«وسخر لكم الشمس والقمر دائبين....» أي (لا يفتران ولا يقفان إلى يوم القيامة) فيه حذف جملة (إلى يوم القيامة) وهي إضافة غير ملزمة حسب النص شكلاً ومضموناً. وفي هذه الحركة نفسها فإن منطق العلاقة بين حركة الشمس والقمر يقع مطمئناً ضمن قوله تعالى: «والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم» و(القمر بالرفع والنصب وهو منصوب بفعل يفسره ما بعده (قدرناه) من حيث مسيره منازل)، 28 منزلاً في (28) ليلة من كل شهر ويستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين ويوماً وليلة واحدة إن كان تسعة وعشرين يوماً حتى عاد في آخر منازله. ومن الواضح أن هذه المنازل ناشئة من دوران القمر حول الأرض ودورانهما معاً حول الشمس حتى يظهر القمر في مواقع مختلفة من السماء وعلى أشكال مختلفة من الأرض وذلك نسميه: (الأهلة جمع هلال) كما في قوله تعالى: «يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج». (البقرة 189)
نعود إلى الفعل (قدرناه) فنعيده إلى معنى: جعلناه يجري تبعاً للعلاقة الجذبية والحركية: الأرض والشمس والقمر ومن ثم ولادة أشكال الهلال المختلفة ومواقيتها، ولكن «لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون» إذ الفعل في تدرك ذو معان دالة عميقة، وليس مجرد الوصول إلى أو اللحاق ب، بل ربما معنى يؤثر في طرف اليسر والبساطة، ونحن نميل إلى جعل كل هذه المعاني في الفعل يدرك في هذا الاستعمال القرآني المدهش، إذ إن جملة: «وكل في فلك يسبحون» تؤكد انقطاع الوصل المادي المباشر بين الشمس والقمر والاكتفاء بالاتصال الضوئي والجذبي الحركي على مسافة مقدرة بدقة وبنظام من خلال كلمة (فلك/ مدار) نفسها، إذ الإحاطة بنظام المجموعة الشمسية يجعل الشمس مركزاً لها ولكن عندما يصير البحث في حركة الشمس نفسها ومجموعتها تبعاً لها فإن الإحاطة يجب أن تمتد إلى المجرة التي تنتمي إليها المجموعة الشمسية، وهي الطريق الحليبي (أو درب التبانة)، وهذا يعني ضمناً أو مباشرة أن (مستقر الشمس) من زاويته المكانية هو نظام الحركة داخل المجرة، فهي لا تستطيع الإفلات منه أو الخروج عليه أو تغيير مساره! وهذا لا ينفي ولا يلغي مطلقاً عبودية الشمس والقمر لرب العرش العظيم بل وتسبيحها له وسجودها في الفيزياء الفلكية فإن مجرتنا تسبح ضمن حشد مجري يدعى بالمجرات المحلية وعدد المكتشف منها يتراوح بين 40 إلى 50 مجرة، وهذه المجرات مرتبط بعضها مع بعض، فيزيائياً برباط الجاذبية المشتركة أي أن كل مجرة تدور حول مركز ثقل المجموعة المشترك، وتسبح المجرات المحلية جرماً سماوياً واحداً في مجموعة كبيرة من الحشود المجرية وتسبح هذه المجموعة في حشود مجرية أكبر لتسبح في دائرة مجموع الحشود العملاقة وتؤلف الكون المرئي، ويتألف الكون المرئي من أكثر من مليار حشد مجري وكل حشد مجري يحوي معدلاً على ما يقارب 100 مجرة وكل مجرة تحوي 100-200 مليار نجم وكل هذه الأجرام تسبح في فلك وفيما يلي تسلسل السباحة «الحركة في مدار/ فلك» لبعض الأجرام السماوية:
يسبح القمر في مدار حول الأرض، وتسبح الأرض في مدار حول الشمس في المجموعة الشمسية، وتسبح الشمس وأفرادها في مدار حول مركز المجرة، وتسبح المجرة «درب التبانة» في المجموعة المحلية من المجرات، وتسبح المجرات المحلية في مجموعة كبيرة من الحشود المجرية، وتسبح الحشود المجرية (التي يبلغ عددها مليار حشد مجري) في الكون المرئي وهكذا.
وفي الآية الكريمة أيضاً: «ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر.. (الحج 18) وهذا نص صريح: «والشمس تجري لمستقر لها» نص يقبل أكثر من تفسير في الواقع. أما في مسألة (ولا الليل سابق النهار) فنرى معناه: لا يأتي قبل انقضاء النهار، أي لا ليل في العصر مثلاً، بل الليل بعد الغروب، إذ في هذه الاستحالة عودة إلى نظام الحركة المحورية للأرض حول نفسها، لأن سبق الليل انقضاء النهار يعني تغييراً ما في نظام حركة الأرض، ولما كانت هذه الحركة تسير وفق قانون أزلي واحد وثابت فإن من المستحيل، تلقائياً، أن يستبق حدث حدثاً آخر في ظله ومنه استباق الليل، النهار، إن اقتران الشمس بالقمر له نظير في اقتران الليل بالنهار: «وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون».
«يغشي الليل النهار يطلبه حثيثًا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين» (الأعراف 54) الليل يغشي النهار من جميع الجهات وطبقة النهار طبقة رقيقة جداً مقارنة بقطر الأرض، وهذه الطبقة من النهار تنسلخ من الظلام الذي يحيطها من كل جانب كما في الآية الكريمة أعلاه.
إن غشاء الليل والنهار لبعضهما كناية ضمنية عن دوران الأرض حول محورها أمام الشمس، ولو لم تدر الأرض ما كان ليل ولا نهار، ولا تحرك ظلام إلى نور، وبالعكس. عندما نتحدث عن ظاهرتي الليل والنهار فإننا نتحدث عن حركة الأرض حول نفسها بالنسبة للشمس، في 24 ساعة، وعندما نتحدث عن الفصول الأربعة فإننا نتحدث عن حركة الأرض حول الشمس في سنة واحدة وعلاقة ذلك بميل محور الأرض بزاوية قدرها 23.5 درجة.
والجدير بالإشارة إليه أن ظاهرتي الليل والنهار تحدثان في الكواكب الأخرى أيضاً حسب دورانها حول نفسها بالنسبة إلى الشمس، فمثلاً يوم المريخ 25 ساعة ويوم المشتري 10 ساعات ويوم زحل 12 ساعة.. وهكذا.
«ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمًى وأن الله بما تعملون خبير» (لقمان: 29).
«إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب» (آل عمران: 190).
وبناءً على ما تقدم نجد أن الليل و النهار آيتان من آيات الله وهما من الظواهر الفيزيائية الرائعة التي خلقها الله سبحانه للكائن الحي ليتمتع بها في حياته، وجعلها له سرمداً دائماً خالداً إلى يوم القيامة: وقال تبارك وتعالى:
«قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدًا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون، قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدًا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون». (القصص: 71-72).
سبحان الله على دقة الوصف لليل والنهار في زمن نزول القرآن.
*مدير جامعة الشارقة - رئيس الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك