استيقظ رسول اللهئ صلى الله عليه وسلمئ من نومه ذات يوم محمر الوجه وهو يقول، وفقاً لما جاء في الصحيحين، من حديث زينب بنت جحش، رضي الله عنها: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب . . فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه . . وحلق بينئأصابعه . . قلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث .
قال صاحبي مندهشا وتكاد أسنانه تصطك في بعضها خوفاً وهلعاً، خاصة أن المتحدث هو رسول الله، وهو من هو، لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، علمه شديد القوى: ألم يقم ذو القرنين معهم بالواجب ووفقه الله سبحانه وتعالى ونجح في أن يقيم سداً عظيماً يمنعهم كما حكى القرآن الكريم؟!
ئقلت: نعم صحيح ولكن على ما يبدو فإننا لم نقرأ القصص القرآني بالوعي الكافي لندرك ما وراء الحكايات من عظات ودلالات لتكون لنا جميعاً نبراساً على مر العصور .
نسب مجهول
ويبدو والله اعلم بمراده أن الله تعالى جعل لكل عصر يأجوجاً ومأجوجاً خاصين بهئليرينا دائما، وأمام أعيننا، مسلسل الصراع الدائم بين الخير والشر، وأنه مهما بلغ الضعف بالناس فإن الله تعالى لن يتركهم ما داموا مخلصين مخبتين له، وأنه لابد ناصرهم ومرسل لهم من ينقذهم ويعيد لهم البسمة ليعيشوا حياة آمنة مطمئنة ويأتيهم رزقهم دائماً رغداً . . والله غالب على أمره .
قال صاحبي: وما حكاية يأجوج ومأجوج التي نكاد نسمعها بشكل شبه يومي، خاصة يوم الجمعة وقبل الصلاة مع قراءة سورة الكهف؟
قلت: اختلف العلماء والمفسرون في صحة نسبهم وهل هم من ولد يافث بن نوح عليه السلام؟ وهل هم من العرب أم من العجم؟
وترجّح بعض الروايات أنهم من أولاد يافث أبي الترك، استناداً إلى أن الاسم يأجوج ومأجوج أعجميان وليسا بعربيين وأيضاً قياساً إلى الأشباه والنظائر والصفات التي وردت عنهم .
واستناداً إلى ما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تعالى: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك . فيقول: اخرج بعث النار . قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمئة وتسعة وتسعون . فعنده يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد . قالوا: وأينا ذلك الواحد؟ قال: أبشروا فإن منكم رجلاً ومن يأجوج ومأجوج ألفا، (رواه البخاري) . وما ورد أيضاً عن عبدالله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، وأنهم لو أرسلوا إلى الناس لأفسدوا عليهم معايشهم، ولن يموت منهم أحد إلا ترك من ذريته ألفاً فصاعدا .
صفات عجيبة
ورغم ما أكده العلماء من أنهم من ولد آدم فإن هناك روايات تصورهم على انهم خلق آخر ولهم صفات غريبة عجيبة قد تتفق مع ما أشيع عنهم من رعب وقدرتهم على إحداث الخراب والتدمير والإفساد في الأرض . . فقيل إنهم: أشباه البهائم يأكلون ويشربون ويتوالدون وهم ذكور وإناث وفيهم مشابه من الناس الوجوه والأجساد والخلقة، ولكنهم قد نقصوا في الأبدان نقصاً شديداً، وهم في طول الغلمان لا يتجاوزون خمسة أشبار، وهم على مقدار واحد في الخلق والصور، عراة حفاة لا يغزلون ولا يلبسون ولا يحتذون، عليهم وبر كوبر الإبل، ويواريهم ويسترهم من الحر والبرد، ولكل واحد منهم أذنان إحداهما ذات شعر والأخرى ذات وبر ظاهرهما وباطنهما، ولهم مخالب في موضع الأظفار وأضراس وأنياب كالسباع، وإذا نام أحدهم افترش إحدى أذنيه والتحف بالأخرى فتسمعه لحافاً وهم يرزقون نون البحر كل عام يقذفه عليهم السحاب، فيعيشون به ويتمطرون في أيامه، كما يستمطر الناس المطر في أيامه، فإذا قذفوا به أخصبوا وسمنوا وتوالدوا وأكثروا، فأكلوا منه إلى الحول المقبل، ولا يأكلون منه شيئاً غيره وإذا أخطأهم النون جاعوا وساحوا في البلاد، فلا يدعون شيئاً أتوا عليه إلا أفسدوه وأكلوا وهم أشد فساداً من الجراد والآفات، وإذا أقبلوا من أرض إلى أرض جلا أهلها عنها، وليس يغلبون ولا يدفعون حتى لا يجد أحد من خلق الله موضعاً لقدمه ولا يستطيع أحد أن يدنو منهم لنجاستهم وقذارتهم، حتى إن الأرض تنتن من جيفهم، فبذلك غلبوا، وإذا أقبلوا إلى الأرض يسمع حسهم من مسيرة مئة فرسخ؛ لكثرتهم، كما يسمع حس الريح البعيدة ولهم همهمة إذا وقعوا في البلاد كهمهمة النحل، إلا أنها أشد وأعلى، وإذا أقبلوا إلى الأرض حاشوا وحوشها وسباعها حتى لا يبقى فيها شيء فيه روح إلا اجتنبوه، وليس فيهم أحد إلا وعرف متى يموت قبل أن يموت، ولا يموت منهم ذكر حتى يولد له ألف ولد، ولا تموت الأنثى حتى تلد ألف ولد، فإذا ولدوا الألف برزوا للموت وتركوا طلب المعيشة . ثم إنهم أجلفوا في زمان ذي القرنين يدورون أرضاً أرضاً وأمة أمة، وإذا توجهوا لوجهة لم يعدلوا عنها أبداً . فلما أحست تلك الأمم بهم وسمعوا همهمتهم استغاثوا بذي القرنين وهو نازل في ناحيتهم .
وأصح الروايات تشير إلى أن أوصافهم: إنهم يشبهون أبناء جنسهم من الترك المغول، صغار العيون، ذلف الأنوف، صهب الشعور، عراض الوجوه، كأن وجوههم المجان المطرقة، على أشكال الترك وألوانهم . وروى الإمام أحمد: خطب رسول، الله صلى الله عليه وسلم، وهو عاصب إصبعه من لدغة عقرب، فقال إنكم تقولون لا عدو، وإنكم لا تزالون تقاتلون عدواً حتى يأتي يأجوج ومأجوج: عراض الوجوه، صغار العيون، شهب الشعاف (الشعور)، من كل حدب ينسلون، كأن وجوههم المجان المطرقة .
على أي حال فإنهم رجال أقوياء، لا طاقة لأحد بقتالهم .
السور العملاق
وهنا استنجد القوم الذين لا يكادون يفقهون قولاً كما حكى القرآن الكريم بذي القرنين، وهو رجل توسموا فيه القوة والصلاح، وهو ما تأكد وظهر جلياً في قوة بيانه الذي عكس إيماناً قوياً بالله وحرصاً على إحقاق الحق وإبطال الباطل، بحسب تعبير الدكتور محمد سيد طنطاوي، شيخ الأزهر السابق رحمه الله . . والقصة واضحة في نهاية سورة الكهف . . يقول تعالى: قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجاً على أن تجعل بيننا وبينهم سداً . قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردماً . آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله ناراً قال آتوني أفرغ عليه قطراً . فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقباً . . . فقد لبى ذو القرنين الدعوة لبناء السور العملاق بين القوم ويأجوج وماجوج؛ ليمنع ضررهم وإفسادهم، وما يؤكد قوة إيمان الرجل الصالح أنه حينما انتهى من عمله وقف أمامه ليشكر الله ويعترف بالعجز أمام قوته . . شأن الحكام الصالحين الصادقين في إيمانهم الشاكرين للخالق على توفيقه لهم في كل خير، وقال: هذا رحمةئمن ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكا وكان وعد ربي حقاً .
فقصة ذي القرنين كما قال الشيخ صفي الرحمن المباركفوري: تفيد بأن الأرض لله يورثها من عباده من يشاء وأن الفلاح انما هو سبيل الإيمان دون الكفر وأن الله لا يزال يبعث من عباده بين آونة وأخرى من يقوم بإنقاذ الضعفاء وإنجائهم من يأجوج ذلك الزمان ومأجوجه، وأن الأحق بإرث الأرض هم عباد الله الصالحون .
وتؤكد القصة أن التمكين في الأرض نعمة يهبها الله لمن يشاء من عباده . . كما تؤكد أن من معالم الخلق الحميد مد يد العون لكل محتاج، والعمل على صد وردع المعتدين المجرمين .
وأن ينسب كل إنسان الفضل دائماً لله سبحانه وتعالى والاعتراف بقدرته على كل شيء، وتوفيقه الدائم للمخلصين المخبتين له . . وأنهم يزدادون شكراً وحمداً لله كلما زادهم من فضله .