د. رشاد سالم *

قال تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ) [المائدة: 48].

يذهب فريق من الناس إلى أن لفظتي الشِّرعة والمنهاج بمعنى واحد، وأن المراد بهما «الدين»، وجاء التكرير هنا لمجرد التأكيد، وقد جاء في تفسير النيسابوري قوله: «وهما عبارتان عن معبر واحد هو الدين. والتكرير للتأكيد»، ونقل ابن الجوزي أنهما بمعنى واحد، وإنما نسق أحدهما على الآخر لاختلاف اللفظين.

ويذهب بعض العلماء إلى أن بين اللفظتين فرقًا دقيقًا، وقد غلَّط ابن تيمية من قال: إن شرعة ومنهاجًا معناهما واحد. مؤكدًا أن مثل هذا لا يجيء في القرآن ولا في فصيح الكلام.

جاء بطرق كثيرة مختلفة عن ابن عباس في قوله تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا)

أنه قال: سنّة وسبيلًا، وروي عنه: سبيلًا وسنّة، واختاره ابن كثير.

وفي مسائل ابن الأزرق أنه سأل ابن عباس عن قوله تعالى: (شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) فأجابه: الشرعة: الدين، والمنهاج: الطريق، واستشهد على ذلك بقول أبي سفيان الحارث بن عبد المطلب:

لقد نطق المأمون بالصدق والهدى

وبيّن للإسلام دينًا ومنهجًا

وتعقب بنت الشاطئ على هذا بأن تفسير الشرعة بالدين قريب، مع فرق دقيق بينهما تعطيه دلالة الدين أصلًا على الطاعة والانقياد، ودلالة الشرعة على الطريق الواضح، وهي في أصل اللغة من شريعة الماء بما تعطي من ري ونجاة، والمنهاج ليس كذلك مجرد طريق، ولكنه الطريق المعبّد المأمون.

وقيل في الفرق بين اللفظتين: إن الشِّرعة: الطريق الذي ربما كان واضحًا، وربما كان غير ذلك، والمنهاج: الطريق الذي لا يكون إلاّ واضحًا، وذكر ذلك ابن الأنباري.

واشتقاق الشرعة، إما من شرع بمعنى بيّن وأوضح، من قولهم: شرعت الإهاب إذا شققته وسلخته، أو من شرع في الشيء إذا دخل فيه.

والشرعة في اللغة تطلق على مورد الناس للاستسقاء، سميت بذلك لوضوحها وظهورها، وتقول اللغة أيضًا: الناس في هذا شرع واحد، أي سواء، ومنه سمي الشارع حيث المرور فيه حق مشترك للجميع على حد سواء.

ومن خلال ما تقدم نجد أن المعنى اللغوي للكلمة يدور حول الوضوح والظهور، كما يدور على السهولة واليسر، مع المساواة في إتاحة الأمر للجميع على حد سواء، من غير تفضيل لأحد على آخر.

يقول الراغب الأصفهاني: «فالشرع: نهج الطريق الواضح، وهو في أصله مصدر من قولهم: شرعت له طريقًا، ثم جُعل اسمًا للطريق النهج، واستعير ذلك للطريقة الإلهية». فأصبح يدل على ما شرع الله لعباده من أحكام الدين وسنّه لهم وافترضه عليهم، وجعلهم في حكمه سواسية، لا فضل لأحدهم على الآخر.

وقوله تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) [الشورى: 13]، إشارة إلى وحدة شرائع الله

ودياناته إلى الأمم في أصولها من معرفة الله وتوحيده وإقامة دينه وما إلى ذلك.

وأما النهج فهو: الطريق الواضح، والمنهج والمنهاج مثله، ونهج الطريق ينهج نهوجًا وضح واستبان، قال ابن جرير الطبري: « المنهاج أصله: الطريق البيِّن الواضح، ثم يستعمل في كل شيء كان بيِّنًا واضحًا سهلًا، فمعنى الكلام: لكل قوم منكم جعلنا طريقًا إلى الحق يؤمه، وسبيلًا واضحًا يعمل له».

فمدار الشريعة على الظهور والسهولة واليسر من غير صعوبة أو مشقة مع التساوي في إتاحة الفرصة.

ومدار المنهاج على الوضوح - والاستبانة من غير غموض أو التواء أو إبهام.

* مدير الجامعة القاسمية بالشارقة