د . أحمد قنديل
في أجرأ خطوة منذ أن أطلق الرئيس الصيني شي جينبينج حملته الموسعة ضد الفساد، أصدرت محكمة تقع في شمال الصين في 10 ديسمبر/كانون الأول الماضي حكما بالسجن مدى الحياة على ليو تينان، الذي كان يشغل منصب نائب مدير لجنة التطوير والإصلاح الوطنية ومدير إدارة الدولة للطاقة . وقضت المحكمة أيضاً بتجريد ليو، الذي كان يحظى بدرجة وزير، من حقوقه السياسية مدى الحياة، ومصادرة جميع ممتلكاته وثروته الشخصية . حيث رأت المحكمة أن ليو "حصل على رشاوى بقيمة 85 .35 مليون يوان (8 .5 مليون دولار)، في الفترة من 2002 إلى ،2012 بصفة شخصية أو من خلال ابنه، كما أساء استخدام سلطاته لتأمين الأرباح لأربع شركات، فضلا عن العديد من الأفراد" . وأكدت المحكمة أيضاً أن عدم الحكم بالإعدام على ليو جاء نتيجة اعتراف ليو بمعظم جرائمه، وإظهار ندمه، إضافة إلى قبوله الإدانة والعقوبة . ويعد ذلك الحكم المشدد السابقة الأولى من نوعها لإدانة مسؤول سابق بدرجة وزير منذ تولى الرئيس الصيني الحالي لمنصبه، رغم تعدد المحاكمات العلنية للمسؤولين الفاسدين خلال السنة الماضية بدءا من بو شي لاي إلى ليو جي جين، وغيرهم من المسؤولين رفيعي المستوى والمتورطين في ملفات فساد .
كان الرئيس شي قد أطلق، عقب توليه السلطة مباشرة في مارس/آذار ،2012 أقوى حملة لمكافحة الفساد تشهدها الصين منذ عقود . فتعهد بإسقاط "النمور" من شاغلي المناصب العليا، و"الذباب" من شاغلي المناصب الدنيا في معركته للقضاء على مشكلة الفساد، مشدداً على أن الفساد هو التحدي الأكبر الذي قد يهدد استمرار هيمنة الحزب الشيوعي الصيني على مقاليد السلطة في البلاد .
ومنذ بدء هذه الحملة، وقع في شباك الرئيس الصيني 50 نمراً من الوزراء الحكوميين وحكام الأقاليم وغيرهم من المسؤولين رفيعي المستوى في الحزب والجيش والبيروقراطية والشركات المملوكة للدولة، من بينهم شيوى تسايهوه، القائد العسكري السابق لحصوله على رشى، وسو روانج، المستشار السياسي الكبير الذي عزل من منصبه لاتهامه ب"انتهاكات قانونية خطيرة"، وتشو يونج كانج، وزير الأمن العام السابق، ل"حصوله على أموال وعقارات إما بنفسه أو من خلال أقاربه وتسريب أسرار الدولة" .
ومن جهة ثانية، حرصت السلطات الصينية، ممثلة في لجنة الانضباط الحزبي، والجهاز الأعلى للرقابة ووزارة الأمن، أيضا على ملاحقة المسؤولين الفاسدين الهاربين إلى خارج الصين، في حملة أطلق عليها "مطاردة الثعالب"، ما أسفر عن القبض على 396 شخصاً متورطاً في قضايا فساد من 58 دولة ومنطقة، من بينهم 100 شخص تجاوزت قيمة ملفاتهم 10 ملايين يوان .
وفي السياق نفسه، شدد الرئيس الصيني شي جينبينج الشهر الماضي خلال قمة مجموعة العشرين التي انعقدت في أستراليا على ضرورة تعزيز التعاون الدولي ضد الفساد، وملاحقة المسؤولين الهاربين في الخارج .
الحملة الشرسة التي يقودها الرئيس الصيني ضد الفساد تكشف عن أمور مهمة عدة، في مقدمتها تأكيد سيادة القانون وعدم وجود شخص أياً كان فوق القانون، حتى ولو كان في أعلى المستويات القيادية، خاصة بين أعضاء الحزب الشيوعي الصيني الحاكم، الذين يمثلون العمود الرئيس لمؤسسات الدولة المختلفة . وقد لمست هذا الأمر بنفسي بعد أن تلقيت دعوة لزيارة الصين في العام الماضي للتعرف إلى جهود الحزب الحاكم في مجال مكافحة الفساد . وقد شارك في هذه الزيارة ثلاثة عشر مشاركاً آخر من قادة الفكر والأحزاب السياسية من ثلاث عشرة دولة مختلفة تنوعت بين إفريقيا وأوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية .
وبصراحة، لم أكن أتوقع على الإطلاق أن الصين، تلك الدولة المتحفظة، تتكلم علناً عن الفساد . ولكني رأيت الكثير مما أدهشني في هذا المجال . فالفساد في الصين أصبح أكثر التحديات أهمية أمام القادة الجدد للحزب الشيوعي الصيني، الذين تولوا المسؤولية في مارس/آذار 2012 . فهناك قناعة بأن الفشل في "تنظيف" البيت الصيني المنخور بالفساد، سيؤدي إلى نكبة للحزب الشيوعي الصيني، وربما يؤدي إلى انهياره، بل وانهيار الدولة الصينية برمتها .
وهذه القناعة ترسخت لدى قادة الصين الجدد بفعل دراستهم المعمقة لتجربة انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، والتي خلصت إلى أن هذا الانهيار جاء نتيجة تخلي زعماء الحزب الشيوعي السوفييتي عن العقيدة الأيديولوجية النقية والانضباط الصارم ومكافحة الفساد، سواء في المستويات الإدارية أو السياسية الدنيا (التي يطلق عليها اسم الذباب) أو العليا (التي يطلق عليها اسم النمور) .
ومن أجل القضاء على "الذباب" و"النمور" الفاسدة في الدولة، يفرض الحزب الشيوعي الصيني عقوبات صارمة على كل من تثبت إدانته بالفساد، بدءاً من التحذير، مروراً بالإقالة من المناصب الحزبية، وانتهاء بالإبعاد عن الحزب، والعرض على الجهات القضائية في حالة وجود جرائم جنائية .
ومن جهة ثانية، يحرص الحزب أيضاً في مدرسته التي يعد فيها كوادره، على تذكير أعضائه دائما بأهمية السلوك الحسن والبعد عن استغلال المنصب أو السلطة لتحقيق منافع شخصية .
ومن جهة ثالثة، يعمل الحزب على تثقيف العاملين في مؤسسات الدولة المختلفة بالممارسات السليمة في العمل من أجل بناء جدار واق ضد الفساد في أذهانهم، وبالتالي حمايتهم من الوقوع في براثن الفساد من دون وعي .
ومن جهة رابعة، يلزم الحزب رؤساء المستويات الإدارية المختلفة، بدءاً من العاصمة حتى أصغر القرى، بتقديم تقارير دورية للجهات الأعلى حول التزامهم بالممارسات النظيفة في العمل . ومن جهة خامسة، تفرض قيادات الحزب إشرافاً صارماً على عملية صنع القرار بشأن المسائل المهمة مثل تنفيذ المشاريع الكبرى، وأمور التعيين والإقالة للقيادات المهمة .
وإلى جانب ذلك، يسرع الحزب في عمل التحقيقات بشأن بلاغات الفساد، التي يتلقاها من جانب المواطنين عبر قنوات متعددة مثل شبكة الإنترنت، أو تخصيص رقم تليفوني معين، أو تحديد مكاتب محددة لتلقي الشكاوى، مع وضع أنظمة تكفل حماية الشهود والمبلغين . وبعد ذلك، يفيد الحزب صاحب البلاغ بشأن القرار المتخذ، سواء بالإدانة أو البراءة، لأخذ رأيه فيه .
مساعي قادة الحزب الشيوعي الصيني الحثيثة لمكافحة الفساد، بزعامة الرئيس الصيني، لا شك أنها ستلعب دوراً ملموساً في تعزيز ثقة العالم في التزام هؤلاء القادة بتحقيق الإصلاحات الاقتصادية المرغوبة وبالنظام القائم على الجدارة والكفاءة . كما أن هذه المساعي ستعزز أيضاً من شعبية الرئيس الصيني، وصورة الحزب الشيوعي الصيني، خاصة بين القوى الفاعلة في القطاع الخاص والراغبة في دفع الإصلاحات الاقتصادية في البلاد، بعد معاناتها الطويلة من هيمنة القطاع العام على مقاليد الحياة الاقتصادية الصينية .
إلا أن مخاطر شن الحرب على الفساد في الصين واضحة أيضاً، فهذه الحرب من شأنها زرع مشاعر الخوف والاستياء ضمن العاملين في النظام البيروقراطي الصيني . وهذه المشاعر سوف تدفعهم على الأرجح إلى التظاهر علانية بالالتزام بأجندة الرئيس الصيني للإصلاح الاقتصادي في الوقت الذي سوف ينتهزون فيه أية فرصة لإعاقتها بسبب إضرارها بمصالحهم الخاصة . وربما يكون عدم حدوث تقدم حقيقي معتبر في النمو الاقتصادي الصيني منذ أن كشف الرئيس شي عن برنامجه الاقتصادي الطموح في نوفمبر 2013 يوحي بأن ذلك يحدث فعلياً على أرض الواقع .
وفي ضوء ذلك، يمكن القول إنه إذا لم يقم الرئيس الصيني بتبني مزيد من الإصلاحات السياسية من أجل بناء تحالف شعبي كبير، يضم المفكرين والناشطين الاجتماعيين والصحفيين ورواد الأعمال من القطاع الخاص، لمواجهة "الحرب المضادة" التي يشنها "تحالف البيروقراط والساسة المضارين من مكافحة الفساد"، فسوف يجد صعوبة متزايدة في تطبيق رؤيته الإصلاحية لتحقيق مستقبل أفضل للصين .
ولا يعني ذلك القول إن الحكم القضائي الصارم على ليو، وغيره من الفاسدين في البلاد، ليس خطوة جيدة، وإنما قد يكون من الأفضل للرئيس الصيني، ومعه قادة الحزب الشيوعي الصيني، نقل التركيز والاهتمام البالغ من صيد النمور وإخافة الذئاب وملاحقة الثعالب إلى اكتساب حلفاء جدد وربما غير متوقعين، لأن نجاحهم على المدى الطويل - ونجاح الصين - سيعتمد على بناء مثل هذا التحالف الشعبي القوي خلف أجندتهم الإصلاحية .
في أجرأ خطوة منذ أن أطلق الرئيس الصيني شي جينبينج حملته الموسعة ضد الفساد، أصدرت محكمة تقع في شمال الصين في 10 ديسمبر/كانون الأول الماضي حكما بالسجن مدى الحياة على ليو تينان، الذي كان يشغل منصب نائب مدير لجنة التطوير والإصلاح الوطنية ومدير إدارة الدولة للطاقة . وقضت المحكمة أيضاً بتجريد ليو، الذي كان يحظى بدرجة وزير، من حقوقه السياسية مدى الحياة، ومصادرة جميع ممتلكاته وثروته الشخصية . حيث رأت المحكمة أن ليو "حصل على رشاوى بقيمة 85 .35 مليون يوان (8 .5 مليون دولار)، في الفترة من 2002 إلى ،2012 بصفة شخصية أو من خلال ابنه، كما أساء استخدام سلطاته لتأمين الأرباح لأربع شركات، فضلا عن العديد من الأفراد" . وأكدت المحكمة أيضاً أن عدم الحكم بالإعدام على ليو جاء نتيجة اعتراف ليو بمعظم جرائمه، وإظهار ندمه، إضافة إلى قبوله الإدانة والعقوبة . ويعد ذلك الحكم المشدد السابقة الأولى من نوعها لإدانة مسؤول سابق بدرجة وزير منذ تولى الرئيس الصيني الحالي لمنصبه، رغم تعدد المحاكمات العلنية للمسؤولين الفاسدين خلال السنة الماضية بدءا من بو شي لاي إلى ليو جي جين، وغيرهم من المسؤولين رفيعي المستوى والمتورطين في ملفات فساد .
كان الرئيس شي قد أطلق، عقب توليه السلطة مباشرة في مارس/آذار ،2012 أقوى حملة لمكافحة الفساد تشهدها الصين منذ عقود . فتعهد بإسقاط "النمور" من شاغلي المناصب العليا، و"الذباب" من شاغلي المناصب الدنيا في معركته للقضاء على مشكلة الفساد، مشدداً على أن الفساد هو التحدي الأكبر الذي قد يهدد استمرار هيمنة الحزب الشيوعي الصيني على مقاليد السلطة في البلاد .
ومنذ بدء هذه الحملة، وقع في شباك الرئيس الصيني 50 نمراً من الوزراء الحكوميين وحكام الأقاليم وغيرهم من المسؤولين رفيعي المستوى في الحزب والجيش والبيروقراطية والشركات المملوكة للدولة، من بينهم شيوى تسايهوه، القائد العسكري السابق لحصوله على رشى، وسو روانج، المستشار السياسي الكبير الذي عزل من منصبه لاتهامه ب"انتهاكات قانونية خطيرة"، وتشو يونج كانج، وزير الأمن العام السابق، ل"حصوله على أموال وعقارات إما بنفسه أو من خلال أقاربه وتسريب أسرار الدولة" .
ومن جهة ثانية، حرصت السلطات الصينية، ممثلة في لجنة الانضباط الحزبي، والجهاز الأعلى للرقابة ووزارة الأمن، أيضا على ملاحقة المسؤولين الفاسدين الهاربين إلى خارج الصين، في حملة أطلق عليها "مطاردة الثعالب"، ما أسفر عن القبض على 396 شخصاً متورطاً في قضايا فساد من 58 دولة ومنطقة، من بينهم 100 شخص تجاوزت قيمة ملفاتهم 10 ملايين يوان .
وفي السياق نفسه، شدد الرئيس الصيني شي جينبينج الشهر الماضي خلال قمة مجموعة العشرين التي انعقدت في أستراليا على ضرورة تعزيز التعاون الدولي ضد الفساد، وملاحقة المسؤولين الهاربين في الخارج .
الحملة الشرسة التي يقودها الرئيس الصيني ضد الفساد تكشف عن أمور مهمة عدة، في مقدمتها تأكيد سيادة القانون وعدم وجود شخص أياً كان فوق القانون، حتى ولو كان في أعلى المستويات القيادية، خاصة بين أعضاء الحزب الشيوعي الصيني الحاكم، الذين يمثلون العمود الرئيس لمؤسسات الدولة المختلفة . وقد لمست هذا الأمر بنفسي بعد أن تلقيت دعوة لزيارة الصين في العام الماضي للتعرف إلى جهود الحزب الحاكم في مجال مكافحة الفساد . وقد شارك في هذه الزيارة ثلاثة عشر مشاركاً آخر من قادة الفكر والأحزاب السياسية من ثلاث عشرة دولة مختلفة تنوعت بين إفريقيا وأوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية .
وبصراحة، لم أكن أتوقع على الإطلاق أن الصين، تلك الدولة المتحفظة، تتكلم علناً عن الفساد . ولكني رأيت الكثير مما أدهشني في هذا المجال . فالفساد في الصين أصبح أكثر التحديات أهمية أمام القادة الجدد للحزب الشيوعي الصيني، الذين تولوا المسؤولية في مارس/آذار 2012 . فهناك قناعة بأن الفشل في "تنظيف" البيت الصيني المنخور بالفساد، سيؤدي إلى نكبة للحزب الشيوعي الصيني، وربما يؤدي إلى انهياره، بل وانهيار الدولة الصينية برمتها .
وهذه القناعة ترسخت لدى قادة الصين الجدد بفعل دراستهم المعمقة لتجربة انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، والتي خلصت إلى أن هذا الانهيار جاء نتيجة تخلي زعماء الحزب الشيوعي السوفييتي عن العقيدة الأيديولوجية النقية والانضباط الصارم ومكافحة الفساد، سواء في المستويات الإدارية أو السياسية الدنيا (التي يطلق عليها اسم الذباب) أو العليا (التي يطلق عليها اسم النمور) .
ومن أجل القضاء على "الذباب" و"النمور" الفاسدة في الدولة، يفرض الحزب الشيوعي الصيني عقوبات صارمة على كل من تثبت إدانته بالفساد، بدءاً من التحذير، مروراً بالإقالة من المناصب الحزبية، وانتهاء بالإبعاد عن الحزب، والعرض على الجهات القضائية في حالة وجود جرائم جنائية .
ومن جهة ثانية، يحرص الحزب أيضاً في مدرسته التي يعد فيها كوادره، على تذكير أعضائه دائما بأهمية السلوك الحسن والبعد عن استغلال المنصب أو السلطة لتحقيق منافع شخصية .
ومن جهة ثالثة، يعمل الحزب على تثقيف العاملين في مؤسسات الدولة المختلفة بالممارسات السليمة في العمل من أجل بناء جدار واق ضد الفساد في أذهانهم، وبالتالي حمايتهم من الوقوع في براثن الفساد من دون وعي .
ومن جهة رابعة، يلزم الحزب رؤساء المستويات الإدارية المختلفة، بدءاً من العاصمة حتى أصغر القرى، بتقديم تقارير دورية للجهات الأعلى حول التزامهم بالممارسات النظيفة في العمل . ومن جهة خامسة، تفرض قيادات الحزب إشرافاً صارماً على عملية صنع القرار بشأن المسائل المهمة مثل تنفيذ المشاريع الكبرى، وأمور التعيين والإقالة للقيادات المهمة .
وإلى جانب ذلك، يسرع الحزب في عمل التحقيقات بشأن بلاغات الفساد، التي يتلقاها من جانب المواطنين عبر قنوات متعددة مثل شبكة الإنترنت، أو تخصيص رقم تليفوني معين، أو تحديد مكاتب محددة لتلقي الشكاوى، مع وضع أنظمة تكفل حماية الشهود والمبلغين . وبعد ذلك، يفيد الحزب صاحب البلاغ بشأن القرار المتخذ، سواء بالإدانة أو البراءة، لأخذ رأيه فيه .
مساعي قادة الحزب الشيوعي الصيني الحثيثة لمكافحة الفساد، بزعامة الرئيس الصيني، لا شك أنها ستلعب دوراً ملموساً في تعزيز ثقة العالم في التزام هؤلاء القادة بتحقيق الإصلاحات الاقتصادية المرغوبة وبالنظام القائم على الجدارة والكفاءة . كما أن هذه المساعي ستعزز أيضاً من شعبية الرئيس الصيني، وصورة الحزب الشيوعي الصيني، خاصة بين القوى الفاعلة في القطاع الخاص والراغبة في دفع الإصلاحات الاقتصادية في البلاد، بعد معاناتها الطويلة من هيمنة القطاع العام على مقاليد الحياة الاقتصادية الصينية .
إلا أن مخاطر شن الحرب على الفساد في الصين واضحة أيضاً، فهذه الحرب من شأنها زرع مشاعر الخوف والاستياء ضمن العاملين في النظام البيروقراطي الصيني . وهذه المشاعر سوف تدفعهم على الأرجح إلى التظاهر علانية بالالتزام بأجندة الرئيس الصيني للإصلاح الاقتصادي في الوقت الذي سوف ينتهزون فيه أية فرصة لإعاقتها بسبب إضرارها بمصالحهم الخاصة . وربما يكون عدم حدوث تقدم حقيقي معتبر في النمو الاقتصادي الصيني منذ أن كشف الرئيس شي عن برنامجه الاقتصادي الطموح في نوفمبر 2013 يوحي بأن ذلك يحدث فعلياً على أرض الواقع .
وفي ضوء ذلك، يمكن القول إنه إذا لم يقم الرئيس الصيني بتبني مزيد من الإصلاحات السياسية من أجل بناء تحالف شعبي كبير، يضم المفكرين والناشطين الاجتماعيين والصحفيين ورواد الأعمال من القطاع الخاص، لمواجهة "الحرب المضادة" التي يشنها "تحالف البيروقراط والساسة المضارين من مكافحة الفساد"، فسوف يجد صعوبة متزايدة في تطبيق رؤيته الإصلاحية لتحقيق مستقبل أفضل للصين .
ولا يعني ذلك القول إن الحكم القضائي الصارم على ليو، وغيره من الفاسدين في البلاد، ليس خطوة جيدة، وإنما قد يكون من الأفضل للرئيس الصيني، ومعه قادة الحزب الشيوعي الصيني، نقل التركيز والاهتمام البالغ من صيد النمور وإخافة الذئاب وملاحقة الثعالب إلى اكتساب حلفاء جدد وربما غير متوقعين، لأن نجاحهم على المدى الطويل - ونجاح الصين - سيعتمد على بناء مثل هذا التحالف الشعبي القوي خلف أجندتهم الإصلاحية .
* خبير الشؤون الآسيوية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية
a [email protected]