عندما نتحدث عن الليل والنهار نقرأ:في قوله تعالى: «خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمًى ألا هو العزيز الغفار» سورة الزمر 5، نجد علاقة الشمس بالقمر مرتبطة بالفعل (سخر) الذي يعزو المفسرون أثره إلى الجانب الفلكي الفيزيائي الحركي أكثر من غيره إن لم يكن وحده! بدليل «كل يجري لأجل مسمى» ولا ضير في ذلك، إلا أنه ليس كل ما في الفعل (سخر) من قوة معنى وعمق دلالة في الواقع ناهيك عن تحديد بعد الأجل (المسمى)، ومفهوم (يكور) في حالتين متضادتين في الوقت نفسه! أي أن العلاقة الرباعية بين الشمس والقمر والليل والنهار إزاء الأرض ما زالت قائمة ولكن على نحو جديد في صياغته وثابت في محتواه، ففي (خلق السماوات والأرض بالحق) تكريس لحقيقة البدء والنشوء لغاية وحكمة، وهي قضية كلية أو عامة ثم ينتقل إلى الخاص في «يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل» بجمع بلاغة تصالب الكلام المعاكسة إلى الحقيقة الفلكية الفيزيائية بتعاقب الليل والنهار بفعل القوانين التي ناقشنا ظاهرتها بإيجاز (قبلاً وأولها حركة الأرض حول محورها وحول الشمس). ثم يظهر الفعل: (سخر) الذي نريد التوسع في دلالته هنا للأهمية، فالفاعل مستتر هنا وهو الله سبحانه، ومفعوله (الشمس) و(القمر) معطوف على الشمس ولكن عند السؤال عن الغاية من هذا التسخير نجد أنفسنا غير مقيدين تماماً بمضمون قوله تعالى: «كل يجري لأجل مسمًى» من حيث التوجه الفلكي فقط، بل نستطيع تقدير شيء محذوف بلاغياً يمكن تقديره معرفياً أي: (سخر الشمس والقمر لغاية أو لغايات) أوضحتها أو أوضحت بعضها على نحو دقيق آيات بمدلول كلمات: (حسبان وحسباناً وأهلة ومنازل.. الخ)، مع ذلك يبقى مدلول (سخر) أوسع من هذا التحديد الذي اتفق مع قدرات المؤمنين وقت النزول، ثم اتسعت دائرة العلم والمعرفة تحت ظل الفعل (سخر) وغاياته الكثيرة على الأرض وفي الفضاء معاً. على أن «تكوير الليل على النهار وتكوير النهار على الليل» معنى مخصوص بتسخير الأرض غير المذكور لفظاً، وهذا المعنى جزء من معان كثيرة في تقدير الفعل (وسخر الأرض)، فالنص ذكر الدال وحذف المدلول مرة وذكر المدلول وحذف الدال مرة، زيادة في الإعجاز، وفي العلاقة بين الأرض من جهة مقابل الشمس والقمر، فإن (جريان) الأرض يصير إلى (أجل مسمى) نتيجة ومحصلة لجريان الشمس والقمر، إذ ليس ثمة ليل أو نهار من دون شمس وقمر! ولما كان الراصد بوصفه الإنسان المخلوق في الأرض وعليها لا يرى الأرض كما يرى القمر والشمس بازغين في الليل والنهار على التوالي فلقد آثر الله سبحانه وتعالى تذكير الإنسان بما يرى بالدال من الأسماء (الشمس والقمر) وتذكيره بما لا يراه على حقيقته بمدلوله، فسبحان الله العظيم.
في الانتقال إلى مدلول «إلى أجل مسمى» نجد تأكيداً لفظياً في آيات أخرى كما في سورة لقمان (الآية 29): «ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمًى وأن الله بما تعملون خبير»، هنا نلمس بخشوع وإعجاب تطابق الصيغة البلاغية في: يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل كما في «يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل» ثم يكمل بالنص الواحد: «وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمًى» إذ أن حذف «كل يجري» في آية يدل عليه ذكره في الآية الأخرى. ثم إذا قرأنا في سورة الرعد:
«الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمًى..» اكتملت ثلاثية «إلى أجل مسمى» في القرآن الكريم، إذ ليس من ذكر لهذه الجملة بعد ما ذكرنا إلا تكراراً فما علينا إلا التمعن في معناها فضلاً عن الدلالات الأخرى في الآيتين الكريمتين وما فيها من عجب فيزيائي فلكي وفقهي لغوي إزاء ذكر القرآن الكريم الجملة نفسها مقترنة مع (يؤخركم) في «يؤخركم إلى أجل مسمى» أو مقترنةً مع (لزاماً) في: «لكان لزاماً وأجل مسمى» أو مقترنة مع متاعاً حسناً في: «ثم توبوا إليه يمتعكم متاعًا حسنًا إلى أجل مسمًى» بالمعنى الظرفي على الأرض. إلا أن جري الشمس والقمر إلى أجل مسمى شيء آخر! فالمعنى الظرفي الزماني ل (أجل) واضح ولكن المشكلة في مدلول (مسمى)، فلقد يصح فيه القصر والطول، القرب والبعد، الحياة الدنيا كلها حتى الآخرة، واختيار المفسرين مدلولاً معيناً أو آخر لإعطاء المعنى المقصود أمر صحيح، إلا أن عده تفسيراً واحداً وهو الصحيح يعد مسألة تستوقف المتفكر والمتأمل بسؤال: لماذا؟ إذ ما دام اليوم الواحد يقع ضمن مفهوم (أجل مسمى) في الليل والنهار وما دام الشهر القمري أو الشمسي يقع ضمن مفهوم (أجل مسمى) وما دامت السنة الواحدة بدوران الأرض حول الشمس دورة كاملة تقع ضمن (أجل مسمى)، بل إن الزمن الدوراني في الشمس: (25 يوماً عند الاستواء الشمسي و35 يوماً عند القطبين تقريباً) هما معاً (أجل مسمى) وأن الشهر النجمي والشهر الاقتراني والشهر المداري والشهر الحضيضي والشهر التنيني على الرغم من قلة الفوارق بينها (± يومان) هي كلها ضمن (أجل مسمى)، لذلك فإن (مدلول: يجري لأجل مسمى) أو ما يناظرها (ثابت برغم تغير شكله)، أي أنه محدود النهاية برغم تغير مدياته أو أطواله حتى قيام الساعة. وإذا كانت المدلولات السابقة معرفةً فلكياً فإن ثمة آجالاً معرفة ظرفياً بها كالقرون والأجيال مثلاً، وإن نهاية المطاف مرهونة بقوة الأفعال (سخر) وما يناظره أي إذا انتهى (أمر) التسخير بالتوقف توقفت كل حركة فلكية دالة من الليل والنهار والشهر والسنة...الخ تماماً.
في دلالة الفعل (يولج) الليل في النهار مقابل (يكور) الليل على النهار، مغايرة صرفية وبلاغية برغم ثبات المضمون، فتغير الشكل التعبيري لم يغير موقع الليل إزاء النهار، وفي مبادلة الغروب بالشروق بين يولج ويكور انتقالة جمالية مدهشة، وكأنك تنظر إلى يدك من باطن كفك مرة ومن ظاهرها مرة، وفي مقابلة «رفع السماوات بغير عمد» ب «خلق السماوات والأرض بالحق» مماثلة في النتيجة إزاء السماء وإن لم تذكر الأرض في الموضعين لأن التأكيد انحصر في جملة (بغير عمد) وعندما أضاف إليها (ترونها) انطلقت رؤية جديدة للنص، تمام الجدة، لأن (بغير عمد) وحدها تكفي، إلا أن إضافة (ترونها) تثير سؤالاً: ولم لا يكون هناك من العمد ما لا نراه؟
مدير جامعة الشارقة - رئيس الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك