صدر في الأعوام الأخيرة الكثير من الكتب التي تناولت حياة وتجربة الشاعر الكبير الراحل نزار قباني، ومنها كتاب نزار قباني شاعر المرأة والسياسة للباحث نبيل خالد أبو علي، وكتاب شعرية المرأة وأنوثة القصيدة قراءة في شعر نزار قباني للباحث احمد حيدوش وكتاب نزار قباني شاعراً وإنساناً تأليف محيي الدين صبحي وكتاب النرجسية في أدب نزار قباني للباحث خريستو نجم وكتاب دفاعاً عن الشاعر نزار قباني محاولة قراءة جديدة في شعره للشاعر والناقد علاء الدين عبد المولى وكتاب الشعر السياسي عند نزار قباني ومستوياته الفنية للباحث عبد الهادي عبد العليم صافي هو أحدث الكتب التي تناولت هذه القامة الأدبية الكبيرة في وطننا العربي والكتاب عبارة عن رسالة ماجستير في اللغة العربية ناقشها المؤلف في معهد الآداب الشرقية في جامعة القديس يوسف في بيروت وفي هذا الكتاب محاولة للإجابة عن تساؤلات عدة تتعلق بالمضامين السياسية والمحطات التاريخية البارزة في شعره والفساد السياسي وقضية التطبيع مع إسرائيل، كما تتعلق بالمستوى الفني لشعر نزار السياسي ومدى قدرته على التأثير والإبهار كما كان يفعل كثيراً في شعر الحب والغزل.
وتناول المؤلف في كتابه هذا النصوص السياسية للشاعر درساً وتحليلاً معالجاً المضامين السياسية من حيث جديتها وعمقها وتأثيرها، وأهميتها، ولا يمكن أن نجرد الشعر عند دراسته من بواعثه، ونحلل نصوصه من دون الالتفات إلى أثر العصر والبيئة فيها كما يقول المؤلف في مقدمة كتابه الذي اعتمد في تأليفه المنهج التاريخي الاجتماعي، وهو المنهج الذي يوضح العلاقة بين العصر والحياة والنتاج ومدى هذه العلاقة، وينظر إلى المؤثرات الخارجية والى عصر الشاعر وبيئته والظروف الاجتماعية والتاريخية.
وبني كتاب الشعر السياسي عند نزار قباني على مقدمة وبابين وخاتمة وتضمنت الصفحات الأخيرة فهارس الأعلام والأماكن وفهرس الشعر.
شمل الباب الأول فصلين تناول المؤلف في الفصل الأول منهما المضامين السياسية في شعره واشتملت هذه المضامين عند نزار على موقفه من المرأة وحريتها وتحريرها من أزماتها النفسية والاجتماعية، فكان مضمون حرية المرأة من المضامين السياسية التي اهتم بها نزار، لأن واقع المرأة ووضعها في المجتمع صار قضية سياسية تحلل مشاكلها وملابساتها وأسبابها، مثلها مثل أية قضية سياسية، بل قد تكون أخطر من سائر القضايا، وقد مهد المؤلف صافي للحديث عن المضامين السياسية بلمحة موجزة عن موقف بعض الشعراء منذ القرن العشرين إلى منتصفه من الأحداث التي مرت بها أمتنا العربية، فكان عنوان شعراء سابقون تمهيداً لحديثه عن المضامين السياسية عن نزار قباني.
ويتعرض المؤلف في هذا الفصل من كتابه لنشأة نزار قباني السياسية حيث ولد في شهر مارس/آذار عام 1923 في بيت دمشقي قديم تبدو عليه ملامح الغنى واليسر، وكان بيت الأسرة في حي الشاغور المشتعل بالمقاومة والمشتعل بالثورة على الاحتلال الفرنسي يجتمع فيه المجاهدون، والثوار والوطنيون في ساح الدار الكبيرة يلقون الخطب، ويخططون للثورة وكان نزار يستمع إلى هذه الخطب والكلمات، فانزرعت في عقله الباطن المعاني الوطنية والقومية
ينتمي نزار قباني إلى أسرة ميسورة الحال الأب يشقى في مصنعه الصغير ليوفر لأسرته حياة كريمة، وقد تلقى تعليمه في المدرسة الإنجيلية الوطنية، التي كان يدرِّس فيها مادة اللغة العربية الشاعر خليل مردم بك (1895) وقد أثر تأثيراً كبيراً في لغة نزار وثقافته الأدبية وميله إلى حبّ الشعر والأدب.
واجه نزار، وهو في مرحلة الفتوة أزمة حادة خلّفت في نفسه جرحاً نازفاً متمثلاً في موت اخته وصال منتحرة من أجل الحب، فهزّت الحادثة نفسيته هزّاً عنيفاً وألقت بظلالها على شعره.
تخرج نزار في الجامعة السورية، كلية الحقوق في أغسطس/آب 1945 وكان في أول بعثة دبلوماسية ملحقاً بالسفارة السورية في القاهرة حيث بقي فيها من سنة 1945 إلى 1948 وكان للقاهرة أثرها في لغته وأحاسيسه فقد حررته من الغبار الصحراوي المتراكم فوق جلده، فقد كانت القاهرة، آنذاك وما زالت، زهرة المدائن وعاصمة العواصم العربية.
وبعد القاهرة انتقل إلى لندن، وظل هناك من سنة 1952 إلى سنة 1955 وعن أثر هذه المرحلة يقول نزار: لقد منحتني لندن الطمأنينة الفكرية، وغسلت أمطارها أعشابي الشرقية العطشى، وأعطتني براريها المكشوفة واللانهائية المخضرة أول دروس الحرية.
وكانت المحطة الثالثة في عمله الدبلوماسي مدريد وامتدت من سنة 1962 إلى سنة 1966 اطلع فيها الشاعر على الأدب الإسباني، ويرى المؤلف صافي أن العمل في السلك الدبلوماسي وكثرة أسفار الشاعر نزار قباني وتنقله من عاصمة إلى عاصمة أوجدت لديه فكراً متفتحاً ورؤى جديدة للحياة، وأثر ذلك كله في شعره بعامة وشعره السياسي بخاصة، من حيث المضامين التي تناولها ومن حيث الشكل الذي اصطنعه، وهذا كله يعد من المؤثرات الخارجية التي تؤثر في شعر الشاعر، وتحدد ثقافته ونوعها، وترسم معالم شخصيته بشكل عام، وتميزها عن غيرها من الشخصيات الأدبية، ويتناول المؤلف بعد ذلك ما يسميه النزعة الوطنية والقومية في تجربة نزار قباني وقد كان نزار كما يرى متهماً بتأخره في معالجة الوطنية والقومية في شعره مؤثراً عليهما شعر الحب والمرأة والجنس، فقد صدرت مجموعته الأولى قالت لي السمراء عام 1944 عشية استقلال بلاده في حقبة مملوءة بالأحداث السياسية، ومع ذلك لم يقدم لوطنه شعراً يعبر عن اهتمامه به. فالشعب يتلظى بنار الاحتلال ويتهيأ لنيل الاستقلال، وهو يهوّم في المرأة مزهواً بنرجسيته ودون جوانيته من دون أن يلتفت إلى إنسانيتها وروحها أو يهتم بعقلها وفكرها.
ولكن هل هذه التهم الموجهة إلى شاعرنا صحيحة وحقيقية؟ وهل حقاً أنه انصرف إلى موضوع المرأة بكل مشاعره وأحاسيسه حتى انه أخذ عليه مسارب نفسه فمنعه من التفكير إلا بها؟ وهل المرأة تشكل موضوعاً بعيداً عن التفكير السياسي، ولا تصلح أن تكون موضوعاً مندمجاً في السياسة ومن مضامينها ومحاورها؟
ويرى المؤلف أن الشاعر نزار قباني كان بسيطاً وعفوياً في معالجته للمضمون الوطني والقومي، وكان شاعراً مستقلاً برأيه متفرداً بمبادئه الوطنية والقومية، يقول الشعر عن قناعة وإيمان عميقين، يجري مع الفطرة والغريزة بفكر مستقل.
ويتبين من خلال القصائد السياسية التي يدرسها المؤلف أن نزاراً كان في أول عهده بمعالجة الوطنية والقومية رومانسياً في تناوله، يذوب عشقاً وولهاً بوطنه، وبخاصة دمشق، فصور عشقه لها وولهه بها، ولكنه بعد ذلك يهتم بالجانب القومي، وينغمس شيئاً فشيئاً بالقضايا التي تمس الوطن العربي، مثل قضية فلسطين ومعركة بورسعيد وثورة الجزائر، نعم كان قليلاً في عطائه، ونزراً في تعاطيه القومي، ولكنه كتب قصائد مؤثرة تظل محفورة في وجدان المتلقي، وقد تناقلها الناس وحفظوها لما تحمله من حرارة ومن صور فنيِّة جديدة.
لقد كانت نكسة يونيو/حزيران كما يرى المؤلف ذات وقع قوي على الأمة العربية، شعرت إزاءها بالضياع والتفكك، وأصاب من جرائها النفس العربية إحباط كبير، وكان أثرها السيئ يلف كل شيء في الحياة، فقد خسر العرب مساحات واسعة من أراضيهم، احتُلت سيناء في مصر والجولان في سورية والضفة الغربية في الأردن، وقد اختلف المفكرون والسياسيون في أسباب النكسة، كما اختلفوا في تقدير آثارها، وكان للنكسة أدب يعبر عن آلام الأمة النفسية، وعن واقعها المتردي بكثير من المرارة والحرقة، ونزار قباني واحد من الأدباء الذين هزتهم النكسة هزاً عنيفاً فانطلق يرسم لفنه خطاً جديداً ومنحى مغايراً، فقدم لديوان العربية شعره السياسي بكل جرأة وإخلاص وتميز وفتحت قصائد نزار في نكسة حزيران باباً شعرياً جديداً هو باب الهجاء السياسي، لأن أسلوبه في نقد الواقع والحياة السياسية والاجتماعية والنفسية كان أقرب إلى الهجاء منه إلى أي أسلوب آخر
ويخلص الباحث صافي إلى القول إن نزار قباني لم يكن مهادناً أو جباناً في مواجهة القضايا السياسية ولم يكن موارباً أو رامزاً،وإنما واجه أحداث عصره بكل جرأة واقتدار، فقصيدة (هوامش على دفتر النكسة) ليست إلا زلزالاً أو إعصاراً دمّر الواقع العربي في تلك المرحلة، وقصيدة الممثلون لم تكن إلا حرباً شعواء على الفساد السياسي، و(الاستجواب) وغيرها من القصائد قالت ما لم تستطع أن يقوله كثير من الشعراء، ولعلنا نحس بالمغالاة في بعض التصوير والتوصيف إلى حد التجريح لأن الجرح قد يحتاج إلى مشرط والدمل قد تحتاج إلى أن تُفتح .
ويخصص الباحث عبد الهادي صافي الباب الثاني من كتابه لدراسة المستويات الفنية لشعر نزار قباني ودراسة المستويات الفنية تقتضي من الباحث ان يخضع النصوص إلى الدراسة والتحليل، يحلل النصوص الشعرية تحليلاً كاملاً ويقيس درجة الجودة فيها بأدوات دقيقة ومقاييس نقدية صارمة والتحليل الأدبي لشعر نزار السياسي ينظر عبر المستويات الفنية التالية:
المستوى المعجمي المستوى الصرفي المستوى التركيبي المستوى البلاغي المستوى الموسيقي المستوى الرمزي.
ومن خلال دراسته للمستوى المعجمي يرى المؤلف أن الشاعر نزار قباني يعتني بألفاظه الشعرية ويهتم بتراكيبه وبعلاماته اللغوية وعلاقاتها بعضها ببعض، ويضم معجم الشاعر ثروة لفظية حافلة ومتنوعة، يختارها من البيئة المكانية والزمانية والذكريات وما له علاقة بالمعاني المجردة والمحسوسة وقام المؤلف كما يقول بتقسيم المعجم اللفظي للشاعر قباني إلى حقول عدة منها حقل الطبيعة الدين والإعلام المرأة البطولة الشجاعة الذكريات المجد والعلاء الخضوع والتذلل الألوان ليصل إلى القول إن الشاعر قباني كان يجيد اصطفاء الألفاظ المناسبة لموضوع القصيدة، والملائمة للجو النفسي، وتجاوزت ألفاظه المعاني المباشرة، إلى معان أعمق وأبعد . وكان الشاعر يقدر الألفاظ في المكان المناسب، ويحترم اللغة فلا يعبث بها أو يتعدّى على أصولها منهجها صحيح أنه هجا اللغة الجامدة والألفاظ الميتة، ونعى اللغة القديمة، ولكننا لم نجده يتجاوز قواعد النحو إلا فيما ندر، وهذا التجاوز كان يكسب لغته الجدة والطرافة.
ويقول الباحث عبدالهادي صافي: تعود صلتي بشعر نزار قباني إلى أيام الدراسة الجامعية يوم كانت الكلمة قادرة على أن تشكل لنا عالماً خاصاً نعيش فيه ونهرب من بعض واقعنا الذي كنا نرفضه بداخلنا من دون أن نجرؤ على التعبير عن مكنونات نفوسنا كان تعلقي بشعره الذاتي قوياً، ولم تكن الأفكار الجريئة، ووصفه الحسي هما اللذان يمتعاني، ولكن الأمر كان يتعلق دائماً بهذا الأسلوب المؤثر. وكنا - نحن الشباب - يومها نقدر اختيار الشاعر، أي شاعر، للكلمة الموحية، وللألفاظ ذات الظلال، كنا ننقد أعمال نزار الشعرية، ونقف عند كل قصيدة، بل عند كل تركيب وعند كل صورة فنية .
جاءت نكسة حزيران فهزتنا هوامش على دفتر النكسة هزة عميقة وزلزلت داخلنا، وأججت نفوسنا مثل البراكين، فازداد إعجابنا بالشاعر وتقديرنا لاتجاهه الجديد فتوثقت علاقتي بشعر الشاعر، حتى صرت أحفظ كثيراً من قصائده، ولكن هذه الأشياء مجتمعة لم تكن الحافز على اختيار موضوع الشعر السياسي عند نزار قباني ولم تكن الباعث على دراسته، لأن الأمر أعمق من مجرد إعجاب بالشاعر، وبكلماته وسحرها، فالباعث الحقيقي يكمن في أن نزاراً يعتبر ظاهرة فنية تستحق الدراسة والتحليل.
ويضيف صافي: لم أقدم نزاراً في هذه الدراسة تقديماً تأثرياً كما هو شأن الكثيرين ممن كتبوا عنه، ولم أصطنع المنهج التأثري أو الذاتي في دراستي لأشعاره، وإنما كنت موضوعياً، وفياً للمنهجية العلمية، فلم أصدر عن حس أو شعور، ولم أتأثر بعاطفة وإنما جعلت التحليل الفني هو أداتي التي توصلت بها إلى هذه النتائج وجعلت من هذه الرسالة وسيلة للمنهج الفني في النقد الذي ينظر إلى النصوص ويقرؤها ويضيئها من الداخل وكان همي أن استخلص من النصوص ما استطيع استخلاصه، واستنتج ما يمكن استنتاجه، ولم أحاول أن أتأثر بآراء الناقدين والباحثين الذين درسوا شعر نزار لأنني رأيتهم إما لاهجاً بفنه معلياً من شأنه، وإما ناقداً ساخطاً، وقد رأيت أن أستسلم للمنهجية والموضوعية لتخلصني من هذا القيد الذي يقيد الباحث فيما يصدر عنه من آراء وحقائق.
لم يكن شعر نزار قباني السياسي أقل تأثيراً من شعره الغزلي إذ طالما حرك الجامد في المجتمع، وهز الساكن والراكد، وكان لهذا الشعر تأثير عظيم في قلوب الجماهير العربية، ولذلك لقي جزاءه جرّاء كلمته الحرة المخلصة، لقد غير شعره السياسي كثيراً من المفاهيم السائدة، وقلب الموازين لمصلحة الحرية وكرامة الإنسان، فقد جعل الإنسان قضيته منذ نظم الشعر، وناضل من اجل هذه القضية.
كان لشعره بعامة والسياسي بخاصة تلك الخصائص التي تميزه عن غيره من معاصريه وقيل فيه لو رزمة من أوراق شعرية تناثرت في حافلة، ولمحتها لاستطعت أن تأخذها إلى صاحبها وهذا يؤكد سمات شعره الخاصة وشهرتها بين الناس. قد لا تخطىء الأذن إذا سمعت شعراً لنزار أن تميز انه صاحبها، والناس على مستوياتهم كافة يجدون في شعره النكهة المميزة والأداء المميز. ولا بد أن أشير أخيراً إلى أن نزار قباني شاعر ثر وغني، ولم ينته الكلام عنه، ولم تكتمل الدراسات الأدبية والنقدية حول شعره وفنه، فما زال هناك كثير من القضايا الأدبية التي تنتظر الباحثين عنها وأولها قضية (نثره الفني) أغراضه وخصائصه ومميزاته التعبيرية، ومن المضامين التي ما زالت تفتقر إلى البحث هو مضمون الطبيعة في شعره بأبعاده وسماته، ونأمل من الباحثين أن يولوا هاتين القضيتين الاهتمام فيصدرون رسائل منهجية تعنى بهذين الفنين.