تعد الصقارة أو البيزرة كما يطلق عليها أهل المنطقة، نسبة لطائر الباز المعروف، من أهم ملامح التراث الثقافي والتاريخي للإمارات، فهي مهنة قديمة للسكان يمارسونها منذ قديم الأزل ويورثونها لأولادهم جيلاً بعد جيل، كما كانت وسيلة لتوفير لحوم الطير والحيوانات البرية من الحبارى والأرانب . وقبل اتحاد الإمارات، وقبل النهضة العمرانية التي شهدتها الدولة، كانت الصقارة بمثابة فرصة لشيوخ القبائل للاتصال بالناس ومعرفة أحوالهم لأن الصيد كان نهاراً، وفي الليل يتجمعون حول النيران في مجلس صحراوي يتوافد عليه الزائرون من القبائل البدوية، يجلسون قرب شيوخهم، ويطرحون ما في أذهانهم من قضايا وأفكار .
لأن الصقارة تراث حي وذاكرة لتاريخ الإمارات، وعدد من الدول العربية والغربية، قامت منظمة الامم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) عام2010 بتسجيل الصقارة كتراث إنساني حي في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية . وذلك بفضل الجهود التي قادتها الدولة من خلال تنسيقها وتعاونها مع 12 دولة عربية وأجنبية في إعداد الملف الدولي للصقارة .
ومع أنها تراث إلا أنه هناك من يعشقها ويمارسها حتى الآن سواء من الكبار أو الشباب الذين التقينا بعدد منهم لمعرفة المزيد عن هذه الهواية الممتعة .
مبارك مهير عبدالله (38 سنة موظف حكومي وصقار شهير) بدأ حديثه قائلاً: الصقارة متعة لا توصف، لا توجد كلمات من الممكن أن تعبر عن مدى عشق الصقار وتعلقي بها، وأنا ورثتها من أبي عن طريق الصدفة فكما يقولون: ما محبة إلا بعد عداوة فعندما كنت طفلاً كان لديّ مجموعة من الحمام وفجأة أعطاها أبي لصقوره، وكان ذلك بمثابة صدمة لي جعلتني اكره هذه الصقور، إلا أن عمي في عام 8591 أحضر لي طيراً فتعلقت به وبدأت رحلتي مع الصقور، وبدأت أدربه تدريباً فطرياً دون مساعدة من أحد،ودون أي معلومات عن التدريب، إلا انه شعر بي وأعتاد علي، وفي عام 1988 بدأت أعرف طرق التدريب الصحيحة، وكيف أجعله يقف على يدي لمدة ساعتين يأكل ويشرب خلالهما حتى يشعر بالأمان .
وعن طرق العناية وتربية الصقور يقول: قديماً كنا نضع الصقور في عرايش وهي غرف من سعف النخيل مجهزة لتربية الصقور، أما الآن فالوقت اختلف وكل شيء تبدل، إذ نضعها في غرف مكيفة على مساحة 30 متراً في 10 أمتار، وندق على زوايا الغرفة ألواحاً خشبية يساراً ويميناً حتى يتنقل الطير عليها بسهولة، مع وضع الماء والطعام، وطبعاً الطعام نفسة تغير فكنا نضع له الحمام أما الآن فهناك من يضع السمان، وآخر يضع صدور الدجاج .
وعن مواسم الصيد، يوضح عبدالله أن الصيد يقتصر على فصول الشتاء وتحديداً من شهر سبتمبر الذي يكثر فيه طائر الكروان .
ويقول: نذهب في هذا الوقت إلى أماكن كثيرة داخل الدولة مثل منطقة المدام، والبديع، والذيد ويكون هذا هو موسم هجرة الكروان .
كما يصطاد أيضاً الصقر طيور الحبارى التي تعد اشهر الفرائس التي يتغذى عليها . لأن الصقر لايصطاد ابدا لصاحبه وانما يصطاد لنفسه حتى يأكل، وطبعاً عندما يأكل أشعر بأنني أنا من أكل .
أما في الصيف فالصقر يغير ريشه وأدفع في هذه الفترة 4 آلاف درهم لشخص يسمى مقبض الطيور أو مربط وهو صقار يستضيف الصقور في هذه الفترة خلال تبديل الريش ويرعاها حتى تكتمل العملية بسلام . وعندها يستدعيني لاخذ الصقر الذي يحتاج وقتها إلى مرحلة تدريب ثانية لانه أكتسب وزناً بسبب عدم خروجة للمطاردة، وهذا أحيانا يسبب له اكتئاباً يمنعه من الأكل لمدة قد تصل إلى أسبوع، نبدأفي عمل تدريبات خاصة، كما نحضر له (سنادرة) من عند العطار وهي عبارة عن حجر كريستالي مفتت أكبر قليلاً من حبة القهوة ونضعها في فمة حتى يتقيأ الشحوم الموجودة على صدره .
بطي سالم (25 سنة) قال: الصقارة تراث شعب وتاريخ دولة عريقة، تريد أن تدعم موروثها، وثقافة أجدادنا وأبائنا، ورغم أنني لم أرث هذه الهواية عن ابي إلا انني عشقتها وأمارسها بكل حب ومتعة كذلك الحال بالنسبة لأخويّ الكبير والصغير . وأمتلك 6 صقور حتى الآن، فمنذ كنت في عمر ال17 وانا أصطاد وأسافر مع أصدقائي إلى السعودية والأردن في رحلات صيد قد تستغرق 10 أو 20 يوماً لانني لابد أن أريح الصقر الذي قد يصاب بالإرهاق في المسافات الطويلة . ويعرف بطي سالم الصقارة أنها عملية تدريب وترويض أنواع مختلفة من الصقور، ثم الخروج في رحلات صيد بها إلى الصحراء والأماكن الخلوية لاصطياد الطيور، ويمر التدريب بمراحل عدة يوضح أن أولاها ترويض الصقر وإكسابه اللياقة البدنية حتى يستطيع الجري واللحاق بالطريدة ويقول: قديماً كان يتم التدريب من خلال الحمام أو الطريدة لكن الآن الوضع تغير فنحن نستخدم الطائرات الصغيرة الخاصة بالاطفال والتي تعمل بالريموت كنترول في تدريب الصقر، كما نستخدم بالونات الاكسجين حتى ندربه على الارتفاعات المختلفة، كذلك تدريبه على الوقوف على يد الصقار وإزالة الخوف منه للتعامل بسهولة وود، وأيضاً ندربه على ارتداء غطاء الرأس وفكه ويسمى هذا بالبرقع .
وعن أهم مناطق الصيد داخل الإمارات يقول: قلة الامطار والتمدن والتعمير أثرت بشكل كبير في الصيد داخل الدولة، لكنه موجود في بعض المناطق الصحراوية إلا انه ممنوع في المحميات الطبيعية .
أمتلك 8 صقور تتنوع ما بين الشاهين، والبيور والوحوش، هكذا بدأ الصقار راشد النعيمي (33 سنة) كلامه، مؤكداً أن أفضل أنواع الصقور في التدريب هو الحر لأنه يتميز بسرعة الفهم والاستيعاب أثناء التدريب . وعن أدوات الصيد يقول: منها التلواح وهي عبارة عن أجنحة لطير الحبارى يتم فيها جذب الصقر إذا حاول الهرب أو توحش، البرقع وهو غطاء يحجب نظر الطير حتى لا يتشتت نظره على كل شيء وهناك أداة أخرى تعرف بالمنقل وهو مايغرس في الارض ليستريح الطير عليه، والوكر عبارة عن قطعة من الجلد أو الصوف توضع على اليد وتكون موقعاً للصقر في حالة الطيران والرجوع، والسبوق وهو حبل لتقييد رجلي الطير . وعن اعمار الصقور يقول لاتزيد أعمارها على 20 سنة وكلما كبرت في السن قل أداؤها وهمتها، لذلك نضعها في مزارع التهجين عند كبر سنها لانتاج سلالات جديدة .ويؤكد راشد أن اسعار الصقور تختلف حسب النوع والحجم .
موضحآً أن أغلى صقر يمتلكه قال هو حر بيور أبيض ب100 ألف درهم، وعن اهم مناطق الصيد يقول: هناك العديد من الاماكن في الإمارات وخارجها مثل سوريا، الأردن، ليبيا، والسعودية .
أما تاجر الطيور الصقار طه حسن الحمادي (40 سنة) فقال: أسعار الصقور تختلف من نوع إلى آخر، وسعر النوع الواحد يختلف أيضاً حسب الحجم والعمر، فمثلاً سعر الشاهين يبدأمن 5 آلاف درهم ويصل إلى 60 ألفاً، وعن مواسم البيع يقول هناك فترة تزاوج تبدأ من مارس/آذار وتمتد إلى أغسطس/آب، لذلك فالسوق يبدأ من أغسطس/آب إلى مارس/آذار .
ومعظم الصقور يأتي من مزارع أوروبية وأمريكية، وعند وصولها إلى سن معينة نعطيها لمزارع التهجين لانتاج سلالات جديدة وهذا سلاح ذو حدين لأن الصقور المهجنة ممكن تدريبها بسهولة، لكنها لاتتحمل الحرارة مثل الصقر الوحش أو الطبيعي، كما أنها كثيراً ماتمرض .
يؤكد هذا الكلام الصقار محمد شبيط الكتبي 37 سنة ويضيف رغم ان الصقر المهجن لايتحمل الحرارة إلا انه اسرع، أمتلك 3 صقور كلها من النوع المهجن الذي اشتريته من المزارع،كما ان الصقور الطبيعية الان اصبحت نادرة ويضيف: هذه الهواية رغم انتقاد البعض لها تحقق الإثارة والمتعة، مثلها مثل أي هواية أخرى، لكن البعض يهاجمها بحجة انها مكلفة ولا تحقق اي ربح،فالصقر يصطاد طائر الحبارى الذي قد يصل سعره إلى 20 ألف درهم ليأكله، كذلك الحال بالنسبة للكروان الذي يصل سعره إلى ألف درهم والمعروف عنه انه نادر ويجد من يرغب في الحصول عليه صعوبة في إيجاده، وطبعا هذا يؤكد أنها هواية غير مربحة، بل ومكلفة أيضاً، لكن انا أرى ان مجرد ممارستها ربح كبير جدا فأي إنسان يمارس أي هواية لا ينتظر منها اي عائد سوى راحته النفسية .
ويضيف شبيط: إن النظافة شيء مهم جداً للحفاظ على الصقر وسلامته وصحتة،كما ان الحفاظ على الوزن المثالي للصقر ومراعاة ألا يزيد وزنة على 1600 جرام، مهم للحفاظ على سرعته في اللحاق بالطريدة .
كما ان هناك العديد من الامراض التي تصيب الصقر ويقول الكتبي إن اهمها مرض الرداد وهو التهابات في الرئة وقد تؤدي إلى نفوق الصقر، كذلك هناك مرض السومار ويصيب الصقر في قدمة نتيجة لزيادة الوزن وعدم نظافة المكان الذي يعيش فيه، وأيضاً هناك مرض خطر يعرف باسم كوكسيدياوهو نوع من الديدان التي تصيبه في بطنه، لذلك لابد من الحفاظ على الصقر والاهتمام به والحرص على إعطائه تطعيم الجدري او اي مضادات حيوية يحتاج إليها، وخاصة أن هناك العديد من العيادات البيطرية التي تتخصص في رعاية وعلاج الصقور،كذلك هناك مستشفى أبوظبي للصقور التي تقدم رعاية فائقة للطيور .
راشد معيصم الكتبي (27 سنة) أكد انه في حال شعر ان الصقر فقد شهيته للطعام او قل نشاطه فورا يذهب به للعيادة البيطرية، حتى يتم فحصه على اكمل وجه، ويقول: هناك العديد من الامراض المميتة التي قد تصيب الطير اهمها الرداد الذي قد يضطرنا لاعادة الصقر للمزرعة التي اشتريناه منها اذا اكتشفنا انه مصاب به .
وخاصة اننا عند شراء اي طير نذهب اولا به للعيادة البيطرية للاطمئنان على صحته وخلوه من الامراض، لكن هناك بعض الامراض التي نعالجها في البيت بعد ان يحدد الطبيب المختص الادوية التي قد تكون حقناً تحت الجلد، أو حبوباً أضعها في فمه، ويضيف: هذه الهواية جزء من تراث جدودنا وأهلنا، فقد ورثتها أنا من آبائي وإخوتي وأجدادي، ومنذ الصغر وانا ارى مدى الاعتزاز بهذه الهواية القديمة، وأذكر اننى قمت بتدريب اول طير عندما كان عمرى 16 عاماً وكان من نوع الوكرى ذي اللون البني وبعدها بدأت في تدريب كل الانواع، وامتلك انا وأسرتي الآن والحمدلله 6 صقور تختلف انواعها مابين الحر والشاهين والجير الذى انتشر مؤخراً .
ويؤكد الكتبي انه كان يرى بعض العائلات تسمى أبناءها بأسماء بعض الصقور، تيمناً وحباً في هذه الطيور مثل شاهين . وعن أهم الصفات التى يجب ان تتوافر فيمن يمارس هواية الصيد بالصقور الصبر يوضح أن القدرة على التعامل مع الطيور بحكمة وهدوء، كذلك لا بد من الذكاء الذى يحتاجه اثناء تدريب الطير .
الصيد بحر ماله نهاية هكذا بدأ الصقار محمد بن دلموك كلامه مؤكداً أن الصيد قديماً كان أفضل بكثير من الآن، لأسباب كثيرة اهمها عدم وجود التمدن والعمران الذى أثر في وجود الطيور، ويضيف: امتلك 4 صقور كلها من النوع المهجن لأن الوحش لم يعد له وجود بسبب انتشار المزارع، وكل عام نرى نوعاً جديداً لكن قديما لم يكن موجوداً سوى الوحش الذى ينقسم إلى (الحر، الشاهين، القرموشة، الوكرى والتبع) وافضلها طبعاً الحر لأن عنده قوة تحمل ومناعة قوية جداً، ويقول ابن دلموك إنه تعلم كثيراً من الصفات من هذه الهواية وخاصة الصبر والأمل الدائم، فكثيراً ما نخرج للصيد ونرجع من دون اصطياد أي طير، لكن دائماً لديه أمل بالصيد والحصول على مبتغاه .