وصفوه فقالوا: كان أسود كالليل، أفطس الأنف، واستدركوا فقالوا: لكنه كان خفيف الروح، وكتبوا في التواريخ أنه ولد بمكة سنة 7 قبل الهجرة، فنشأ على الإسلام، ولم تكن له جاهلية، وهاجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة، وهو مولى رسول الله من أبويه، أبوه مولى رسول الله وحبه، وأمه مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاضنته.

هو أسامة بن زيد بن حارثة، بن شراحيل، بن كعب، بن عبدالعُزى، بن زيد، بن امرئ القيس، بن عامر، بن النعمان، بن عامر، بن عبدوُدَّ، بن عوف، بن كنانة، بن بكر، بن عوف، بن عذرة، بن زيد اللات، بن رفيدة، بن ثور، بن كلب، بن وبرة، بن ثعلبة، بن حلوان، بن عمران، بن الحاف، بن قضاعة، الكلبي.

كان أبوه زيد بن حارثة مولى لخديجة رضي الله عنها فوهبته لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) فأعتقه وزوّجه أم أيمن، واسمها بركة، فهو وأيمن أخوان لأم، وكان يكنى: أبا محمد، وقيل: أبو زيد، وقيل: أبو يزيد، وقيل: أبو خارجة.

وقد كان أسود كالليل، وكان أبوه أبيض شديد البياض، وطعن بعض من لا يعلم في نسبه منه، ولما دخل مُجزز المُدلجي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأى أسامة وزيداً عليهما قطيفة قد غطيا رأسيهما وبدت أقدامهما، قال: إن هذه الأقدام بعضُها من بعض، تقول عائشة رضي الله عنها: فدخل على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مسروراً تَبْرُقُ أسارير وجهه، فقال: ألم تر أن مجززاً أبصر آنفاً إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد فقال: إن بعض هذه الأقدام لَمِن بعض؟، فسُرَّ النبي (صلى الله عليه وسلم) بذلك، وأعجبه أنْ يُشْبِهَ أسامةُ زيداً، واعتبر أن شهادة خبير مثل مجزز المدلجي ستجعلهم يكفون عن الطعن في نسبه إلى أبيه لاختلاف لونيهما.

حب رسول الله

رباه النبي (صلى الله عليه وسلم) وأحبه حباً كثيراً، وكان عنده كبعض أهله، فكان النبي يأخذه هو والحسن بن علي وفاطمة ويقول: اللهم أحبهما فإني أُحِبُّهما، فكان يسمى: حِبَّ رسول الله، وابن حِبِّه، وكان نقش خاتمه: أسامة حب رسول الله.

ويروى عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: عثر أسامة على عَتَبَة الباب أو أسْكُفةِ الباب فشجّ جبهتهُ فقال: يا عائشة أميطي عنه الدم، فتقذّرته، قالت: فجعل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يَمُص شَجَتَه ويمُجه، ويقول: لو أنّ أُسامة جارية لحَلّيْتُها وزيّنتُها حتى أُنْفِقَها.

وفي التهذيب لابن عساكر: كان رسولُ الله (صلى الله عليه وسلم) إذا لم يَغْزُ، أعطى سلاحه علياً أو أُسامة، وكان الناس يعرفون حب رسول الله لأسامة بن زيد، ومنزلته عنده، بل لقد فكروا في استغلال هذا الحب، وتلك المنزلة لكي تنجو المرأة الشريفة التي خرجت على شرع الله، والواقعة، يرويها البخاري بسنده عن عروة بن الزبير أن امرأة سرقت في عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في غزوة الفتح ففزع قومها إلى أسامة بن زيد يستشفعونه قال عروة: فلما كلمه أسامة فيها، تلون وجه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: أتكلمني في حد من حدود الله؟، قال أسامة: استغفر لي يا رسول الله، فلما كان العشي قام رسول الله خطيباً فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإنما أهلك الناس قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفس محمد بيده، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطعت يدها، ثم أمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بتلك المرأة فقطعت يدها، فحسنت توبتها بعد ذلك، وتزوجت، قالت عائشة رضي الله عنها: فكانت تأتي بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم).

يوم الفتح

وفي فتح مكة، كان أسامة بن زيد في موقع يحسده عليه كبار الصحابة، فقد كان رديف النبي على راحلته، ودخل معه إلى الكعبة ومعهما بلال، ويا له من شرف وحب، ويا لها من منزلة كبيرة ترقى لها أعناق الكبار، وفي الصحيح عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أقبل يوم الفتح من أعلى مكة على راحلته مردفاً أسامة بن زيد، ومعه بلال، ومعه عثمان بن طلحة من الحجبة حتى أناخ في المسجد، فأمره أن يأتي بمفتاح البيت ففتح، ودخل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ومعه أسامة وبلال وعثمان فمكث فيها نهاراً طويلاً ثم خرج فاستبق الناس.

ولما فرض عمر بن الخطاب رضي الله عنه للناس فرض لأسامة بن زيد خمسة آلاف، وفرض لابنه عبدالله بن عمر ألفين، فقال ابن عمر: فضلت علي أسامة، فوالله ما سبقني إلى مشهد، وكان عمر يفرض للصحابة على ما حضروه من مشاهد وغزوات وجهاد في سبيل الله، ويبين عمر لابنه سبب تفضيله عليه فيقول: أسامة كان أحب إلى رسول الله منك، وكان أبوه أحب إلى رسول الله من أبيك، فآثرت حب الله على حبي.

درس نبوي

قبل وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) بعامين خرج أسامة أميراً على سرية للقاء بعض المشركين، وهذه أول إمارة يتولاها، وفي الصحيح من حديث موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه، أنه لما عقد له رسول الله (صلى الله عليه وسلم) راية الإمرة طعن بعض الناس في إمارته، فخطب رسول الله فقال: إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبل، وايم الله إن كان لخليقاً للإمارة، وإن كان لمن أحب الخلق إليّ بعده.

وقد لقن درسه الأكبر من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في تلك السرية، وفتح الله على المسلمين فيها، يقول: أتيت النبي (صلى الله عليه وسلم) وقد أتاه البشير بالفتح، فإذا هو متهلل وجهه، فأدناني منه ثم قال: حدثني، فجعلت أحدثه، وذكرت له أنه لما انهزم القوم أدركت رجلاً، وأهويت إليه بالرمح، فقال: لا اله إلا الله، فطعنته فقتلته، فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: ويحك يا أسامة: فكيف لك بلا إله إلا الله؟، ويحك يا أسامة، فكيف لك بلا اله إلا الله؟، فلم يزل يرددها حتى لوددت أني انسلخت من كل عمل عملته، واستقبلت الإسلام يومئذ من جديد، فلا والله لا أقاتل أحداً قال لا إله إلا الله بعد ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد أمره رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في آخر أيام حياته،، ووجهه إلى الروم بالشام، وكان عمره تحت العشرين، وتوفي النبي وهو أمير على جيش كثيف فيه سادة الصحابة من المهاجرين والأنصار، منهم عمر بن الخطاب، فكان عمر رضي الله عنه إذا لقيه قال: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته.

فلما توفي (صلى الله عليه وسلم) وجيش أسامة مخيم بالجرف، استطلق أبو بكر من أسامة عمر بن الخطاب في الإقامة عنده ليستضيء برأيه فأطلقه له، وأنفذ أبو بكر جيش أسامة بعد مراجعة كثيرة من الصحابة له في ذلك، وكل ذلك يأبى عليهم ويقول: والله لا أحل راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فساروا حتى بلغوا تخوم البلقاء من أرض الشام حيث قتل أبوه زيد وجعفر بن أبي طالب وعبدالله بن رواحة رضي الله عنهم، فأغار على تلك البلاد وغنم وسبى وكر راجعاً مؤيداً.

اعتزال الفتنة

وعندما نشبت الفتنة بين علي ومعاوية التزم أسامة حياداً مطلقاً، وقد كان يحب علياً كثيراً ويبصر الحق بجانبه، ولكن كيف يقتل من قال لا إله إلا الله: وقد لامه الرسول في ذلك سابقاً، فبعث رسالة إلى علي يقول فيها: يا أبا الحسن إنك والله لو أخذت بمشفر الأسد فمه لأخذت بمشفره الآخر معك حتى نهلك جميعاً أو نحيا جميعاً، فأما هذا الأمر الذي أنت فيه فوالله لا أدخل فيه أبداً، ولزم أسامة داره فترة النزاع حتى لا يقتل مسلماً، وحين جاءه البعض يناقشونه في موقفه قال لهم: لا أقاتل أحداً يقول لا إله إلا الله أبداً، فقال أحدهم له: ألم يقل الله: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين، فأجاب أسامة: أولئك هم المشركون، ولقد قاتلناهم حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله.

اعتزل أسامة بن زيد رضي الله عنه الفتن بعد مقتل الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه، إلى أن مات في خلافة معاوية، وكان قد سكن المزة غرب دمشق، ثم رجع فسكن وادي القرى، ثم نزل إلى المدينة فمات بها بالجرف، وصحح ابن عبدالبر أنه مات سنة 54 هجرية، فيكون رضي الله عنه قد توفي عن 61 سنة.

مروياته

له في مسند بقي بن مخلد مائة وثمانية عشر حديثا، منها في البخاري ومسلم خمسة عشر حديثا، ووضعه ابن حزم الأندلسي صاحب كتاب أسماء الصحابة وما لكل واحد منهم من العدد في المرتبة الثالثة والثلاثين في ترتيب من رووا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وروى عنه الجماعة وقال صاحب سير أعلام النبلاء: له في البخاري حديث واحد، وفي مسلم حديثان.

حدث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أبيه زيد بن حارثة (النسائي وابن ماجة)، وعن بلال بن رباح (النسائي)، وعن أم المؤمنين أم سلمة البخاري، وحدث عنه أبو هريرة (النسائي)، عبدالله بن عباس (البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة)، وأبو وائل شقيق بن سلمة الأسدي (مسلم)، وأبو عثمان النهدي (الجماعة)، وعروة بن الزبير (الجماعة)، وأبو سلمة بن عبدالرحمن بن عوف (الترمذي والنسائي)، وأبو سعيد المقبري (النسائي)، وعامر بن سعد بن أبى وقاص (البخاري ومسلم والترمذي)، وأبو ظبيان الجنبي حصين بن جندب (البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي)، وعطاء بن أبي رباح (النسائي)، وإبراهيم بن سعد بن أبي وقاص (البخاري ومسلم)، وعطاء بن يسار (النسائي)، وعطاء بن يعقوب مولى ابن سباع (مسلم)، وعمرو بن عثمان بن عفان (الجماعة)، وكريب مولى ابن عباس (الجماعة عدا الترمذي)، ومحمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي (ابن ماجة)، ويحيى بن عبدالرحمن بن حاطب (النسائي)، وابناه: الحسن بن أسامة بن زيد (الترمذي، وفي خصائص علي)، ومحمد بن أسامة بن زيد (الترمذي، وفي خصائص علي)، ومولاه حرملة (البخاري).