ينفق الناس حول العالم أكثر من 90 مليار دولار سنوياً على شراء الشوكولاته، والرقم في ازدياد بسبب زيادة التعداد السكاني العالمي لاسيما في الدول النامية، ما قد يؤدي إلى تجاوز الطلب حدود العرض المتاح .

ولاتنحصر أهمية الشوكولاته في كونها نوعاً من الحلوى يحبه ملايين الناس، ولكن إنتاجها يمثل مورد الرزق الرئيس لملايين الأسر حول العالم .

فهناك ما يزيد على 5 أو 6 مليون مزارع في المناطق المدارية يعيشون على ما يحصلون عليه من بيع محصول الكاكاو . وهناك 40 إلى 50 مليون أسرة أخرى تعتمد في معيشتها على رحلة محصول الكاكاو من المزرعة حتى عرضه على أرفف المحال التجارية .

تنتج كوت ديفوار بمفردها 40 في المئة من إجمالي إنتاج الكاكاو على مستوى العالم، ويشكل دخل الكاكاو 15 في المئة من الدخل القومي للبلاد، كما أن خمسة في المئة من السكان يعيشون على زراعتها .

(ساحل العاج وغانا ونيجيريا والكاميرون ينتجون 70 في المئة من إجمالي إنتاج الكاكاو في العالم) .

ويشير بيتر لاديراتش، من المركز العالمي للزراعات المدارية، والذي أجرى بحثاً في تأثير التغيرات المناخية في زراعة الكاكاو في ساحل العاج وغانا، إلى أن أغلبية المزارعين يعتبرون محصول الكاكاو بمثابة بمنزلة الصراف الآلي، التي تمكنهم من دفع مصروفات مدارس أبنائهم، وتكاليف علاج الأسرة . فشجرة الكاكاو تؤدي دوراً حيوياً في حياة الناس هناك .

ويستخلص المزارعون بذور الكاكاو من قرون مستديرة، يجففونها ليتكون بعد ذلك سكر الكاكاو، وزبدتها، ومسحوقها .

وتتعرض شجرة الكاكاو التي يطلق عليها كاكاو أوبروما لخطر داهم في الوقت الحالي، بعد أن أصبحت فريسة للآفات، والفطريات المختلفة، ففي ،1988 عثر على فطر ويتشيز بروم الذي يصيب شجرة الكاكاو في منطقة باهيا في البرازيل، ما أدى إلى تراجع إنتاج الكاكاو بنسبة 80 في المئة، ما أجبر مزارعي المنطقة على هجر مزارعهم والعيش في أكشاك الصفيح .

كما انتشر فطر آخر يعرف تعفن القرون الباردة في أمريكا اللاتينية، ومن المتوقع أن يصل قريباً إلى البرازيل، ولو حدث ذلك فسيفوق تأثيره المدمر، تأثير ويتشيز بروم . ويبحث العلماء فيما قد يسببه ويتشيز بروم إذا دخل غرب إفريقيا، مصادفة كان أم بسبب عوامل بيولوجية .

وما يزيد الوضع سوءاً، صعوبة توفر البذور الجيدة لمزارعي الكاكاو، لاسيما في إفريقيا، كما لا تتوافر لديهم المخصبات الجيدة ولا مبيدات الفطريات، علاوة على جهلهم بأنسب الطرق لاستخدامها . ويؤدي ذلك إلى محصول لا يوفي إلا بثلث احتياجاتهم المالية، وربما أقل .

مصنعو الكاكاو يقدرون إنتاج الكاكاو الحالي ب 7 .3 مليون طن، ويتوقعون أن ينخفض إلى 4 مليون بحلول 2020 .

وفي ضوء التحديات التي تواجه شجرة الكاكاو، يساور العاملين في صناعة الشوكولاته قلق بالغ، لإدراكهم أنه إذا لم يتخذ إجراء سريع، على مستويات عدة، فستنزلق زراعة الكاكاو إلى دوامة يصعب الخروج منها . ومن أجل ذلك، يجتهد الباحثون في الوقت الحالي لإيجاد طرق لمضاعفة إنتاج الكاكاو بشكل مستدام .

وتتضمن بعض من هذه الجهود تعاوناً غير مسبوق بين المزارعين والمؤسسات، والجامعات، والهيئات الحكومية، بما فيها وزارة الزراعة الأمريكية . ويتزعم هذا التعاون مسؤولون في شركة Mars Incorporated الأمريكية، التي نجحت في إعادة ترتيب التسلسل الجينومي للكاكاو بهدف إيجاد طرق جديدة لزرع أشجار أشد صلابة . وحتى وقتنا هذا، ما من مؤشرات على نجاح هذه الجهود في الوصول بمحصول الكاكاو إلى الكم الآمن والكافي لإنقاذ أسر المزارعين، وبما يوفي بالطلب العالمي على الشوكولاته، بيد أنه تلوح في الأفق علامات مبشرة .

والمشكلات التي تواجه مزارعي الكاكاو متعددة، منها الضغط الذي يمارس عليهم لمضاعفة الإنتاج، على الرغم من صعوبة زراعة الكاكاو . فمازالت الشجرة تزرع على نطاق ضيق عند 18 درجة شمال وجنوب خط الاستواء . وتزدهر شجرة الكاكاو في التربة الغنية، التي يتوفر لها مصادر ري وصرف جيدة، وهي مميزات يندر وجودها في المناطق المدارية، كما تحتاج لدرجة حرارة ورطوبة معينة، وهي بيئة مناسبة لنمو الآفات، والفطريات، والفيروسات التي تهدد حياتها .

كما تسهم محدودية التنوع الجيني لشجرة الكاكاو في تفاقم المشكلة، وتوصل جوان كارلوس، عالم الجينات في شركة Mars، وزملاؤه إلى وجود 10 تنوعات مختلفة من الكاكاو، تتبع نفس السلالة . وعليه، وعلى الرغم من أن التماثل بين التنوعات الجينية لنفس السلالة، يعني إمكانية تهجينها بسهولة تامة، لكنه يعني أيضاً أن السلالات التي سيحصل عليها بعد التهجين لن تحتوي على تنوعات جديدة لتكسب السلالة القدرة الكافية لمكافحة الآفات والأمراض التي قد تصيبها . فإذا تعرضت إحدى السلالات إلى إصابة بآفة ما، فستهلك بقية السلالات .

وإضافة إلى التحديات العادية، فهناك عوامل تعوق زراعة الكاكاو، تتعلق بالطبيعة، مثل تغيرات المناخ، والفيضانات، والجفاف، والرياح العاتية، التي زادت من صعوبة الزراعة في المناطق المدارية . وزادت حدة هذه العوامل بسبب التغيرات المناخية، متمثلة في عنف هجوم الآفات، وشح مصادر المياه . ويشير تقرير فريق التغير المناخي الحكومي الدولي إلى أنه بحلول ،2020 ستتضاءل محاصيل عدد من دول إفريقيا إلى 50 في المئة، بما فيها محصول الكاكاو، كما نوه بارتفاع في درجة الحرارة ونقص كميات الماء العذب في الأمازون بحلول منتصف القرن الحالي .

بل وأكثر من ذلك، أشار تقرير لاديراتش حول أثار التغيرات المناخية في غانا وساحل العاج إلى تحرك مناطق زراعة الكاكاو المثلى إلى مناطق أكثر ارتفاعاً هرباً من ارتفاع درجة الحرارة . وتكمن المشكلة في أن مساحة كبيرة من غرب إفريقيا مسطحة، تخلو من المرتفعات . وعليه فانتقال مناطق زراعة الكاكاو سيؤدي إلى تضاؤل شديد في مساحة الأرض الصالحة لزراعتها . وفي إندونيسيا أيضا، زادت شدة الأمطار الموسمية السنوية خلال فترات زمنية قصيرة، فأطاحت نبتات شجرة الكاكاو، ولم يكتمل بذلك تكون الثمرة .

كما يزيد الفقر من تفاقم المشكلات، ففي ساحل العاج وغانا، يحجم المزارعون عن الاستثمار في زراعة محاصيل سيكتب لها الفناء ولن يستفيد منها أبناؤهم، وأقلع كثيرون عن زراعة الكاكاو، في انتظار أن يتوصل الاختصاصيون إلى طرق لتحسين إنتاجيتها . ومع أسف، فإن استخدام المخصبات، ومضادات الفطريات والحشرات التي يمكن أن تضاعف إنتاجية التربة، محدود للغاية، أو غير متاح بالمرة، وإن وجدت يجهل المزارعون استخدامها بطرق فاعلة . ولو توفرت لديهم الإمكانية، فبعد أماكن المزارع عن الطرق الرئيسة يعوق وصول الهيئات الحكومية والتجار إليها، مما لايوفر للمزارعين سبل التثقيف حول طرق استخدامها .

إنقاذ شجرة الكاكاو

يبذل الباحثون جهوداً لإنقاذ شجرة الكاكاو المعرضة للدمار، من أجل مواجهة الطلب المتزايد على الشوكولاته المصنوعة من بذورها .

ولما كانت الآفات، والأمراض، والتغيرات المناخية الخطر الأكبر الذي يهدد إنتاج الكاكاو، فيجب إذاً تخاذ خطوات فاعلة إزاء كل هذه العوامل تؤدي في النهاية إلى زيادة المحصول من دون اقتطاع مساحات من الغابات لاستغلالها في الزراعة . ومن الحلول المقترحة إعادة استصلاح الأراضي المهجورة، وتقوية تربتها من خلال المخصبات، وبزراعة أشجار للحد من ظاهرة التصحر .

ويبلغ متوسط المحصول العالمي السنوي 450 كيلوغراماً من حبوب الكاكاو في الهكتار الواحد، ويأمل الخبراء برفع هذا الرقم إلى 1500 كيلوغرام باستخدام تقنيات الزراعة الحديثة .

وبالنسبة إلى كثير من مزارعي الكاكاو في الدول النامية، فإن هذا الرقم سيعني رفع الحد الأدني لدخل الفرد من دولار واحد إلى ثلاثة دولارات يومياً .

وخطا العلم منذ عامين خطوات جادة لرفع إنتاجية الكاكاو، عندما تعاون الباحثون من جهات علمية مختلفة لإعادة تسلسل وتحليل جينوم الكاكاو المعروف ب Matina، الذي يعتبره خبراء كثر الجد الأكبر ل 96 في المئة أو أكثر من كل أنواع الكاكاو حول العالم .

ولم تلق شجرة الكاكاو الاهتمام الجيني نفسه الذي حظيت به محاصيل أخرى مثل الأرز، والقمح، والذرة، والذي نتج عنه تحسين جودتها . وكشفت إحدى الجمعيات التابعة لمنظمة الأبحاث الزراعية الفرنسية CIRAD، عن تمكنها من رصد سلسلة نوع مختلف من الكاكاو .

ولكي تحقق الحلول المقترحة نجاحات أكيدة، يجب أن تتواصل الأبحاث الجزيئية التي تجرى على الكاكاو في مختبرات الدول المتقدمة، مع المزارعين في الدول النامية . وخلال العقد الماضي، كونت شركة Mars، وهيئة الأبحاث الزراعية الأمريكية ARS، شبكة من المزارعين من غرب إفريقيا ، وجنوب شرق آسيا، وأمريكا اللاتينية .

ويعكف الخبراء حالياً على تحليل جينوم الكاكاو لاكتشاف أي من السلالات أكثر مقاومة للأمراض، وأكثرها انتفاعاً بالماء والمواد المغذية، وأقدرها على التكيف مع التغيرات المناخية . وبفضل التعاون المشترك بين الباحثين من جهات علمية مختلفة اكتشف أحد المزارعين في كوستاريكا صنفاً من الكاكاو مقاوماً لمرض تعفن القرون البارد، وأرسل عينات منه إلى علماء الأحياء الجزيئية، الذين استغلوا الخريطة الجينية في التعرف إلى البديل الجيني في السلالة التي أظهرت مقاومة لتأثيرات الفطريات . وأثمرت جهود أخرى في الكشف عما إذا كانت السلالات الجديدة ستورث الميزة نفسها، وميزات أخرى إلى الأجيال القادمة من أشجار الكاكاو . وبالفعل أقدم المزارعون في أمريكا اللاتينية على دمج أفرع من السلالات الجديدة مع أشجارهم القديمة .

وتمكن من قبل عدد من المزارعين من اكتشاف سلالات مقاومة لويتشيز بروم، لكن جودة إنتاجها من الكاكاو كانت أقل . ويسعى المزارعون حالياً إلى تهجين السلالات الجديدة المقاومة للآفات لإنتاج سلالة واحدة . كما اكتشف الباحثون نوعاً من الكاكاو مقاوماً لمرض سقم الأوعية الدموية المنتشر في جنوب شرق آسيا، وحللوا الأسس الجينية لهذه الميزة . ويأمل الخبراء بتهجين أشجار مقاومة للأمراض والآفات، وتتحمل الحرارة وندرة المياه، وفي نفس الوقت تعطي محصولاً جيداً .

كما يسعون إلى إنتاج شجيرات أقصر ارتفاعاً، فالشجيرات الطويلة تتطلب من المزارعين جهداً أكبر عند استخلاص القرون .

وبصرف النظر عن جودة السلالات، فالأشجار وإن كانت قصيرة وتتحمل الجفاف، إلا أنها تحتاج أيضاً للمياه، مايفرض على المزارعين السعي لاكتشاف طرق جديدة لريها بدلاً من الاعتماد على الأمطار المتقلبة والنادرة . ويتبنى المزارعون، والعلماء، والمؤسسات اتجاهات مختلفة لحل المشكلة . وتنتهج البرازيل منهجين مختلفين تماماً في هذا الصدد . أولهما يركز على تدريب صغار المزارعين على زراعة محاصيل مختلطة في الغابات الزراعية، حيث تزرع أشجار الكاكاو جنباً إلى جنب مع أشجار المحاصيل الأخرى، كمحاصيل الغذاء، وأشجار العلف والخشب . فالمزج بين أشجار المحاصيل المختلفة يحسن من قدرة احتفاظها بالماء لاختلاف تركيبة الجذور . أما المنهج الثاني فيسير في اتجاه مغاير تماماً، إذ يركز على زراعة أعداد هائلة من أشجار الكاكاو في مناطق مرتفعة في منطقة باهيا بالبرازيل، بعيدا عن هجوم الآفات، والأمراض المتفشية، وقريبة من ضوء الشمس، وتروى هذه الأشجار بمياه مدعمة بالأسمدة والمخصبات.