحت أقدامهن، وجعل رضا الوالدين من رضاه.
وهنا أود أن أهمس في أذن الشباب الذين يقضون ليلهم ساهرين، فأقول لهم: هل السهر مع التلفاز والإنترنت والمقاهي والملاهي بكل أنواعها، نأخذ عليه أجرا يوم القيامة؟
أم أنه يدخل في باب اللهو الذي نكسب من ورائه الوزر وضياع الوقت، وربما نكسب من ورائه عادات سيئة أيضا.
وكفى أن الكثيرات من الزوجات اليوم يشكين من ضياع حقوقهن نتيجة سهر الأزواج خارج المنزل، بل والكثيرات من الزوجات أيضا خسرن أولادهن نتيجة تركهم في البيت مع الخدم.
والأقبح عندما يسهر الزوج والزوجة خارج المنزل مع السينما والمقاهي والحفلات الساهرة التي لا جدوى منها غير الآثام.
لذلك نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن السهر بعد العشاء، لأن الذي يسهر يفوته قيام الليل، ويفوته التبكير إلى مقر عمله في صباح اليوم التالي.