والقرآن الكريم في بنائه الأخلاقي للإنسان، جاء بكل ما هو راق ومتحضر، وسما بسلوكه فوق كل الصغائر، ورسم له حياة راقية تغلفها المعاني الإنسانية الرفيعة ليكون إنساناً سوياً، قادراً على التعايش والتعاون مع كل المحيطين به، مترفعاً عن الصغائر، متجنباً للرذائل، مجسداً صورة زاهية لدينه، ملتزماً في سلوكه وأخلاقه وتعاملاته مع الناس جميعاً بما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال عنه خالقه "وإنك لعلى خلق عظيم" .
هو أبرز الخصال الكريمة والصفات الإنسانية الحميدة، اعتبره علماء الأخلاق من أفضل الصفات الإنسانية على الإطلاق، ذلك أن كل من يتحلى به قولاً أو عملاً، يعد لبنة صالحة في بناء المجتمع الإنساني الراقي الذي رسمه القرآن لأتباعه . . إنه "الصدق" . . فماذا أخبرنا القرآن عنه؟ وما الصورة التي رسمها الخالق لعباده الذين يلتزمون بهذه الفضيلة ويحرصون على التخلق بها في حياتهم العامة والخاصة؟
والصدق كما عرفه علماء الأخلاق هو: "مطابقة ما ينطق به اللسان مع ما هو مستقر في القلب والوجدان"، فمن نقل لسانه ما بداخله كان صادقا، ومن حرص على نقل الحقائق كاملة للناس من دون تشويه وتزوير كان صادقا، ومن خالف مكنون نفسه ما نطق به لسانه وشوه الحقائق وحذف وأضاف فهو "الكاذب المنافق" .
ومن هنا كانت عناية القرآن- كما يقول العالم الأزهري د . محمد مختار جمعة وزير الأوقاف المصري- بفضيلة الصدق، باعتبارها أهم الدعائم التي تستقيم بها حياة الفرد، وتصلح بها العلاقات الاجتماعية، وتقوى بها الروابط الإنسانية بين الناس جميعا، فالصدق يجلب لصاحبه رضا الخالق سبحانه وتعالى، كما يجلب له ثقة كل من يتعامل معه من الناس، ومكاسب الصدق لا تحصى . لقد حث القرآن على الصدق وجعله صفة للخالق عز وجل، وصفة لأنبياء الله ورسله، ووعد الصادقين بجنات النعيم، فقد ورد مدح الصادقين في القرآن الكريم أكثر من خمسين مرة منها قوله تعالى: "ليجزي الله الصادقين بصدقهم" .
يقول القرآن الكريم عن صدق الخالق عز وجل في سورة النساء: "ومن أصدق من الله قيلا" ويقول في موضع آخر من السورة نفسها: "ومن أصدق من الله حديثاً" . . والمعنى في الآيتين واحد، وهو أنه لا أحد أصدق في الحديث من الله عز وجل .
كسب العقول والقلوب
ويضيف: الصدق صفة من صفات رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم وبها كسب العقول واقتحم القلوب، وقد وصفه القرآن بالصدق وقرن صدقه بصدق خالقه في قوله تعالى في (سورة الأحزاب): "ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً" .
والصدق ورد في كتاب الله صفة لنبي الله إبراهيم عليه السلام: "واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقاً نبياً"، كما ورد صفة لنبي الله إدريس عليه السلام "واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقاً نبياً . ورفعناه مكاناً علياً" .
وقد مدح الله سبحانه عباده المؤمنين بهذه الصفة وأمرهم بالثبات عليها فقال: "إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون" . وقال سبحانه: "ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين" .
مكاسب الصادقين
ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينبهنا إلى قيمة الصدق كفضيلة ترفع من شأن الإنسان عند خالقه، كما ترفع من شأنه بين الناس، وأوضح لنا أن الصدق كما يكون في القول، يكون في النيات، ويكون في المعاملات ويكون في الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله، ويكون في كل سلوك يرضي الله تعالى .
وصدق النيات يتجسد في قوله صلى الله عليه وسلم: "من سأل الله تعالى الشهادة بصدق، بلغه الله منازل الشهداء وإن مات في فراشه" .
وصدق المعاملات في قوله صلى الله عليه وسلم "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما" .
والصدق في السلوك الذي يرضي الخالق سبحانه في قوله صلى الله عليه وسلم: "تحروا الصدق، وإن رأيتم فيه الهلكة فإن فيه النجاة" .
وإذا كانت ثمرة الصدق في الدنيا هي الطمأنينة، حيث يطمئن الإنسان الصادق على نفسه ويطمئن إليه الناس، فقد أوضح لنا صلوات الله وسلامه عليه أن ثمرة الصدق في الآخرة هي الجنة .
لذلك كان الصدق - كما يقول د . جمعة - من أخلاق القرآن وشمائل الأنبياء والمرسلين، وخصائص عباد الله المخلصين، فهو صفة واجبة، وفضيلة يجب على كل مسلم أن يتحلى بها، فإن لم يفعل ذلك، كان جزاؤه النار وبئس المصير فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب حتى يكتب عند الله كذابا" .
خسائر الكذابين
وإذا كان الإنسان الصادق يجني ثمرة صدقه ويربح دينه ودنياه، فإن الإنسان الكذاب يخسر الدنيا والآخرة، ولذلك لم يحذر القرآن من صفة ذميمة كما حذر من الكذب، حيث اعتبره من أكبر الكبائر . . فهو طريق الإنسان إلى النار فيه يخسر آخرته بعد خسارة دنياه ويكفي لبيان سوء عاقبة الكاذبين قول الله تعالى: "إنما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون" . وقوله سبحانه: "قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين" .
وهدد الله سبحانه المكذبين للحق في سورة المرسلات عشر مرات فقال: "ويل يومئذ للمكذبين"، وقال سبحانه في شأن الذين جحدوا الحق، ونطقوا بالزور والبهتان: "انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا" . كما أكد عز وجل في كثير من الآيات القرآنية خسران الكذابين في الدنيا والآخرة فقال: "ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون" .
أيضاً شن رسول الله صلى الله عليه وسلم حملة كبيرة على رذيلة الكذب وحذر منها تحذيراً شديدا، ووصف من يسلك هذا السلوك بأقبح الصفات، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: "ما كان من خلق أبغض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكذب، ما اطلع على أحد من ذاك بشيء فيخرج من قلبه حتى يعلم أنه قد أحدث توبة"، أي: أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع إنسانا يكذب في حديثه يعظه ويأمره بالتوبة وينفره من الكذب . وقال عليه الصلاة والسلام أيضاً: "يطبع المؤمن على الخلال كله إلا الخيانة والكذب" .
سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيكون المؤمن جباناً؟ أي: خائفاً غير شجاع . قال: نعم . فقيل له: أيكون المؤمن بخيلاً؟ قال: نعم، فقيل له: "أيكون المؤمن كذاباً؟ فقال: لا" .
ربوهم على الصدق
يقول عميد كلية أصول الدين بالأزهر، د . بكر زكي عوض: من المؤسف أنه رغم كثرة وتنوع التحذيرات القرآنية والنبوية من الكذب، فقد شاعت هذه الرذيلة في حياة المسلمين كباراً وصغاراً وأصبح الكذب سلوكاً يومياً معتاداً في حياة الكبار والصغار، يمارسه الجميع من دون تقدير للتحذيرات الدينية والمخاطر الاجتماعية والتداعيات الأخلاقية لهذا السلوك القبيح على كل جوانب حياتنا .
ويوضح د . عوض أن رذيلة الكذب تكتسب بالممارسة والتعود والتقليد، وهنا تكمن خطورة ممارسة الكبار للكذب يوميا أمام صغارهم أو دفعهم إليه من خلال سلوكيات يومية داخل المنزل أو المدرسة وفي وسائل الإعلام، وغير ذلك من مجالات الحياة المتعددة التي يشارك فيها الطفل .
ومن هنا فإن واجب كل الآباء والأمهات أن يربوا صغارهم منذ نعومة أظفارهم على الصدق، ويحذروهم من الكذب ويعاقبوهم عليه . فعلينا جميعا في تربيتنا لأبنائنا أن نتحرى الصدق حتى في الوعود التي نقدمها لهم، فلا نعدهم بما لا نستطيع، وقدوتنا في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد روي أنه سمع أحد الآباء يقول لابنه: سأعطيك كذا وكذا فسأله النبي: هل تنوي أن تعطيه؟ قال: لا، قال: إما أن تعطيه وإما أن تصدقه . فإن الله نهى عن الكذب، وعندما سأله والد الطفل: أهذا من الكذب؟ قال عليه الصلاة والسلام: "نعم، إن كل شيء يكتب . الكذبة تكتب كذبة، والكذيبة تكتب كذيبة" . وفي رواية أخرى أن امرأة قالت لغلامها: "تعال حتى أعطيك" فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "ما أردت أن تعطيه؟" قالت: تمرا . . قال: "أما أنك لو لم تعطه شيئا كتبت عليك كذبة" .