"الانتحار حل دائم لمشكلة مؤقتة"، هذه كانت من أشهر تغريدات نجم الكوميديا الراحل روبن ويليامز، غردها بعد انتحار المخرج البريطاني الشهير توني سكوت الذي ألقى بنفسه من أعلى جسر "سان بيدرو" في لندن قبل عامين . ولم يتصور ويليامز وهو يغرد أنه سيلحق به مكرراً سيناريو الرحيل المأساوي نفسه، بالسبب نفسه وهو الاكتئاب الحاد . لم يعتر الخوف الدائم من النجاح ويليامز وسكوت فقط، فالأضواء لها ثمنها الباهظ الذي يدفعه كل نجم، فيدفع البعض حياته الشخصية ثمناً له، بينما يخسر آخرون أشياء أخرى، وأحياناً تأتي الأمراض النفسية من مرحلة الطفولة وتغذيها ضغوط الشهرة، وأحياناً أخرى تتولد من نمط الحياة الصاخب وكثرة الأموال والأعمال .
ورغم أن الاكتئاب حالة نفسية يصاب بها كل البشر وليست قاصرة على النجوم، فإنهم أكثر عرضة من غيرهم للإصابة به، ومرشحون بدرجات أعلى من غيرهم للانتحار بسببه . ومن الصعوبة بمكان العثور على مشهور لم يخضع لدرجة من درجات الاكتئاب لفترات مختلفة منهم حالات أعلنت عن نفسها مثل أيما تومسون التي اعترفت بمعاناتها مع الاكتئاب، وخضوعها لعلاج نفسي مستمر . وزاك براف الذي عانى لسنوات طويلة حزناً شديداً، دفعه لمحاولة الانتحار مرات عدة بعد فشل فيلمه "Garden state" . وآشلي جود التي ألفت كتاباً عن صراعها مع الاكتئاب بعنوان "All that is bitter sweet" . والمفاجأة كانت معاناة بروك شيلدز من نوع مختلف من الاكتئاب والمعروف علمياً باكتئاب ما بعد الولادة، وإعلانها التفكير بالانتحار أكثر من مرة، قبل خضوعها لعلاج نفسي بإحدى المصحات الخاصة بإعادة تأهيل المدمنين .
تعدد حالات انتحار النجوم، لم يمنع نزول خبر رحيل ويليامز كالصاعقة على الجميع الذين تساءلوا كيف يقدم على الانتحار وسط الكوميديا التلقائية المتدفقة، والبهجة الحقيقية التي كان يمنحها لجمهوره؟ وكيف يعاني شخص مثله الاكتئاب الشديد، رغم نجاحه المهني، واستقراره العائلي؟
مجلة "تايم" الأمريكية قدمت ملفاً كاملاً عن رحيل ويليامز بعنوان "قلب الكوميديا"، استعرضت فيه مشوار حياته منذ الصغر وحتى العثور عليه مشنوقاً بحزام في منزله بكاليفورنيا . واستعرضت أهم أعماله، وآراء أصدقائه وجمهوره، والأهم حاولت التعرف إلى الأسباب التي دفعته إلى إنهاء حياته .
رجحت المجلة بناء على الآراء التي جمعتها من المحيطين به أنه لجأ إلى وضع حد لحياته بسبب خوفه من المرض، خاصة بعد إصابته بالباركنسون "الشلل الرعاش" وهو مرض متلف للأعصاب يضرب النظام العصبي ويؤدي إلى اضطرابات في الحركة، فضلاً عن مشكلاته مع الإدمان .
وبحسب سوزان شنايدر زوجة ويليامز، فهو لم يكن مستعداً للإعلان عن إصابته بالمرض، وكان خائفاً من أن يلقى مصيري الممثل مايكل جاي فوكس، ومحمد علي كلاي نفسيهما، وهما أشهر المصابين بالمرض .
نجاح ويليامز الحائز على أوسكار أفضل ممثل مساعد عن فيلمه "صيد النوايا الحسنة" 1998، إضافة إلى 5 جوائز غولدن غلوب لم تعوضه عن فقدانه "الحس الاجتماعي" الذي يرجح صديقه الممثل الكوميدي بوب زمودا أنه "السبب وراء اكتئابه الشديد" .
وقال زمودا وهو مؤسس جمعية "كوميك ريليف" الخيرية التي جمع لها روبن ويليامز تبرعات بأكثر من 70 مليون دولار: "كان يجد صعوبة في التواصل مع الناس بعيداً عن خشبة المسرح، ولم يملك مهارات اجتماعية بالفعل، وربما كان هذا من أسباب أهمية وجوده على المسرح، لأنه شريان حياته وبدونه يكون ضائعاً" .
وأضاف: "كثر لم يعرفوا الظلام الكبير الذي كان في داخله، والذي تزايد منذ 2009 عندما خضع لجراحة قلب مفتوح، وتوقف مسلسله الكوميدي "ذا كريزي وان"" .
وكثيراً ما تداخلت الكوميديا مع الاكتئاب، فالقائمة الطويلة تضم: جيم كاري، ولويس سيه كيه، وسارة سيلفرمان، وغيرهم . وهو ما دعا جيمي ماسادا مؤسس نادي "ذا لاف فاكتوري" الكوميدي، الذي اعتاد ويليامز تقديم عروض ارتجالية عليه، إلى القول "هناك الكثير من ممثلي الكوميديا يأتون من خلفية المأساة" .
الاختصاصية النفسية سوزانا سيثمان كتبت تحليلاً بعنوان "ملاكمة الكلب الأسود" Boxing the black dog، استعرضت حالات سابقة لنجوم كتبوا نهايتهم بالانتحار، منهم المخرج توني سكوت الذي تتشابه حالته كثيراً مع روبن ويليامز إذ عانى كلاهما اكتئاباً حاداً بسبب مخاوف من المرض . سكوت الحاصل على درجة في الفنون الجميلة من الكلية الملكية للفنون، والذي كان يأمل بأن يكون رساماً، أصبح أحد أهم مخرجي الألفية الجديدة بأفلامه "توب جن"، "الجوع"، "شرطة بيفرلي هيلز" الجزء الثاني، "الرومانسية الحقيقية"، وغيرها كثير من الأفلام التي حازت شعبية كبيرة، وتزوج 3 مرات ولديه أبناء لم يدرك أي منهم الجانب الحزين في شخصه الذي دفعه لإلقاء نفسه من أعلى جسر وهو على مشارف السبعين خوفاً من إصابته بالخرف .
من النجوم الذين عاشوا حالة الاكتئاب أيضاً، داليدا التي كتبت عبارة "سامحوني الحياة لم تعد تحتمل"، قبل انتحارها عام 1987 بسبب إصابتها باكتئاب حاد . ويبدو أنها العبارة المناسبة التي يرغب كل المشاهير في ترديدها وهم يكتبون بأيديهم نهاية مأساوية لحياتهم .
وتجدر الإشارة إلى أن الاكتئاب لم يكن من نصيب نجوم السينما فقط، بل هناك أسماء لامعة في عالم الأدب عاصرت المحنة نفسها، ولقيت المصير نفسه، وإن اختلفت الوسائل . فعلى حين وضعت الأديبة الإنجليزية فيرجينا وولف الحجارة في جيب معطفها حتى تستقر بها في قاع نهر "أوس"، حيث انتحرت، اختار الأديب الأمريكي الحائز جائزة نوبل آرنست هيمنغواي إطلاق النار على رأسه . بينما انفردت الكاتبة الأمريكية سيلفيا بلاث بوضع نهاية مخيفة لحياتها تناسب مشاهد الرعب الهوليوودية، عندما حشرت رأسها في الفرن بعد وضع مناشف مبللة أسفل الأبواب حتى لا تتسرب رائحة الغاز إلى غرفة أطفالها .
أما الممثل آندرو كينغ صاحب شخصية "الجوكر" في فيلم "The dark night"، فاختار نهاية سينمائية كتبها ونفذها بنفسه عام 2010، عندما اختفى لمدة 10 أيام، عثرت بعدها الشرطة عليه مشنوقاً على شجرة في ستانلي بارك، وحتى اليوم لم تتكشف الأسباب التي دفعته إلى الانتحار، بالرغم من نجاحه، ونشاطه الإنساني البارز في رعاية المشردين .
ولم تتحمل الممثلة البريطانية لوسي غوردون التي جسدت دور المراسلة جينيفر دوغان في فيلم "سبايدر مان 3" شجاراً مع خطيبها، فأقدمت على شنق نفسها قبل احتفالها بعيد ميلادها التاسع والعشرين بيومين فقط .
وحتى اليوم مازال الغموض يحيط بانتحار ماري كاي بيرغمان التي كانت من الطلبة المجتهدين المهتمين بالخيال العلمي، وقدمت أعمالاً سينمائية عدة بعالم ديزني، وكانت تبدو سعيدة بزواجها، حتى أقدمت على إطلاق النار على رأسها، تبيّن على إثره إصابتها باكتئاب مزمن فشلت في علاجه 9 سنوات .
ولم تصمد عارضة الأزياء لورين سكوت أمام المصاعب المالية التي واجهتها، فانتحرت بعد إصابتها باكتئاب حاد لعجزها عن تسديد قيمة إيجار شقتها .
وحتى اليوم مازالت شرطة بومباي تحقق في سر الوفاة الغامضة لنجمة بوليوود جيا خان التي انتحرت شنقاً في يونيو/ حزيران 2013 بشقتها، وإن كانت عائلتها أشارت إلى معاناتها اكتئاباً شديداً بسبب ضغوط الشهرة .
والقائمة تطول لتضم أسماء أخرى مثل الممثل الفرنسي شارل بولبيه، والأمريكي جيج يونغ الذي أطلق الرصاص على زوجته قبل انتحاره، والمخرج الأمريكي جوناثان برانديس الذي غادر الحياة ولم يكمل 27 عاماً، وشارليز روكيت الذي شنق نفسه في حقل مجاور لمنزله في الوقت نفسه الذي كان فيلمه الكوميدي Dumb and dumber يحقق نجاحاً كبيراً في دور العرض .
خواء نفسي
البروفيسور "ميشيل شتارك" رئيس العلاج النفسي في مستشفى هامبورغ علق قائلاً: "الاكتئاب ليس مجرد حالة نفسية، إنما هو مرض عضوي يؤثر في وظائف الجهاز العصبي خاصة النواقل العصبية في الدماغ" . وأشار إلى أن الخواء النفسي يعد سبباً للاكتئاب الشديد الذي يدفع للانتحار، وأنه لا يكون وليد اللحظات الصعبة التي يواجهها الإنسان في الحياة فقط، بل ربما يكون وراثياً .
وأضاف شتارك إن هناك علامات للاكتئاب تبدو واضحة ولا تحتاج إلى اختصاصين نفسيين، منها مثلاً الهروب إلى الإدمان بكل أشكاله (كحوليات، مخدرات، طعام) وكلها دلائل تشير بوضوح إلى المعاناة الداخلية لأصحابها . وهناك نوع من الاكتئاب يحدث بسبب امتلاك كل شيء، على عكس الشائع بأنه نتيجة لفقدان شخص مهم، أو نجاح، وغيره . وهذا النوع هو الأكثر شيوعاً بين المشاهير الذين يمتلكون الشهرة، والأموال، والعائلة، والمعجبين، وهذا غالباً يدفعهم "للفراغ" بدلاً من تحقيقهم "الرضا الداخلي"، و"التوازن النفسي" .