الصراحة خصلة تقوم على الصدق والوضوح، وعلى الرغم مما اصطلح عليه من أنها راحة لصاحبها إلا أن ثمة متاعب يمكن أن تلحق به وتجعل منه شخصاً غير مرغوب فيه أو موضع اتهام بأنه لا يحترم مشاعر الآخرين . والصراحة فن كما أنها سلاح ذو حدين ان لم يحسن المرء استغلاله فإنه بلا شك ينقلب عليه ويفضي إلى العزلة والمعاناة في التعامل مع الآخرين، كما أن
لها مواضع لا تتجاوزها . والذين يعرفون الأسلوب الأمثل لاتباع أسلوب الصراحة في الحوار من دون خسائر أو سوء فهم قليلون، وغيرهم يعلن بوضوح أن الصراحة أدت إلى عزلته وكانت مصدراً لمتاعبه . التحقيق التالي يجيب عن تساؤلات عدة في هذا الشأن ويفتش عما إذا كانت الصراحة سبباً في متاعب البعض أم أنهم يدركون كيف يجيدون استخدامها .
محبة السويدي، طالبة القانون، تؤكد معاناتها مع الآخرين بسبب صراحتها المفرطة على الرغم من حرصها على انتقاء التعبيرات والكلمات المعبرة عن رأيها، والتي تذهب عبثاً أمام عقول لا تتقبل إلا المديح . تقول: عانيت الأمرين بسبب صراحتي وصارت هناك حساسيات بين عدد لا يستهان به من الأشخاص خاصة زميلاتي بالجامعة، فهن وإن سامحنني على كلمة أو رأي بحت به في الماضي، إلا أنهن لا ينسينها ولا يفتأن يذكرنني بها من وقت لآخر، ومن ناحية أخرى عرفت بين الزميلات والصديقات بصراحتي ومنهن من تصفني بأنني كثيرة الانتقاد وهذا الوضع آلمني كثيراً إلا أنه لم يثنني عن اتباع نفس الأسلوب لقناعتي أن الشخص الصريح إنسان واقعي وواضح ومحترم وصاحب مبدأ .
تضيف: كثيراً ما استشرت الخبراء وأساتذة الاتيكيت وأمي في مواقف الزميلات من صراحتي وكيفية التصرف حيالهن، فاتفقوا على ضرورة انتقاء الأشخاص الذين يمكنني مصارحتهم وفقاً لرجاحة العقل وتقبل النصيحة بصدر رحب من دون سوء ظن أو شك في نواياي الطيبة، كما نصحوني بالإصرار على موقفي وإحاطة نفسي بالصديقات المخلصات، وحينما اتبعت نصائحهم باتت الزميلات والصديقات اليوم يتقبلنني .
وترى ميرفت مدرك، سكرتيرة، أنه لم يعد هناك مجال للصراحة بمعناها الحقيقي في عصرنا رغم إيمانها بأنها راحة، لكنها تؤكد أنه لا بد من الوعي التام بطريقة استخدامها والحذر عند اللجوء إليها . وتقول: لا أستخدمها في كل الأحوال، ومع أي شخص فقد جلب لي الاستخدام العشوائي لها في السابق الكثير من المتاعب وسوء الظن واتخاذ مواقف عدائية ممن أخلصت لهم الرأي وصارحتهم بأشياء وعيوب فيهم بهدف تبصيرهم ونصحهم، لذلك تعلمت ألا أصارح إلا المقربين وألا أعلن صراحتي بشكل مستفز أو واضح بل لا بد من المجاملات .
ويشير ربيع سامي، محاسب بشركة تأمين، إلى أن أحد عوامل تجنب البعض للمصارحة المباشرة أو حتى غير المباشرة الخوف على مصدر الرزق أو من بطش الأقوى سلطة، ويقول: حينما تتعارض المصالح يصبح من الصعب المصارحة في كثير من الأمور، فكثير ما اضطرتني الظروف إلى التفكير ملياً حينما يطلب رأيي في أمر ما قبل النطق بأية كلمة والغرق في حسابات المكسب والخسارة فأؤثر السلامة بالصمت أو اللجوء إلى أسلوب المواربة .
وعلى الرغم من منطقة وجهة نظر ربيع وملامستها للواقع في كثير من الأحيان، إلا أن فاطمة عبدالله، ممرضة بمجمع عيادات، تتمسك بأن الصراحة تريح صاحبها في كل الأحوال مبررة ذلك بأنها تلقي من على عاتقه عبء التلون والمواربة وتكسبه مصداقية لدى الآخرين وثقتهم به . تقول: حينما أصارح الآخر أريح نفسي من همّ مجاملته أو الكذب عليه، نعم أنتقي كلماتي، وهذا أيضاً عبء آخر، كمن يسير في حقل ألغام خشية التسبب في إساءة فهم الكلمات أو التلفظ بما يسيء للشخص أو يجرح مشاعره من دون قصد، ولكن في المقابل يرتفع مؤشر احترامي لذاتي وأربح ثقة المحيطين وأرضي ربي . وتضيف: كل ذلك مرهون بالصيغة التي وضعت فيها آرائي الصريحة لكيلا تنقلب الأمور إلى ضدها، وفي النهاية فللآخرين عقول ويدركون من هو الشخص صاحب المصداقية والآخر الذي لا يوثق في رأيه .
ويوافقها عبدالرؤوف عرفة، منسق مدرسة الشويب الثانوية بالعين، الرأي بقوله إن الصراحة ذات صلة وثيقة بضمير الشخص وإنها أفضل الطرق للنجاة شريطة اتباع اللباقة في أسلوب الطرح .
ويقول: أن تصارح شخصاً يعني أن تبوح له برأيك الحقيقي بهدف تبصيره وإرشاده وهي من وجهة نظري أمانة لا بد أن تؤدى لصاحبها فإن سئلت لا بد أن أجيب بأمانة، وإلا تعرضت لتعذيب الضمير، وعلى الرغم من أن الأشخاص الصرحاء ممن ينطبق عليهم وصف اللي في قلبه على لسانه يخسرون الكثير من المحيطين بهم ممن لا يقدرون صراحتهم ويضعونها في قوالب أخرى كالتجريح أو الإهانة أو الحقد مثلاً إلا أنهم أيضاً يصبحون مصدراً لثقتهم حينما يحتاجون المشورة الصادقة .
أزمات
ويقول أكرم محمود، مسؤول توظيف بشركة بترول، عن المآزق التي تخلفها الصراحة خاصة بين الزوجين: كثيراً ما تؤدي الصراحة ولو كانت لبقة إلى حرج أو أزمات كبيرة، ففي عملي مثلاً أواجه الكثيرين ممن يتقدمون بأوراقهم طلباً للوظيفة، وأدري أن أوراقهم مرفوضة مقدماً لانتفاء شروط جوهرية، وحينما يترددون عليّ ويلحون في معرفة مصير طلبهم أضطر إلى ادعاء عدم العلم، ولا أصارحهم بالحقيقة حتى ييأس الواحد منهم ويتوقف عن السؤال بعد أن يشعر برفض طلبه، ولكن تبقى مثل هذه الأمور صغيرة ويمكن معالجتها بشيء من اللباقة والكياسة أمام علاقات يمكن للمصارحة أن تدمرها وهنا تصبح مصدر شقاء لأصحابها ومنها مثلاً قيام الزوجة بمصارحة زوجها بتجاربها قبل الزواج، بنية بدء صفحة حياتية جديدة، فقد يؤدي ذلك إلى الطلاق بكل بساطة، وبالمثل هناك من الزوجات من ترفض الزوج المجرب قبل الارتباط بها وحينما تسأله عن تجاربه السابقة لا بد له هنا من تفادي مصارحتها لتجنب إثارة غيرتها حرصاً على استمرار الحياة بينهما .
ويلفت محمد المرر، إدارة الترويج السياحي الخارجي بهيئة أبوظبي للسياحة، إلى أن الصراحة تصبح في غاية الأهمية حينما تكون أساساً للمصداقية وبناء الثقة، ويقول: أعمل في مجال ترويجي، وفيه المصارحة والصدق أساسيان لبناء الثقة بيني والعميل فقبل أن يأتي الدولة لا بد أن ينال معلومات أكيدة عن معالمها السياحية، وإن ثبت عدم دقتها فيما بعد لن يثق بأية معلومة يمكن أن نمده بها مستقبلاً . ويضيف: مثل تلك المعلومات التي يدلي بها الموظف عن نفسه في المقابلات التي تسبق التوظيف والتي لا بد أن تستوفي صفة الصراحة والصدق لأن انكشاف ضدها مستقبلاً يسبب الحرج له وقد ينهي عمله تماماً في المؤسسة، ولكن في العلاقات الإنسانية يحتمل الأمر المواربة خاصة معم ذوي الآفاق المحدودة والذين لا يقدرون الصراحة ويلبسونها أوصافاً أخرى أبعد ما تكون عنها .
وتقول خولة العطيات، طالبة قانون، إن صراحتها تعتمد على متغيرين أساسيين أحدهما الموقف، والآخر الشخص نفسه، وتقول: يقولون رحم الله امرئ أهدى إليّ عيوبي ويا لها من هدية، إما أن تزيد وتدعم أواصر المحبة أو تدمر العلاقة بين شخصين أو على أقل تقدير تبردها إلى أبعد الحدود، فغلاف هذه الهدية إما أن يكون عبارة عن تجريح وكلمات قاسية، وإما تهذيباً وذوقاً ومراعاة لمشاعر الطرف الآخر والتحاور معه من مدخل مناسب، بحيث يشوقه للسماع لا ينفره منذ الكلمة الأولى .
فاص
يضع عبدالرحمن البدواوي، ضابط تراخيص بهيئة السياحة، حداً فاصلاً بين الصراحة والوقاحة، ويقول: حينما تكون الصراحة جارحة بلا مراعاة لمشاعر الآخرين ولذوقيات التعامل بين البشر فإنها تصبح ضرباً من الوقاحة، وهو أمر لا بد أن يعيه كل إنسان، لذلك أنتقي الكلمات والأوقات المناسبة وأيضاً الأشخاص المناسبين لأصارحهم بما أراه من آراء أو نصائح، وأعي تماماً أنه يوجد من الأشخاص من لا يقدرون الصراحة ويسيئون فهمها وهؤلاء لا بد من مجاملتهم بأسلوب المواربة بحيث لا أخالف ضميري حينما يصل الأمر إلى الكذب .
العبرة بالأسلوب
محمد المرزوقي خبير الاتيكيت يعتبر المصارحة أحد فنون التعامل، مؤكداً أنها بشكل عام أمر مرغوب فيه، فالإنسان عادة يحترم ويقدر الصراحة . ويقول: ما يغضب أحياناً ويسبب المتاعب هو أسلوب المصارحة، إذ يمكن لكل إنسان أن يعطي رأيه الصحيح والواضح ولكن باتباع أسلوب ايجابي، من ذلك أن يدخل شخص ما إلى بيت أحد أصدقائه، وعندما يسأله عن رأيه في غرفة الاستقبال مثلاً فمن الممكن أن يعبر له عن رفضه لها من خلال أسلوبين، أولهما الأسلوب المباشر بأنها سيئة، أو غير المباشر بأن يقول إنها جميلة ولكن كان من الممكن أن تفعل كذا، وبطرح هذا الاقتراح البديل يكون عبر عن رأيه ولم يجرح أو يحزن صديقه .
ويروي المرزوقي قصة أخرى شهيرة عن الملك الذي رأى في المنام أن أسنانه جميعاً تتساقط، ولما جاء بمفسري الأحلام قال له الأول إن جميع أقاربه سوف يموتون قبله، فلم يعجبه هذا التفسير وعاقب المفسر لسوء بشراه، وجاء بمفسر آخر وكان أكثر لباقة حينما فسر الحلم بأن الملك سوف يكون أطول أهل بيته عمراً، وهنا سر الملك وأمر له بمكافأة، وذلك على الرغم من أن التأويلين كانا بالمعنى نفسه .
وحول المصارحة بين الزوجين يقول المرزوقي: لا أحبذها في أمور قد تدمر أساس بنائها الأسري، مثل مصارحة الزوجة لزوجها بماضيها العاطفي قبل معرفته أو العكس، ورخص الرسول محمد صلى الله عليه وسلم الكذب في ثلاث حالات، الحرب، وإصلاح ذات البين، وبين الزوجين في مثل هذه الحالات حرصاً على الرابط الزوجي المقدس .