يعتبر تقارب مستوى التعليم بين الزوجين عاملاً مهماً في حدوث التناغم والتفاهم والقدرة على إدارة دفة الحياة الزوجية بينهما وتوصيلها إلى شاطئ الأمان، لكن هناك بعض الأزواج يسعدون بحياتهم في ظل عدم وجود التكافؤ في الشهادات العلمية، ولا يعتبرونه العامل الأساسي لنجاح الحياة الزوجية، معللين ذلك بأن هناك أموراً أخرى كثيرة تبنى عليها البيوت غير الشهادات . نناقش هنا إلى أي مدى يعتبر هذا التوافق في المستوى التعليمي مهماً بالنسبة إلى الزوجين .

إيمان محمد حسن، ربة منزل، تقول: هناك اختلافات بسيطة ترجع إلى اختلاف المستوى التعليمي بين الزوجين، فأنا حاصلة على الثانوية العامة في حين أن زوجي حاصل على مؤهل جامعي، ونشأت هنا في الإمارات على الرغم من كوني صومالية وهو صومالي ويعمل هنا وتواجهنا بعض الاختلافات التي لا ترجع إلى العامل التعليمي بقدر ما ترجع إلى نشأة كل منا واختلاف التربية، فهو يصر على أن تكون لغة الأبناء الأم التي يجب أن يتعلموها هي الصومالية ولكني أرى أن اللغة العربية هي اللغة الرئيسية حيث نعيش هنا، كما يرى هو أنه من الخطأ أن يشاهد الأبناء الرسوم المتحركة قبل الرابعة من عمرهم، وأعتقد أن هذه المشكلات لا ترجع بشكل من الأشكال إلى اختلاف المستوى التعليمي بيننا بقدر ما ترجع إلى نشأة وتربية الزوجين، فهي إذا كانت سليمة اجتماعياً ونفسياً فهذا هو المفتاح الحقيقي لنجاح أي أسرة .

عبدالله ممدوح، مدرس تربية خاصة، يرى في التوافق في المستوى التعليمي بين الزوجين عاملاً مهماً في تحقيق الاستقرار داخل الأسرة، ومن خلال تجربته ومعايشته من حوله، يقول: من خلال سجل المدرسة هناك أمهات كثيرات غير متعلمات والزوج متعلم ويؤثر ذلك في المستوى التعليمي للأبناء، لأنهم لا يجدون من يتابعهم أثناء مذاكرتهم والآباء مشغولون بالعمل فترات طويلة من اليوم ما يخلق بعض المشكلات الزوجية لسوء درجات الأبناء وعدم الاهتمام الكافي بالتعليم في البيت، وهذا يرجع في الأساس لافتقادهم القدوة أمامهم .

حليمة جابر، مديرة علاقات عامة بشركة في دبي، تقول: لا يعتبر التعليم عاملاً أساسياً لنجاح الحياة الزوجية، فالزواج يعتمد في الأساس على التوافق وهذا الشرط ليس من الأهمية أن يتحقق بالدرجة العلمية، لكن من المهم أن يتحقق بالتوافق الثقافي بين الزوجين . وهناك أزواج كثيرون يكون طرف منهم لا يحمل مؤهلاً متقارباً من الطرف الآخر ولكنه يلجأ إلى تزويد نفسه بالثقافة والقراءة ومتابعة الأحداث عبر شاشات التلفزيون، حتى إذا تحدثا معاً يديران الحديث بطريقة مثقفة .

تضيف: هذه الحالة حدثت مع أحد أقربائي، فالزوجة ذات مؤهل جامعي بينما الزوج لديه مؤهل الثانوية العامة فقط، لكنه يملك دائماً الحافز لكي يصل إلى مستوى زوجته من خلال متابعته الأحداث وقراءته المستمرة، وعندما نشاهد أي حوار بينهما نجده لا يختلف عنه بين أي مثقفين، والحياة بينهما تسير عادية .

على العكس من ذلك يرى أحمد سيف، محاسب في شركة العقيل للشحن والتخليص في الشارقة، أن التوافق في المستوى التعليمي يؤدي دوراً كبيراً في نجاح الحياة الزوجية . ويقول: عشت هذه التجربة مع أحد أصدقائي، فالزوج مستواه التعليمي أقل من الزوجة، فهي ذات مؤهل جامعي بينما الزوج مؤهله متوسط، وهو كأي رجل شرقي يعتبر نفسه الأفضل ويجب أن يفرض قراراته على من حوله في البيت، وهي تحاول أن تزرع في الأبناء أهمية العلم وتشجعهم على المذاكرة والتفوق، بينما الزوج على الرغم من أنه كأي أب يحب أن يرى أبناءه أفضل منه فإنه يزرع فيهم حافز التفوق، والنتيجة حدوث مشكلات كبيرة بينهما، وتبدو طريقتهما في تربية الأبناء مختلفة تماماً، فيختلفان على مواعيد فتح التلفزيون أو على طريقة مكافأة أبنائهما بعد الامتحان أو جلب وسائل التكنولوجيا المهمة لهم، فالأب من الممكن أن يرى أن الحاسب الآلي ليس له قيمة وأنه مضيعة للوقت، بينما ترى الأم أهميته في توسيع مدارك الأبناء، وغيرها من المشاحنات التي تحدث وترجع إلى اختلاف المستوى التعليمي بينهما .

وترى سميرة لشكري، منسقة برنامج تحدي في شركة إينوك، أنها من خلال معايشتها لتجارب من حولها تجد أن فارق التعليم بين الزوجين يمثل مشكلة كبيرة عند بعض الأشخاص، خاصة إذا كان الزوج هو الأقل تعليماً .

وتوضح أن هذا ما حدث في إحدى الحالات التي عايشتها بين زوجة تعليمها جامعي وزوج تعليمه ثانوي، فالزوج دائماً لديه إحساس بالنقص وبداخله حساسية كبيرة من الزوجة خاصة أنها تعمل وراتبها أكبر من راتبه ما سبب غيرة بينهما وأصبح هذا الأمر مدعاة لاختلاق المشكلات لها لتترك العمل .

ورغم ذلك، لا يمثل الفارق التعليمي عند البعض الآخر أي مشكلة، بحسب لشكري، التي تقول: عايشت تجربة أخرى الزوج فيها أيضاً مستواه التعليمي أقل من الزوجة، لكنه حاول أن يشجعها ويحمسها لتكمل دراستها الجامعية وتعمل .

المصارحة من البداية ووضع أسس ليمشي عليها الطرفان بقية حياتهما هي أساس الزواج الناجح وليس المستوى التعليمي لأي منهما، هذا ما تقوله فاطمة عبدالله، ربة منزل، التي ترى أن المصارحة في بداية الزواج وإبلاغ كل طرف برغباته وميوله يساعدان على تخطي كثير من العقبات، ومنها أن تبلغ الزوجة زوجها أنها ستكمل تعليمها الجامعي أو ما فوق الجامعي مثل الماجستير والدكتوراه وأن حبها للعلم لا يتوقف عند مرحلة معينة .

وتشير إلى أن هذا ما قامت به صديقتها عندما ارتبطت بقريب لها من العائلة ذي مؤهل متوسط، وبالفعل استطاعت أن تحقق طموحها ولم يعترض، بل أخذ يدفعها إلى أن تواصل ما اتفقا عليه منذ البداية ووجدت منه التشجيع والدعم .

د . ليلى جاسم، اختصاصية نساء وولادة في مركز الدانة الطبي في الشارقة، تقول: لا يؤثر المستوى التعليمي بين الزوجين في نجاح الحياة الزوجية، فهناك رجال غير متكافئين مع زوجاتهم في المستوى التعليمي لكنهم ناجحون في أعمالهم ومبدعون ويشجع كل منهم الآخر لينجح في مجاله ويبدع، وهناك أزواج كثيرون لا يمانعون في عمل زوجاتهم أو إكمالهن لدراستهن من دون أن يسبب لهم ذلك أي شعور بالغيرة .

تربية الزوج والزوجة هي العامل الرئيسي لنجاح أي حياة زوجية، هذا ما تراه شمسة بو طويل، اختصاصية اجتماعية في مدرسة مغيدر للتعليم الأساسي في دبي . وتقول: طريقة تربية الزوجين عامل رئيسي لنجاح الحياة الزوجية، كما أن طريقة معاملة كل منهما الآخر مهمة، فأنا حاصلة على مؤهل جامعي، وزوجي على مؤهل متوسط ولم يعننا هذا الأمر أو يعكر صفو حياتنا، ومرت بنا الحياة وأصبح أبناؤنا في الجامعة ونتفق على كيفية تربيتهم التربية السليمة، وهناك توافق في الآراء بيننا، فالبيوت لا تبنى على الشهادات بقدر ما تبنى على الاحترام والحب المتبادل .

يؤيد أحمد الشيبة، اختصاصي علم النفس التربوي ورئيس مكتب الخلية العربي للاستشارات التربية، القول إن المستوى التعليمي يؤثر في العلاقة بين الزوجين، موضحاً أنه كلما كان هناك فارق في المستوى كانت الفجوة أكبر بين الزوجين . ويقول: المؤشر الرئيسي الذي يقاس به هذا المستوى هو الشهادة ودرجة تحصيل كل منهما للتعليم، وهناك بعض الحالات الاستثنائية التي يجب ألا نعممها ولا نربط فيها بين التعليم والمستوى الثقافي للشخص، وتعتبر ضحالة المعلومات وسطحية التفكير هي مشكلة لدى الطرف المتعلم والمثقف، لأنه كلما كانت الثقافة والمستوى التعليمي متقاربين كان التناغم أكبر، وأكثر الاختلافات الواضحة التي تترتب عليها مشكلات بين الزوجين هي تربية الأبناء وغالباً مفهوم كل منهما لقيم التعلم، فالأم إذا كانت متعلمة ومجتهدة والأب فاشلاً ولم يكمل دراسته لن يرى قيمة الاجتهاد في التحصيل الدراسي بالأهمية التي تراها الأم .

يضيف: الشخص الفاشل في دراسته أو الذي تعليمه أقل سيشعر بأن الطرف الآخر يقلل من شأنه، وسيشعر الطرف الناجح أنه ليس بالعقلية التي تستحق أن يتعامل بها مع الطرف الآخر، وهناك نماذج عديدة وصلت إلي بهذا الشأن منها أن الزوجة عندما أخذت الشهادة العليا قررت الانفصال عن زوجها وطلبت الطلاق منه وادعت أن مستواها العلمي أصبح غير مناسب وعقليتها مختلفة عنه ولا تستطيع أن تتوافق معه، لذلك يعتبر شرط التكافؤ من شروط الزواج الأساسية .

يرى د . أسامة الموسى الاختصاصي النفسي، أن اختلاف التعليم بين الزوجين ليس سبباً لحدوث المشكلات بينهما ووقوع الطلاق ولكن اختلاف العقول والتربية والعادات والتقاليد وعدم وجود الحب والاحترام بينهما هو الذي يؤدي إلى الطلاق . ويشير إلى وجود أناس مختلفين عقائدياً وثقافياً ولغة ويعيشون حياة سعيدة لأن ما يربطهم ببعض هو الحب والاحترام المتبادل على عكس كثيرين متوافقين علمياً ودينياً وثقافياً وعائلياً ووصلت بهم المشكلات إلى ساحات المحاكم .

لا نستطيع أن ننكر أن كثيراً من المفاهيم تغيرت اليوم وأصبحت المرأة تبحث عن الرجل المثقف والمتعلم، ونفسياً لا تحب المرأة أن تتزوج من هو أقل منها مادياً وعلمياً لكي تفتخر به أمام أهلها وصديقاتها والمجتمع كله، كما أن النساء دائماً يتكلمن عن الزوج والأولاد وكل واحدة منهن تحب أن يكون زوجها ذا مركز مرموق وشهادة علمية جيدة لتفتخر به، وكذلك الرجال يحبون أن تكون زوجاتهم مثقفات ومتعلمات لكي يذاكرن للأبناء ويقمن بواجب تربيتهم وتعليمهم، لأن الرجل في المجتمع الشرقي لا يقوم بتلك المهمة .

اهتمامات

يقول د . طلعت مطر، استشاري علم النفس التربوي بمستشفى رأس الخيمة: يجب أن نتفق أولاً أن التعليم ليس هو الثقافة، فهناك كثير من الرجال الذين حصلوا على شهادات عالية ووصلوا إلى مراكز مرموقة ومستوى الثقافة عندهم ضعيف وينعكس ذلك على تعاملاتهم مع زوجاتهم، لذلك من الضروري أن يكون المستوى الثقافي بين الزوجين متقارباً حيث يجنبهما كثيراً من المشكلات، مثل تباين الاهتمامات، فلا يعقل مثلاً عندما يسافر الزوجان إلى الخارج أن يذهب أحدهما لزيارة المتاحف والمواقع الأثرية وحده وأن يذهب الطرف الآخر للتسوق لأنه لا يهتم بزيارة المعالم التاريخية، أو أن يجلس أحدهما يتابع برنامجاً مهماً في التلفزيون بينما يصر الآخر على مشاهدة مسلسل، فعندما يكون هناك نوع من الاهتمامات المشتركة بين الزوجين يؤسس الحوار ويزيد من ارتباطهما .

ويضيف: في مجتمعاتنا العربية على وجه الخصوص لا تظهر مشكلة اختلاف المستوى الثقافي بين الزوجين إذا كان الزوج هو الأعلى ثقافة من الزوجة لأنه بطبيعة المجتمع الشرقي يجب أن يكون الزوج هو المتقدم دائماً عن الزوجة وهي تتوارى خلفه، بينما تظهر المشكلات عندما يحدث العكس، فعندها يشعر الزوج بعقدة نقص كبيرة تظهر في محاولته لاختلاق المشكلات بينهما وتوجيه اللوم الدائم إليها، ويبدأ يظهر لديه شعور بالعدوانية تجاهها، ومن المشكلات التي تواجهني يومياً عندما يحضر الزوج والزوجة تشتكي مثلاً من عدم موافقة الزوج على السماح لها بالسفر إلى الخارج لمناقشة الدكتوراه، وعندما نسأل الزوج عن السبب ويكون تعليمه أقل من تعليمها ومستواه الثقافي أقل نجده يقول إنها إذا حصلت على الدكتوراه فستطلب الطلاق وهو لا يرضى بذلك . وهنا نجد الزوج ليس لديه ثقة بنفسه أو بزوجته بسبب شهادتها الأعلى منه .

ويشير إلى أن هناك مشكلات عديدة يتسبب فيها اختلاف المستوى الثقافي بين الزوجين، ومنها إذا كانت الزوجة تعمل وراتبها أكبر من راتبه، فهذا يحدث بينهما نوعاً من الغيرة أيضاً، وفي كثير من الأحيان يلقي الزوج بمسؤولية الإنفاق على البيت على زوجته، ولا يهتم بشؤون الأولاد لكي تنفق هي كل راتبها فيصبح هو من يملك المال، وإذا تحدثت أمامه عن أي إشادة من رئيسها في العمل يبدأ يستخف منها ولا يقدر جهدها ونجاحها في العمل .