بيّن الإسلام الكثير من المسائل الفقهية من خلال الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ومن هذه المسائل مسألة الشورى في الإسلام، التي تحقق المصالح الشرعية والدنيوية في حياة الفرد والمجتمع.
فما مفهوم الشورى؟ وما الحكمة من مشروعيتها؟ وما أهميتها في الإسلام؟
1- مفهوم الشورى: تعددت تعاريف الشورى عند العلماء القدامى والمعاصرين، وقد اخترت تعريف ابن العربي الذي أجمل مفهوم الشورى في تفسيره أحكام القرآن بقوله: (هي الاجتماع على الأمر، ليستشير كل واحد منهم صاحبه ويستخرج ما عنده).
2- الحكمة من مشروعية الشورى: لا يختلف اثنان، أنّ الشرائع السماوية قبل الإسلام والأنظمة الوضعية في عصرنا الحاضر، إنما شُرعت لأجل مصالح الناس، وعندما جاء الإسلام بالأحكام الشرعية كان منها تفعيل مبدأ الشورى الذي يحقق للفرد والمجتمع المصالح العامة والخاصة، ويؤدي إلى التلاحم والتراحم والعدل بين أفراد المجتمع.
فالشورى تُطيّب الخواطر، وتزيل ما في القلوب عند وقوع الحوادث والخلافات، وتنوّر العقول عند إعمالها فيما خُلقت لأجله، وما تنتجه الأفكار عند الاستشارة من الرأي المصيب.
والشورى تهدف إلى ضبط الأمور بميزان الأكثرية، وحتى في القضاء فإن القاضي مهما علا كعبه في العلم والمعرفة والخبرة، يحتاج إلى مجلس الشورى، لأنّ رأي الجماعة أقرب إلى الصواب من رأي الفرد، وقد يظهر له من خلال المكاشفات، واستظهار رأي الشورى من الأمور التي تغير مسار الحكم على القضية، فالقاضي يفصل بين الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، فكان من الحكمة أن يكون هناك شورى قضائية حتى يكون اجتهاده سليماً وأقرب إلى الصواب.
3- أهمية الشورى في الإسلام: تظهر أهمية الشورى في الإسلام من خلال قول الله تعالى لرسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: «فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر»، [آل عمران: 159].
وكذلك تظهر أهمية الشورى من خلال قول الله تعالى في بيانه لصفات المؤمنين المستجيبين لأمره حيث قرن الشورى بالصلاة: «والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم»، [الشورى:38].
وتبرز أهمية الشورى من خلال الأحاديث الواردة، فقد روى الترمذي في سننه عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: [ما رأيت رجلاً أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم]، وما رواه عبدالله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لما نزلت: «وشاورهم في الأمر»، [آل عمران: 159]، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ أما إنَّ الله ورسوله لغنيان عنها، ولكن جعلها الله رحمةً لأمتي فمَن استشار لم يعدمْ رشداً، ومَنْ تركها لم يعدمْ غيَّا].
ولأهمية الشورى كان السلف رضي الله عنهم يستشير بعضهم بعضاً في أمور دينهم ودنياهم.
وعلى ما تقدم: فإنّ الشورى لها أهمية كبرى في حياة الناس، فرأي الجماعة أصوب من رأي الفرد، والشورى فيها المساواة والوصول إلى الحقيقة، ويا حبذا لو يُطبَّق مبدأ الشورى على مستوى الأسرة والمؤسسات التعليمية والإنتاجية للوصول إلى الأفضل والرفع من شأن الفرد والمجتمع لأنه يحقق المساواة والنجاح الأمثل بين أفراد الأسرة وبين المعلمين أو الموظفين والعاملين في المؤسسات التعليمية والإنتاجية، لكي لا يستبد الفرد في الأسرة أو المعلم أو الموظف أو العامل في رأيه وتكون النتيجة سيئة على الجميع، ومن هنا يمثل مبدأ الشورى صورة من صور التعاون الذي حث عليه الإسلام بدليل أمر الله تعالى: «وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان»، [المائدة: 2].
*أستاذ المعاملات المالية في الإسلام - جامعة طيبة بالمدينة المنورة
الشورى في الإسلام
18 يناير 2019 02:56 صباحًا
|
آخر تحديث:
18 يناير 03:03 2019
شارك
د. محمود أبو زيد الصوصو *