الصداقة عبر الانترنت احدى سبل التواصل الحديثة، أسهمت في وجودها غرف الدردشة والبريد الإلكتروني. والتي توفر التعارف من دون أن يغادر الفرد منزله. ومن الشباب من يستفيد بشكل عملي من تلك الوسائل، ويتعرف إلى الكثير من العادات والثقافات الأخرى حول العالم، من خلال مراسلته لأصدقاء لم يلتق بهم إلا من خلال كتاباتهم أو صورهم على الشبكة العنكبوتية.
حول الصداقة الإلكترونية وميزاتها وعيوبها وأثرها على الشباب أجرينا هذا التحقيق.
تعلم ماجد آل علي طالب في المرحلة الثانوية بمدرسة دبي الحديثة الكثير عن عادات الشعب الألماني من خلال 3 أصدقاء يراسلهم عبر البريد الالكتروني وأحياناً يحادثهم عبر غرف الدردشة، ويرى ماجد أن الصداقة الإلكترونية ليست مجرد الكتابة عبر لوحة المفاتيح لشخصيات وهمية أو طيف خرافي، لكنه مقتنع بفكرة التبادل الثقافي من خلال التعرف إلى أصدقاء من بلدان مختلفة، مؤكداً أن اقتناعه بالأمر زاد بعد أن تعلم بعض الجمل الألمانية، من صديقه في برلين، ويلفت إلى أن حجم استفادة الفرد من أصدقائه عبر الانترنت، يأتي من خلال قابليته ومدى استعداده للتعلم والتعرف إلى ثقافات أخرى، مشيراً إلى أن الانترنت تعتبر من الوسائل المهمة وغير المكلفة، فى التواصل بين الناس من جميع أنحاء العالم.
وهو ما اتفقت معه ميرة إسماعيل خريجة أمريكية دبي وربة منزل، التي ترى أن الصداقة هي الصداقة مهما اختلفت الوسائل، بل على العكس ترى أن الصداقة الإلكترونية أسهل من حيث التعامل، فبمقدورها على سبيل المثال التحدث لإحدى صديقاتها وهى تصنع الطعام لأبنائها أو ترتب المنزل.
وتشير ميرة إلى أهمية الانترنت في الحفاظ على التواصل مع أصدقاء الدراسة والجامعة، والتعرف إلى كل جديد يطرأ على حياتهم بعد أن أخذتهم مسؤوليات الحياة. أما الصداقات الجديدة فتأتى بها ميرة من المنتديات المختلفة عبر الانترنت، فهي من المهتمين بعالم الديكور وتجمعها بالعديد من المنضمين لمنتدى ديكور دوت نت العديد من العلاقات القوية، التي بنيت على التشابه في الذوق، والقدرة على تركيب الألوان، واستغلال المساحات الداخلية للمنزل.
خالد مسعود موظف استقبال بفندق تاون بالاس بدبي قال: صداقة الانترنت عالم مستقل له خصوصيته، ينبغي على من يدخله معرفة العديد من الأصول التي تؤمن له الاستفادة طول الوقت، فهو على سبيل المثال يضع على قائمته العديد من الأصدقاء من مختلف الثقافات، حتى يتيح لنفسه فرصة النهل من خبراتهم المختلفة والثقافات الكثيرة المنتشرة حول العالم، محاولاً الاستفادة من تجاربهم، متمنياً أن يكون مالكاً لمطعم مثل صديقه الهولندي، الذي تعرف إليه قبل سنوات حيث كان يعمل في أحد الفنادق، وظل يحلم بامتلاك فندق بدأه بمطعم صغير للبيتزا فى احد الشوارع الهولندية الشهيرة.
وفى الوقت الذي يسبح الكثيرون من الشباب فى عالم الصداقة الإلكترونية، مستفيدين من تلك التقنية فى تعزيز علاقاتهم الاجتماعية، وتبادل الثقافات والخبرات هناك من يتعامل بحذر مع هؤلاء الأصدقاء، ومنهم آسر أسعد مراجع حسابات في شركة العود للعطور بالشارقة، الذي يرى اختلافاً كبيراً بين الصداقة الواقعية وبين ما يتعرف إليهم عبر الشبكة العنكبوتية، مبرراّ ذلك بأنها صداقة تشوبها الكثير من الشكوك وعدم الثقة في من يجلس على الطرف الأخر من الشبكة. فبينما هناك طرف على استعداد للتعرف إلى الآخر وتبادل الخبرات معه، ومد يد العون له فى بعض الأحيان، هناك من يتحين الفرص للحصول على الأسرار والاستمتاع بخصوصيات الغير.
وعن السبب الذي جعله يتبنى وجهة النظر هذه يقول: تعرفت على فتاة فى العشرين من عمرها، وكنا نتبادل الصور وأثق بها تمام الثقة، إلا أنني فوجئت أنها رجل فى الأربعين من عمره يستمتع بالتمثيل على الناس وتقليد صوت النساء.
ويؤيده الرأي جهاد ذكي موظف بالشركة المتحدة للحبوب الغذائية بدبي الذي يرى أن صديق الانترنت عبارة عن شخص افتراضي يتجمل بكل الصفات الجيدة، حتى يظهر بشخصية مثالية، على عكس الصداقة الواقعية التي يتعرف فيها الشخص بكامل صفاته الجيدة والسيئة، مشيراً إلى أن أغلب الصداقات الإلكترونية لا تدوم وليس لها المعنى الحقيقي للصداقة، متعجباً من الذين يقضون الساعات أمام أجهزتهم واهمين أنها صداقة حقيقية، يمكن الاستعانة بنصائحها أو الأخذ بها فى حياتهم، وهو ما يجده في الصداقة الواقعية التي يتمكن فيها من التواصل مع الأصدقاء في أية لحظة. وعلى الرغم من معرفته بكيفية دخول عرف الدردشة، إلا انه لا يفضل ذلك مبقياً على أصدقائه الذين تعرف إليهم على ارض الواقع، ويستطيع الحديث معهم عن أسراره ويأخذ نصائحهم بعين الاعتبار.
ويتوسط عمر التونسي فني تصوير في عجمان برأيه بين وجهة النظر المؤيدة والمعارضة للصداقة الإلكترونية، ويرى أنها مهمة لحاجة الفرد فى بعض الأحيان للحديث مع صديق، يشكو له مصاعب الحياة ويطلب منه المشورة والنصح، كما يتبادل معه الخبرة، مشيراً إلى انه ليس بالضروري أن يبوح من له صداقة على الانترنت، للطرف الآخر بأسراره، ومعلوماته الشخصية فقط تكفي المعلومات البسيطة مثل البلد والسن، وهو كل ما يلزم برأيه للصداقة عبر الانترنت.
أما أمجد حسين طالب بالصف الثاني عشر بأم القيوين فيرى أن الصداقة سواء الواقعية أو عبر الانترنت يجب أن تحترم من قبل المتواصلين عبر غرف الدردشة أو البريد الالكتروني، بمعنى أنه بقدر ما يؤتمن الصديق على أسرار الغير، يجب ان لا يفصح عنها، كما أنه يجب عليه أن يكون أميناً فى حال أخذ رأيه فى أحد الموضوعات، ولو كان على علم يعطي المعلومة كاملة، وإذا لم يكن فليس بعيب أن يقول لا أعلم. ويؤمن أمجد أن للصداقة الواقعية والإلكترونية حدوداً يجب الالتزام بها، وينبغي أن لا يتخطاها، وهى أصول وموضوعات يتفق عليها منذ اللحظات الأولى من التعارف.
وعن خبرته مع أصدقائه يقول: على قائمتي الكثير من الأصدقاء والزملاء، ممن تحولوا من أصدقاء الواقع إلى صداقة إلكترونية، تجمعنا أهداف مشتركة ومرحلة عمرية واحدة، واهتمامات وهوايات تعتبر واحدة، لكني أعتز كثيراً بصديق من السعودية تعرفت إليه فى احدى زياراتي مع العائلة إلى المملكة، مساير لكل ما يدور على الساحة العالمية من أحداث، ويرسل لى عبر البريد الألكتروني، رسالة يومياً يطلعني فيها على أهم ما يحدث حولنا فى العالم، إضافة إلى العديد من الأقوال المأثورة والحكم والنصائح.
يرى الدكتور أنس المالكي أستاذ الصحة النفسية ومهارات التعلم بمركز النور في الشارقة ان الصداقة الإلكترونية أو الافتراضية، مصطلح تم استحداثه حديثاً بعد الطفرة الهائلة التي حدثت في مجال الاتصالات، مشيراً إلى أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال تسمية الدردشة عبر الانترنت أو التواصل بين طرفين من خلال لوحة المفاتيح، صداقة رباطها الأخوة والرحمة والمحافظة على الأسرار. ولكن يمكننا ان نسميها تبادل خبرات بين المتواصلين عبر الشبكة العنكبوتية، وهو ما ينتج عنه استفادة حقيقية على أصعدة كثيرة، منها تنمية المهارات والمواهب، والتعرف إلى ثقافات الشعوب الأخرى، وتنمية اللغة الأجنبية والقراءة وغيرها من الأمور المهمة التي أصبحت ضرورية في عالم اليوم محذراً من تخطي التبادل المعرفي والثقافي إلى حد الااعتماد على الصديق الإلكتروني، الذي قد يجهل البعض هويته ودوافعه من وراء تلك الدردشة، إلى حد التعود والانفصال عن المحيط الاجتماعي والنفسي الذي يربطه بالبيئة المحيطة.
أسباب فشل
على الرغم من انه لا توجد دلائل قاطعة على فشل علاقة الصداقة الإلكترونية، إلا أن أغلب الأصدقاء على الشبكة حددوا أسباب عدة لفشل تلك الصداقة هي التغير، والإهمال، وخيانة الثقة، وعدم الاستفادة، وغياب الاهتمامات المشتركة.
أما التغير فهو الذي يطرأ على أحد طرفي العلاقة بشكل مفاجئ، وهو السبب الأعظم في انكسار علاقة الأصدقاء سواء أكان هذا التغير للأفضل أم للأسوأ.
أما السبب الثاني فهو الإهمال والتجاهل المتكرر، وهو من العلامات القاتلة للصداقة عبر الانترنت، إذ يصف الغالبية الصداقة الإلكترونية بصداقة الأسماك، التي تكون حركتها في المياه دائما بالاندفاع للأعلى وإلا فستموت، وإذا لم تغذ على الصدق يصيبها الركود وتموت. فإن كنت مشغولاً يجب عليك المبادرة بإخبار الصديق مراراً وتكراراً أنك مشغول، ولو بترك رسالة على بريده الالكتروني أو أوف لاين عبر ما تستخدم من برامج للدردشة.
وتعد الخيانة وإفشاء الأسرار للغير من الآفات التي تبيد الصداقة الإلكترونية، فبعد ان تثق فى صديقك وتقص له كافة شيء، ثم تجده يحكى تلك التفاصيل لطرف ثالث ورابع، وهو من الأمور المزعجة والمؤلمة التى لا يمكن التحكم بها على الإطلاق، لأنها تعود لضمير الطرفين ونواياهما من تلك الصداقة.
وتعتبر الصداقة غير المفيدة من الأمور التي تجلب الملل، وتدفع أحد الطرفين إلى تجاهل الآخر، فبينما يبحث أحدهما عن الاستفادة والتحدث في مواضيع مختلفة تزيد من خبرته، وقدرته على مواجهة الحياة، تجد أحد الطرفين يصر على التحدث في موضوعات تافهة وغير جدية، مما يجعل الطريق أمام التمسك بتلك الصداقة مسدوداً.
ومن بديهيات الصداقة الإلكترونية والواقعية على حد سواء، أن يكون لدى الطرفين اهتمامات مشتركة تجمعهم، إما على صعيد السن أو الهواية أو العمل أو حتي متابعة مستجدات الساحة العالمية من أخبار وتطورات. وفى حال عدم تواجد تلك الخطوط المشتركة لا يوجد مبرر لها، ومن ثم ينصرف الطرفان عن بعضهما لعدم وجود رابط يجمعهما.