لينا أبو بكر
لماذا كانت المقدمة الشعرية في القصيدة الجاهلية موشومة بنهجها الطللي، واستدعاء طقوس الظعن، والتلوع على رحيل الحبيبة؟ إن كانت طبيعة المنظومة الاجتماعية للبدو قائمة على سلوكات الرحلة بأبعادها العاطفية والنفسية، فلم تكون قبيلة الحبيبة هي القبيلة الظاعنة دائماً في كل الإرث الشعري الجاهلي، ولا يكون الشاعر هو الراحل أو ابن القبيلة التي ظعنت وأقوت ديارها؟
أليس في الأمر إحالة على غواية إبداعية توسلت الرحلة طقساً مجازياً تستحثه المخيلة والحلم معاً، لاستجلاء مكنونات المشحون النفسي والعاطفي لدى الشعراء، خاصة فيما يتعلق بالغزل، ووصف لواعج الحنين والفراق واللوعة والصبابة تجاه المحبوبة المحرمة قبائلياً، بالتالي استدعاء ذاكرة متخيلة هي مجرد نسج من أحلام اليقظة والمأمولات المستحيلة -التي تفرضها المنظومة الأخلاقية في البيئة البدوية- وبها يستدعي الشاعر مشاهد افتراضية للقائه بحبيبته من أجل إشباع هذه الأمنية "إبداعياً" في ظل استحالتها "واقعياً"؟
إن أساس الوقوف بالديار وإقفارها والحنين لأصحابها قائم على رحيل الحبيبة، فأية غواية تلك التي تخض كيمياء الرحلة في دم القصيدة؟
اكتواء الشاعر ببعد المحبوبة عنه، وتبدل المكان إلى أثر أو طلل، هو ما يؤجج اللغة، التي تتحول إلى فوهة تنبجس منها حمم المكبوت النفسي في غليان إبداعي قوامه الغزل أولاً وأخيرًا، يلبي رغبة الشاعر بالوصف، ويعوض حرمانه الذي يحوله إلى فقد وهو يعبر عن إحساسه في مخدع اللغة، التي يختبئ وراءها، ليكشف نوايا المعنى في إطار الرحلة .
الرحلة في المقدمة الشعرية تبدو فلسفة إذاً وليست فقط مخيلة، إنها استشفاء يعالج الحرمان بالتأمل، وادعاء الفقد للقبض على المستحيل بإضمار الواقع ضمن البوح بالحلم .
الرحلة هي محطة الوصول إلى الهدف: "الإشباع العاطفي في القصيدة التي تتداعى فيها كل لواعج التأوه والفراق والصبابة" .
إنه البحث عن البعد المثالي للرحلة، وتجردها من واقعيتها، وتخلصها من نمطيتها كأسلوب للحياة، باستكناه بعدها الرمزي والدلالي من خلال التعمق بحيثيات طقوسها، ورفض الغياب، بتحويل الرحلة إلى سؤال وجودي مرتبط بمفهوم الغواية ببعدها الإبداعي والفلسفي .
بالتالي (إن كانت الرحلة وسيلة لإشباع حاجات الإنسان الروحية)، فإن هذا الإشباع تحققه القصيدة الطللية، طالما أنه يشق أرض اللغة بأخاديد مجازية تعلن اكتمال التوازن الميتافيزيقي للواقع المُتخيل .
ولن يلغي هذا كله ما توصل إليه الدكتور نصرت عبد الرحمن أستاذ الشعر الجاهلي في الجامعة الأردنية، من افتراض البعد العقائدي لهذه المقدمة التي اعتبرها شعائر تعبدية لاستعطاف الآلهة في مواسم القحط والإقفار، أليس في الغزل تذلل واستعطاف وإثارة لشفقة المحبوبة؟
ليس المهم أين ترحل الحبيبة، فمكان الرحلة ليس هو الضروري لإنجاز مشروع الرحلة على اعتبارها سؤالا وجودياً، مكان الحلول ليس مبتغاها، أو خريطة طريقها . . بل إن غموض مسارها هو غوايتها المضمرة، في حاصل القسمة على بوحين : طقوس الرحلة، وعاطفتها، وهو ما يتوج المقدمة الطللية للقصيدة الجاهلية كمدخل لأدب الرحلة عبر التاريخ .
قد تكون أجمل مشاهد الظعن هي الهودج الذي يقل الحبيبة على سنام الناقة، فهو مكمن الصبابة في غواية الترحال، التي قوامها المرأة . . إن "الحزن يطور العقل"، ولهذا تحديداً يدخل الغزل من بوابة اللوعة على فراق المحبوبة، ليحقن القصيدة بجرعات إبداعية مضاعفة تضمن قوة التأثير وجمالية الفقد فتحسم الإبداع لمصلحة الذكاء بالاتكاء على الهودج كمُحتوى لكل مضامين التوتر العاطفي عل اختلاف أغراضه .
منذ عنترة . . .
هل غادر الشعراء من متردم؟/ أم هل عرفت الدار بعد توهمي!/ يا دار عبلة بالجواء تكلمي /وعمي صباحاً دار عبلة واسملي/ حييت من طلل تقادم عهده/ أقوى وأقفر بعد أم الهيثم/ إن كنت ازمعت الفراق فإنما/ زمت ركابكم بليل مظلم/ ما راعني إلا حمولة أهلها/ وسط الديار تسف حب الخمخم .
وامرئ القيس . .
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل/ بسقط اللوى بين الدخول وحومل/ وقوفا بها صحبي علي مطيهم/ يقولون لا تهلك أسى وتجمل .
والنابغة الذبياني . .
يادار مية بالعلياء، فالسندِ/ أقوت، وطال عليها سالف الأبدِ/ وقفت فيها أصلانا أسائلها/ عيت جواباً، وما بالربع من أحدِ .
وزهير . .
تَبَصرْ خَلِيْلِي هَلْ تَرَى مِنْ ظَعَائِنٍ/ تَحَملْنَ بِالْعَلْيَاءِ مِنْ فَوْقِ جُرْثُمِ /بكَرْنَ بُكُورًا وَاسْتَحْرَنَ بِسُحر أَنِيْقٌ لِعَيْنِ الناظِرِ المُتَوَسمِ .
وحتى طرفة . .
لخولة أطلال ببرقة ثهمد / تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد /وقوفا بها صحبي علي مطيهم يقولون لا تهلك أسى وتجلّد .
في هذه اللوحات الطللية استنطاق للمكان وأنسنة للطلل، إيقاع حركي وبصري وتأملي باستنكار الغياب، يثير شهية الوجع، ويشي بمرارة الفقد والحرمان، فقد لا ترجح اللوعة بعد فقد المنتهى، بقدر ما ترجح المرارة من حرمان المُشتهى، وهنا يكمن الادعاء، ليس فقط كتعويض كما سلف بل إنما كترجيح لكون المخيلة جوهر التجلي في أحلام اليقظة .
الغياب إذاً هو المجاز، مجاز يتهدل من قمقم ذاكرة افتراضية، ينساب ويتشعب كأرخبيل لغوي يستدرك مافات الواقع من شجاعات خذلته لما استفحلت الغواية فانشق أخدود القمر .
إن الغزل الذي يفوح من رائحة الثوب، ليس انعكاساً لتجربة ملموسة، بل لتجربة محسوسة، فما يُدرك بالإحساس أعمق بكثير وأمر من إدراكه بلمسه، وهنا تكمن الغواية .
إنه الخدر والهودج، وكل البلاغة التي تتصبب غواية وفتنة وذوبانا، لم تأت من افتضاح بقدر ما جاءت من ستر، ودليل امرئ القيس أنها بيضة في الخدر، وهو ما يحمل مضمونه النص القرآني "كأنهن بيض مكنون"، ومن هنا جاءت فكرة الهوادج التي تستر المرأة في رحلة النوق والظعائن عبر فلوات الهجير ومضارب المجهول، وهو ما أشعل جذوة الفتنة في التغزل بالمرأة الظاعنة، في ذروة الأسى واللوعة والتفجع من الرحلة .
إن العرب كانت تستميت للدفاع عن العطفة "هودج بنت القبيلة في الحروب" لأن الرهان على ستر الغواية كان مكمن الشجاعة، وهو ما عبرت عنه قصائد عمالقة الشعر في الجاهلية، وتفاخرت به .
الهودج صون لعفة القبائل، وكرامة الجمال، وكبرياء العروبة، إنه راية الشرف في معارك الفرسان، والتفريط فيه يعني التفريط بأسمى القيم وأصل الوجود عند أبناء البادية .
والرحلة هي الرهان على غواية الستر، من دون الإخلال بشرط الافتضاح في إطار اللغة، كدليل ثبوتي على حمل الراية على صارية الغواية . .
نساء البادية، هن نساء الجنة، وعلى البدوي أن يبذل لهن اللغة ليلج المخادع بشرف المحارب، لأنهن "حور مقصورات في الخيام"، وخدرهن هودج القصيدة فوق سنام الرغبة .
وهن يرتدين البراقع في الهوادج، ويسترقن النظر ليوقعن ذوي اللب بجنون الالتياع، يغوين بالإبداء والصد، بالنظرة وبالزينة، من شق الهودج، وما الشجاعة أمام الغواية المستترة سوى نبل لا بد من افتضاحه باللغة، وفي هذا يقول المثقف العبدي :
وهن على الرجائز واكنات/ قواتل كل أشجع مستكين/ ظهرن بكلة وسدلن أخرى/ وثقبن الوصاوص للعيون/ ومن ذهب يلوح عل تريب/ كلون العاج ليس بذي غضون .
الهودج بالتالي بعد رمزي كالرحلة تماما في القصيدة، فالمرأة التي يصفها الشاعر : كجمانة البحري جاء بها/ غواصها من لجة البحر، وهي عند شاعر آخر : بيضة في الدعص مكنونة، لا يمكن أن يكون سترها سوى دليل على كونها من حرائر النساء لا من إمائهن، ولا فقيراتهن، وقد يكون تشبه الحرة بالأَمَة بكشفها عن مكمن الغواية هو سبيلها للنجاة من السبي في الحروب/ وهو ما يشي بتدني القيمة عند انكشاف المكنون، وفي هذا يقول الشاعر:
ونسوتكم في الروع باد وجوهها
                   يُخَلْنَ إماء والإماء حرائر .