هو العلامة الشيخ عبدالكريم بن علي بن سليمان بن علي بن سلامة بن علي بن عبدالله بن محمد بن علي البكري، ولد في منطقة القصيم عام 1290هـ (1873م)، ويرجع نسبه إلى آل بكر من ذرية زهري بن جراج الثوري، ويعد من العلماء القلائل الذين استقروا في ساحل الإمارات قبل مئة عام، وقد أسهم في نشر التعليم والثقافة الدينية وتربية الأبناء وتوعية المجتمع من الدخلاء ومحاربة الذين يسيئون للعقيدة ويمارسون البدع والمعتقدات الخاطئة .
حديثي اليوم عن المعلم الكبير والفقيه الذي فتحت على يديه أول مدرسة شبه نظامية في الشارقة هي المدرسة التيمية المحمودية . وقبل ثلاث سنوات اتصل بي أحد الإخوة من السعودية وهو الأستاذ علي بن عبدالله بن محمد البكري وهو من الأسرة نفسها التي ينتمي إليها شيخنا الجليل عبدالكريم البكري، أي من (عائلة البكري)، وأرسل لي مجلة (صدى آل بكري)، وشجرة العائلة وقد لمست مدى اهتمامه بجمع كل ما يوجد من معلومات عن الشيخ عبدالكريم، سواء كان ذلك ما نشرناه في كتب ودراسات أو ما يوجد في بعض الوثائق والمراسلات التي جمعتها عن الرعيل الأول، وهذا الاتصال بيننا أعاد حلقة الوصل بين الشيخ عبدالكريم ورواد الإمارات وطلبة العلم الذين أخذوا علومهم من دروس الفقه التي كان يعقدها الشيخ البكري في الشارقة وعجمان في مطلع القرن العشرين .
وقبل أن نتحدث عن دور الشيخ عبدالكريم في تطور التعليم أريد أن أعرف بموطنه أو مسقط رأسه، فقد حدثني الشيخ محمد بن علي المحمود، رحمه الله، عن ذلك، وقال: ينتسب الشيخ عبدالكريم إلى بلدة تسمى (البكرية) في نجد بالقصيم، وقبل مجيئه إلى ساحل الإمارات واستقراره في الشارقة بناء على طلب الوالد علي المحمود سافر كثيراً في طلب العلم، فقد درس في الهند على يد جماعة من أهل الحديث مدة خمس سنوات ورحل إلى العراق ودرس على يد علماء كبار من أمثال الألوسي ومر بالبحرين، حيث التقاه الوالد وطلب منه المجيء إلى الشارقة لتأسيس مدرسته التي عقد النية على فتحها لطلبة العلم والإسهام من خلالها في حركة الإصلاح ونشر الوعي الديني والثقافة الإسلامية الصحيحة . ويذكر المحمود سبب اختيار والده الشيخ عبدالكريم لإدارة أول مدرسة إصلاحية ظهرت في ساحل الإمارات، فيقول: كان الشيخ البكري من أهل التقوى وكريم النفس يجيد فن التربية والتعليم، ولهذا السبب وقع اختيار المحمود عليه فجاء إلى مدينة الشارقة وفي العام 1907م فتحت المدرسة الرائدة وشقت طريقها إلى قلوب الأبناء تهذبهم وتعلمهم العلوم النافعة، وكان موقع المدرسة التيمية المحمودية في (حي السوق) الذي يعرف الآن بالمنطقة التراثية وبالقرب من سوق العرصة، وكانت تحيط بها بيوت للمرحومين سالم بن سعيد الشامسي وجاسم بن عبدالله المدفع ولعبدالرحمن بن أحمد بن حديد وبالقرب من الجامع الكبير، وكان بناؤها يتكون من طابقين وفيها غرف عدة للمبتدئين وللعلوم الشرعية، وكان الشيخ البكري يعقد حلقه في الفقه إلى جانب إدارته وإشرافه على المدرسة، وقد درست على يديه في حلقته العلمية نخبة من رواد الإمارات من أمثال الشيخ حمد بن محمد المشغوني وأحمد بن سالم المزروعي والشيخ عبدالله بن علي المحمود وأخوه محمد والشيخ عبدالله بن محمد الشيبة من عجمان والشيخ محمد بن سعيد بن غباش وعبدالعزيز بن عبدالله بن عبدالرحيم وحسن بن صالح الظفير وغيرهم، وقد درس هؤلاء علوم الفقه والعقيدة والنحو والبلاغة، وكانت دراستهم في الطابق العلوي حيث يجلس الشيخ البكري وأمامه (المرفع) و(الكتب) ويتحلق الطلبة حوله، واستمر في الشارقة حتى مطلع الثلاثينات، وفي تلك الفترة تعرض لحادث غريب، فقد ضربه أحد النجديين بالسيف على يديه إثر نزاع وقع بينهما، وبعدها توقف عن التعليم بالشارقة وذهب إلى الهند للعلاج وانتقل بعد عودته من الهند إلى عجمان ونزل في ضيافة التاجر حميد بن علي المزروعي، وكانت يداه معصوبتين من أثر ضربة السيف، وأثناء ذلك عرضت عليه فكرة افتتاح مدرسة لتعليم أبناء عجمان وفي ضوئها تأسست مدرسة (الفتح) في عجمان عام 1347هـ (1928م) وقد تحمل نفقاتها ومستلزماتها التاجر والوجيه محمد بن سالم السويدي . وحدثني الشيخ محمد بن عبدالله الشيبة عن حلقة الشيخ البكري التي كان يعقدها لأبناء عجمان، فقال: كانت الحلقة تبدأ من بعد صلاة الفجر، وقبل انعقاد الحلقة في المدرسة وقبل أن ينتقل إلى حلقته العلمية في المدرسة يلقي درساً دينياً في المسجد، يحث فيه على التمسك بكتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم وتعويد النفس على التقوى والعطف وأداء أركان الإسلام والمحافظة على الصلاة في جماعة . وبهذا كان الشيخ عبدالكريم الذي لم يتزوج في حياته قد وهب نفسه وحياته للعلم والدين، وفي آخر حياته استقر في دبي وتوفي عام 1370هـ (1950م) ودفن في مقبرة ديرة القديمة .
رحمه الله وجعل كل ما قدمه في ميزان أعماله يوم القيامة .