كان النبي -صلى الله عليه وسلم- أكثر الناس تبسماً وضحكاً في وجوه أصحابه وتعجباً مما تحدثوا به وخلطاً لنفسه بهم، ولربما ضحك حتى تبدو نواجذه. وأيضاً هناك مواقف كان الصحابة يتعمدون فيها إضحاك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. وفي حديث جابر بن سمرة -رضي الله عنه- قال: «جالست رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أكثر من مئة مرة، فكان أصحابه ينشدون الشعر، ويتذكرون أشياء من أمر الجاهلية، فيضحكون، ويبتسم النبي -صلى الله عليه وسلم- معهم». ( أخرجه أحمد، والترمذي).

يذكر مجدي محمد الشهاوي في كتابه «مواقف فرح فيها الرسول -صلى الله عليه وسلم-»: «عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: دخل أبو بكر -رضي الله عنه- يستأذن على رسول الله -صلى الله عليه- وسلم فوجد الناس جلوساً ببابه لم يؤذن لأحد منهم. قال: فأذن لأبي بكر فدخل.. ثم أقبل فاستأذن، فأذن له، فوجد النبي -صلى الله عليه وسلم- جالساً وحوله نساؤه واجماً ساكتاً. فقال عمر: لأقولن شيئاً أضحك النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: يا رسول الله، لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة، فقمت إليها فوجأت عنقها، فضحك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال: «هن حولي كما ترى يسألنني النفقة». فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها، وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها، كلاهما يقول: تسألن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما ليس عنده؟ فقلن: والله لا نسأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شيئاً أبداً ليس عنده.
ثم اعتزلن شهراً، أو تسعاً وعشرين، ثم نزلت هذه الآية:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً}، (سورة الأحزاب الآيتان: (28-29)
قال: فبدأ بعائشة فقال: «يا عائشة إني أريد أن أعرض عليك أمراً أحب أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك». قالت: وما هو يا رسول الله ؟ فتلا عليها هذه الآية، فقالت: أفيك يا رسول الله أستشير أبوي؟!، بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة، وأسألك أن لا تخير امرأة من نسائك بالذي قلت. فقال:.. «لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها أن الله لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً، ولكن بعثني معلماً ميسراً». أخرجه مسلم.
خنجر أم سليم
وهناك موقف آخر عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «جاء أبو طلحة يوم حنين يُضحك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أم سليم. قال: يا رسول الله!، ألم تر إلى أم سليم متقلدة خنجراً؟! فقال لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ما تصنعين به يا أم سليم؟!. قالت: أردت إن دنا مني أحد منهم - أي من العدو- طعنته به». رواه مسلم
وأخرج أبو يعلى عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر أن رجلاً كان يلقب «حماراً»، وكان يهدي لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- العكة من السمن والعكة من العسل، فإذا جاء صاحبها يتقاضاه ثمنها جاء به إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيقول: يا رسول الله أعط هذا ثمن متاعه.. فما يزيد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على أن يبتسم، ويأمر به فيعطى. (أخرجه أبو يعلى). وأيضاً عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه قال: «كان أسيد بن حضير رجلاً ضاحكاً مليحاً. وفي رواية: وكان فيه مزاح يحدث القوم ليضحكهم قال: فبينما هو عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحدث القوم ويضحكهم، فطعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بإصبعه في خاصرته.
كما كان ابن حذافة يداعب النبي -صلى الله عليه وسلم- فعن عبد الله بن وهب عن الليث بن سعد قال: «بلغني أن عبد الله بن حذافة حل حزام راحلة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بعض أسفاره حتى كاد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقع. قال ابن وهب: فقلت لليث ليضحكه؟! قال: نعم.. كانت فيه دعابة».
وفي رواية أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-: «كان من أهل بدر، وكانت فيه دعابة، فإنه كان يرحل ناقة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بعض أسفاره ليضحكه بذلك».
وأخرج ابن عساكر عن الزهري قال: كان ابن حذافة قد شكي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أنه صاحب مزاح وباطل. فقال -صلى الله عليه وسلم-: «اتركوه، فإن له بطانة تحب الله ورسوله».
ثلاث خصال
ومن المواقف التي غضب فيها الرسول -صلى الله عليه وسلم- يذكر الشيخ أبو إسلام في كتابه «40 موقفاً غضب فيها النبي صلى الله عليه وسلم»: حدثنا أحمد بن محمد الشافعي ثنا عمي إبراهيم بن محمد ثنا يحيى بن سليم عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعث بعثاً إلى ضاحية مضر فذكروا أنهم نزلوا في أرض صخر فأصبحوا فإذا هم برجل في قبة له بفنائه غنم فجاؤوا حتى وقفوا عليه فقالوا أحرزنا (أي: أعطنا) فأحرزهم شاة فطبخوا منها ثم أخرج إليهم فسعطوها ثم قال: ما بقي في غنمي من شاة لحم إلا شاة ما خض (أي: اقتربت ولادتها) أو فحل فسعطوا فأخذوا منها شاة فلما أطهروا واحترقوا وهم في يوم صائف لا ظل معهم قالوا: غنيمته في مظلته فقال: نحن بالظل من هذه الغنم فجاؤوه فقالوا: أخرج عنا غنمك نستظل فقال: إنكم متى تخرجوها تهلك فتطرح أولادها وإني رجل قد آمنت بالله وبرسوله وقد صليت وزكيت فأخرجوا غنمه فلم يلبث إلا ساعة من نهار حتى تناعرت فطرحت أولادها فانطلق سريعاً حتى قدم على النبي -صلى الله عليه وسلم- فأخبره الخبر فغضب النبي -صلى الله عليه وسلم- غضباً شديداً ثم قال: اجلس حتى يرجع القوم، فلما رجعوا جمع بينهم وبينه فتواتروا عليه: كذب كذب فسري عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فلما رأى ذلك الأعرابي قال: أما والله إن الله ليعلم أني لصادق وأنهم لكاذبون ولعل الله يخبرك يا رسول الله فوقع في نفس النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه صادق فدعاهم رجلاً رجلاً يناشد كل رجل منهم ينشده فلم ينشد رجل منهم إلا كما قال الأعرابي فقام النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: ما يحملكم على أن تتابعوا في الكذب كما يتتابع الفراش في النار؟ الكذب يكتب على بن آدم إلا ثلاث خصال: رجل يكذب على امرأته لترضى عنه، ورجل يكذب في خدعة حرب، ورجل يكذب بين امرأين مسلمين ليصلح بينهما. (المعجم الكبير).
وفي موقف آخر، «حدثنا ابن جريج عن ابن طاووس عن أبيه عن عبد الله بن عمرو أنه أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- وعليه ثوبان معصفران فغضب النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال اذهب فاطرحهما عنك، قال أين يا رسول الله؟، قال في النار». (سنن النسائي الكبرى)
رحمته بأمته تبكيه
وجاء في كتاب «أوصاف النبي -صلى الله عليه وسلم-» للإمام الترمذي: عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «اقرأ على. فقلت يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: إني أحب أن أسمعه من غيرى. فقرأت سورة النساء حتى بلغت: «وجئنا بك على هؤلاء شهيداً»، قال: فرأيت عيني رسول الله تهملان. أخرجه البخاري ومسلم. والحديث يبين شدة تأثر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالقرآن الكريم، وأن بكاءه إنما كان لمزيد شفقته ورحمته بأمته، وأما سماعه القرآن من ابن مسعود فربما ليكون عرض القرآن سنة والله تعالى أعلم».