الحديث عن خيانة الترجمة لا يضيف شيئاً يذكر إلى مئات الكتب والأبحاث والمقالات التي أشبعت هذا الموضوع بحثاً وتنقيباً، ومع ذلك فإن ترجمة الشعر، على نحو خاص، تظل صعوبتها موضع توافق الكثيرين ممن تصدوا لهذه المسألة وقاربوا إشكالياتها المعقدة، فالشعر هو لغة في اللغة، وهو المرآة العاكسة لروح الأمة وحساسيتها وحيويتها وطريقة تفاعلها مع المكان والزمان، إضافة إلى بنيته التعبيرية الإيقاعية التي تختلف تمام الاختلاف بين لغة وأخرى . كل هذه العناصر مجتمعة تجعل من ترجمة الشعر أمراً شديد الصعوبة بحيث يبدو النص في اللغة الأخرى نصاً آخر يتقاطع في بعض وجوهه مع النص الأصلي لكنه يسلبه الكثير من خصائصه وجمالياته الأم . ومع ذلك فإن ترجمة الشعر هي "أبغض الحلال"، وفق التعبير الشائع عن الطلاق، لأنها الطريقة الوحيدة للتواصل بين الشعوب والقوميات المختلفة وللتفاعل بين الثقافات وإثراء الروح الإنسانية .
حظي الشعر والأدب الفرنسيان، في هذا الإطار، بالكثير من اهتمام الكتّاب والمترجمين العرب، ليس فقط بسبب الدور الطليعي والفاعل الذي لعبته الثقافة الفرنسية في العالم منذ قرون، بل لأن التجاور الجغرافي بين فرنسا ومعظم دول العالم العربي وضع اللغة الفرنسية في موضع الصدارة داخل هذه الدول، رغم أن حقبة الاستعمار أعطت للعلاقة بين الطرفين طابع الصراع الدموي المثقل بالآلام والمكابدات، قبل حقبة الاستقلال، وتركت بعدها خدوشاً يتعذر محوها بشكل كامل، ومع ذلك فإن للثقافة شأناً آخر ومساراً بالغ الثراء، بحيث لم يكتف العرب بترجمة الكثير من روائع اللغة الفرنسية بل إن بعضهم كتب بهذه اللغة ووصل بها إلى ذرى غير مسبوقة كما هي حال جورج شحادة والطاهر بن جلون وصلاح ستينية وأمين معلوف وعشرات غيرهم .
ليست الأنطولوجيا الشعرية التي أعدها الكاتب الفرنسي جاك شاربنترو تحت عنوان "أنطولوجيا الشعر الفرنسي للقرن العشرين" وترجمها مؤخراً الشاعر المغربي نور الدين الدامون هي الأولى في هذا المضمار . بل هي تضاف إلى أنطولوجيات مماثلة صدرت في وقت سابق، ومن بينها "كتاب الشعر الفرنسي الحديث" الذي ترجمه بخبرة وحساسية فائقة الشاعر اللبناني بول شاوول، مركزاً بشكل خاص على التجارب الأكثر طليعية وتأثيراً في تطوير الفرنسية وحقنها بأمصال التجدد .
على أنني لا أبالغ في القول إذا اعتبرت، من وجهة نظري على الأقل، بأن موسوعة جاك شاربنترو هي إحدى أجمل الموسوعات الشعرية التي صدرت خلال العقود الأخيرة . ليس فقط لأنها تضم بين دفتيها أبرز ممثلي الشعر الفرنسي في القرن الماضي، بل لأن المعد عمد، بثقافته الواسعة وولهه المفرط بالشعر، إلى اعتبار الموضوعات والرؤى والتماس مع العالم والأشياء أساساً في اختيار النصوص كما في تصنيفها ووضعها ضمن عناوين داخلية مختلفة .
هكذا تتوزع الصفحات الثلاثمئة والخمسون للأنطولوجيا على أبواب وعناوين مثل "الكلمات تتحدث"، "الآخرون"، "المدن"، "عالم للصنع"، "وجوه وضفاف"، "العيون المفتوحة"، "العيون المسدودة"، "طفولة الفن"، و"المستقبل لا ينتظر"، وغيرها من العناوين . هكذا يمكن أن نقرأ للشاعر نفسه العديد من النصوص التي تتوزع داخل الإصدار الجديد وفق طبيعة الموضوع والمقاربة، ونشعر كل مرة وكأننا أمام شاعر آخر يختلف عن الذي قرأنا له من قبل . نحن هنا أمام جغرافيا الروح الفرنسية الباحثة عن موطئ لها وسط عواصف القرن العشرين وأسئلته الحادة والمفتوحة على التيه كما على الرجاء . وكل باب من أبواب الكتاب يفتح على منازل ومقامات مختلفة، بحيث نعثر على العلاقة مع المدن، أو مع الآلات والتكنولوجيا، أو مع الذات في تمزقاتها، أو مع الفنون المختلفة . ولعل الباب المتعلق بالرسم هو من بين أفضل فصول الكتاب لأننا نعثر من خلاله على المساحات الرائعة والمشتركة بين الشعراء والرسامين، الأمر الذي نفتقر إليه في عالمنا العربي المقسّم إلى مربعات ثقافية وإبداعية منقطع بعضها عن بعضها الآخر .
ولن يكون من العدل أخيراً ألا أشير إلى الترجمة الحاذقة واللغة الأخاذة والمفرطة في رشاقتها وليونتها التعبيرية لنور الدين الدامون، بحيث بدت الموسوعة مساحة للجمال آهلة بالنداوة والفرح المعرفي" .

شوقي بزيع