يفسر الريب في القرآن الكريم بالشك، حتى قال الزركشي في البرهان: كل شيء في القرآن من ريب فهو شك، غير حرف واحد، وهو قوله تعالى: «أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ» [الطور: 30]. فإنه يعني حوادث الدهر.
وقد جاء تفسير الريب بالشك عن كثير من السلف، لكنه لا يلزم منه اعتقاد ترادفهما ترادفاً تاماً؛ لأن ذلك التفسير إنما هو تقريب للمعنى، ومن أوضح الشواهد على ذلك مجيء الريب وصفاً للشك في ست آيات من القرآن الكريم؛ منها قوله تعالى: «قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ» [هود: 62]. وقوله سبحانه: «وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ» [سبأ: 54].
فمجيء الريب وصفاً للشك، من غير عكس حيث لم يجئ الشك وصفاً للريب دليل على ما بين اللفظين من فرق، وأنهما غير مترادفين ترادفاً تاماً كما هو ظن فريق من الناس.
وهذا يعني أن الشك إنما هو تقريب لمعنى الريب، لكن يبقى لكل لفظة دلالتها المتميزة التي تختص بها دون الأخرى.
فلفظة الريب يبدو انطواؤها على معانٍ شعورية، تعود إلى قلق النفس واضطرابها. والشك ليس هو التفسير الوحيد للريب والريبة. يقول ابن الأثير: «الريب هو بمعنى الشك، وقيل: هو الشك مع التهمة، يقال: رابني الشيء وأرابني بمعنى شككني، وقيل: أرابني في كذا؛ أي شككني وأوهمني الريبة فيه، فإذا استيقنته قلت: رابني بغير ألف». وفرق أبو هلال العسكري بين الشك والارتياب بأن الارتياب شك مع تهمة، والشاهد أنك تقول: إني شاك اليوم في المطر، ولا يجوز أن تقول: إني مرتاب بفلان، إلا إذا شككت في أمره واتهمته، ولهذا تعرف الريبة بأنها الخصلة من المكروه تُظن بالإنسان فيُشك معها في صلاحه.
ويؤيد نور الدين الجزائري تفسير الريب بأنه الشك مع التهمة، مستدلاً على ذلك بقوله تعالى: «ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ» [البقرة: 2]، وأن المشركين مع شكهم في القرآن كانوا يتهمون النبي ظلماً وزوراً بأنه هو الذي افتراه، وأعانه عليه قوم آخرون.
فالريب: شك وزيادة ظن سوء، والشك المريب: هو الشك الموقع في الحيرة والاضطراب والقلق.
وهذا يعني أن الريب أبلغ من الشك وأشد تمكناً في النفس من مجرد التردد بين شيئين؛ وذلك لما في الارتياب من اتهام وميل إلى ترجيح أحد الطرفين.
أما الشك فيعرّفه الراغب الأصفهاني بأنه: اعتدال النقيضين عند الإنسان وتساويهما، وهذا ينتج عن عدم وجود أمارة مرجحة أصلًا لأحد الطرفين، أو وجود أمارتين متساويتين.
يقال: شك في الشيء: تردد فيه، ولم يصل فيه إلى اليقين، فهو شاك، قال الله تعالى: «فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ» [يونس: 94]؛ أي إن كنت غير مستيقن.
الشك يدل في معانيه على التداخل، وهذا يعني أن اللفظة تحمل معاني الالتباس والاستغلاق، وهذا ما يؤدي إلى عدم استبانة الصواب، ووضوح الحق في نظر الشاك، وهذه الحالة تُفضي به إلى القلق والاضطراب فيحرم الطمأنينة والارتياح، وهذا هو الارتياب؛ فالشك إذن سبب الارتياب.
يقول صاحب الكليات: «فالشك سبب الريب، كأنه شك أولًا فأوقعه ذلك الشك في الريب، فالشك مبدأ الريب، كما أن العلم مبدأ اليقين». ومن هنا نفهم مجيء الشك موصوفاً بالريب في القرآن الكريم.
وننتهي إلى أن الريبة ليست هي الشك، وإنما هي نتيجته وحصيلته، وأن تفسير الريب بالشك مع التهمة أقرب وأصوب؛ إذ إن حقيقة الريبة قلق النفس واضطرابها، والشك تردد يفضي إلى تلك الحالة، وبهذا يصبح تفسير الريب بالشك إنما هو تقريب للمعنى.
* مدير الجامعة القاسمية بالشارقة