أ.د. حميد مجول النعيمي
في سورة إبراهيم الآية 33: «وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار» نجد كلمة (دائبين)، حالاً وهي صفة لهما، و نجد الفعل - سخَّر- وقد جاء بصيغة (فعَّل) الدالة على المبالغة والتأكيد لعملية التسخير، فما العلاقة بين (دائبين) و(إلى أجل مسمى) في اللغة والفلك؟ ربما يبدو شيء من المفارقة أو الاختلاف أول وهلة! نرى هنا أن المسألة تتعلق بالخطأ ونتائجه الخطيرة والصواب وطبيعته الساحرة! فالسيرورة المنتظمة في حركة الشمس والقمر والأرض وما ينتج عنها من ظواهر حركية فيزيائية فلكية وبيئية وبيولوجية انتظمت بموجبها حياة الإنسان متوازنةً مع باقي المخلوقات والموجودات على الأرض لا تحتمل أي خطأ مهما كان صغيراً على الإطلاق إلا بحساب منتظم ومقدّر سلفاً، وهذه الدقة الأدائية لا تلغي الأجل المحدود المسمى، بل هي الوسيلة للوصول إلى الخاتمة المرسومة، وإن «إلى أجل مسمى» تتطلب عملاً دقيقاً ودؤوباً لا يقبل الخطأ جرّاء العجلة أو السرعة غير المنضبطة! لذلك ارتبطت الجملة في (دائبين) مع الجملة في «إلى أجل مسمى» ارتباطاً سببياً ووظيفياً فيزيائياً فلكياً معاً.
مع هذه السرعة والدقة المتناهية تدخل كلمة ثالثة بين (دائبين) و«إلى أجل مسمى» هي كلمات (حسباناً) أو (بحسبان) أو (الحساب) في ثلاث آيات بمعانٍ ومدلولات متقاربة، فعن قوله تعالى: «فالق الإصباح وجعل الليل سكنًا والشمس والقمر حسبانًا ذلك تقدير العزيز العليم» في سورة الأنعام (الآية 96)، نجد التعليق في تفسير الجلالين: حسباناً: حساباً للأوقات أو الباء محذوفة وهو حال من مقدر أي يجريان بحسبان كما في سورة الرحمن (الآية 5) «الشمس والقمر بحسبان» حيث قال عنها «(بحسبان: يجريان) أي: صار لها معنيان، الأول يختص بحركتهما (الشمس والقمر، أو الليل والنهار) والثاني حساباً للأوقات في الساعة والدقيقة والوقت صبحاً وظهراً وعصراً.. إلخ، وربما يوماً وشهراً وسنة.. إلخ.. وربما جميعها، بعضها مع بعض، كما نميل إليه، تعظيماً للإعجاز. إلا أن (حسباناً) هذه تعدُّ - كما يبدو - من الأضداد، أي أن لها معنى آخر إذا ما استدللنا بقوله تعالى في سورة الكهف (الآية 40):

«فعسى ربي أن يؤتين خيراً من جنتك ويرسل عليها حسباناً من السماء فتصبح صعيداً زلقاً» فلقد فسر الجلالان حسباناً هنا بالصواعق، ولا ندري هل مدلول الصواعق عندهما هو القديم لفظاً كما في الآية الكريمة:
«صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون» في سورة فصلت (الآية: 17) وفي خمس آيات أخر على نحو مفرد؟ أما بصيغة الجمع فقد ذكر الله - تعالى - الصواعق جمعاً في آيتين نذكر أولاهما:
«يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت» (سورة البقرة الآية 19)، في المدلولات الفيزيائية (الشحنات الكهربائية المتولدة أثناء احتكاك سحابتين وما ينتج عن ذلك من رعد وبرق أيضاً: الرعد صوت البرق والبرق ضوء الرعد، لذلك نرى البرق قبل سماع الرعد؛ لأن سرعة الضوء أعلى بكثير من سرعة الصوت)، كشف العلم عنها حديثاً، وأصبح تداول الصاعقة بمفهوم الأرصاد الجوية أو الفيزيائي الجوية هو السائد واندثر المفهوم العام الذي يذكر «مختار الصحاح» شيئاً قريباً منه بين القديم والجديد إلا أن الجديد يرفضه، فيقول: (الصاعقة نار تسقط من السماء في رعد شديد) وقوله تعالى: «فصعق من في السماوات ومن في الأرض» أي مات. فالصاعقة ليست ناراً كأي نار، لا في المصدر ولا في المحتوى أو النتيجة إلا أن لها التأثير الناري القاتل بحق. وفي لغة الحساب نستذكر قوله تعالى:
«لتبتغوا فضلاً من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب» تكملة لقوله تعالى: «وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرةً» في سورة الإسراء (آية 12)، أما مدلول الحساب هنا فقد ذهب الجلالان به إلى الأوقات، تواصلاً، كما نلمس مع (حسباناً وبحسبان) مع أننا نرى فيه أكثر من ذلك.
يصح إذن الربط العلمي المنطقي على التوالي بين الألفاظ الثلاثة على النحو الآتي: دائبين + حسباناً وبحسبان والحساب = إلى أجل مسمى، والله أعلم. إذا انقضى (الأجل المسمى) في مدلوله الأوسع: يوم القيامة:
«يسأل أيان يوم القيامة، فإذا برق البصر، وخسف القمر، وجمع الشمس والقمر، يقول الإنسان يومئذ أين المفر» كما جاء في سورة القيامة الآيات (7-11)، هنا نقف عند الآية: «وجمع الشمس والقمر» وكذلك عند الآية «وخسف القمر»، وقد تحدثنا فيزيائياً في مقالنا السابق وبشكل واضح عن ظواهر خسوف القمر وكسوف الشمس فعندما تجتمع الأجرام السماوية الثلاثة الشمس والأرض والقمر على خط مستقيم واحد تحدث ظاهرتا الخسوف والكسوف ضمن القوانين الكونية التي أرساها الله - سبحانه وتعالى - (والله أعلم).
وكذلك وصفنا كيف أن الشمس بعد حوالي 3000 مليون سنة تقريباً ستنفجر و تكبر وتتحول إلى نجم عملاق لتغطي غازاته الكواكب الثلاثة الأولى على الأقل (عطارد والزهرة والأرض بما فيها القمر) وربما المريخ (بمعنى أن هذه الكواكب وجميع المواد والغازات بينها ستكون ضمن الشمس العملاقة، وقد يكون هذا هو وقت جمع الشمس والقمر، وبذلك يكون اجتمع القمر مع الشمس وبقية الكواكب «والله أعلم»).

لقد عاملنا السماء بمدلول الكون في مقالاتنا السابقة على سبيل المجاز، أو على سبيل ما يتحسسه الإنسان يوم القيامة ويتلمسه حسب النصوص القرآنية الكريمة وهي كثيرة ومختلف بعضها عن بعض على نهج التسلسل أو التدرج أو التباين وكما يأتي، يوم القيامة:
«وإذا السماء كشطت»، (التكوير: 11)، «إذا السماء انفطرت»، (الانفطار: 1)، «إذا السماء فرجت»، (المرسلات: 9)، «يومئذ وقعت الواقعة، وانشقت السماء فهي يومئذ واهيةٌ»، (الحاقة: 15-16).

«إذا السماء انشقت»، (الانشقاق: 1) وهذه كلها أشكال أو صور لحقيقة واحدة هي تغير بنية السماء يوم القيامة، أما عودتها إلى ما كانت عليه فمحتملة وليست مستبعدة ولكن من غير جزم فعلم ذلك عند الله - سبحانه - وحده، أي أن الانفجار الكبير (الفتق الكبير) Big Bang سيقابله على الاحتمال تدمير عظيم أو انسحاق عظيم (الرتق العظيم) Big Crunch من طريق تهشيم عظيم (أو إبادة عظيمة) لما هو (موجود) بتصور دورة (كونية) جديدة والله أعلم.

مدير جامعة الشارقة - رئيس الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك