تنتاب البعض نوبات من الضحك في مواقف معينة لا تستدعيه على الإطلاق، فيضحك في حالات يعد فيها الضحك خروجاً عن قواعد الذوق، أو تجاهلاً لشعور الآخرين، فنسمع عن فلان الذي انفجر ضاحكاً وبلا أي مقدمات أثناء مراسم عزاء مثلاً، أو خلال اجتماع جاد يجمعه برؤسائه في العمل، وغالباً ما يسبب الضحك في هذه الحالات مواقف حرجة.
تحاول سما الراوي موظفة، إيجاد تفسير لهذا السلوك قائلة: الضحك في المواقف الجادة من الممكن أن يحدث نتيجة شيء بسيط، قد لا يلفت نظر الجميع، ولكنه يكون بالنسبة لشخص معين مدعاة للضحك، كتعبير على وجه المتكلم، أو طريقته في الكلام ونطق الحروف، وأحيانا تكون شدة جدية الموقف في حد ذاتها مدعاة للضحك بالنسبة لبعض الأشخاص الذين يميلون بطبيعتهم للسخرية. وأضافت: هذا الأمر حدث لي في بعض المواقف، وعلى حد علمي أن الإنسان يلجأ لا إرادياً للضحك في المواقف الشديدة الجدية، للتخفيف من حدة الموقف على نفسه، كأحد أنواع رد الفعل الطبيعي، والبعض يستطيع التحكم في هذا الأمر، والبعض الآخر لا يستطيع كبت هذه الرغبة، ويدخل في نوبة ضحك لا إرادية.
ويوافق عمرو سالم موظف على هذا التفسير، مؤكداً تعرضه لنوبات من الضحك غير المبرر في أكثر من موقف، قائلاً: أحياناً أكون في حوار جاد جداً مع أحد من زملائي، أو رؤسائي، فتداهمني رغبة عارمة في الضحك، وبشكل مفاجئ، من دون أن ادري السبب، أو أستطيع السيطرة على هذه الرغبة، وأحيانا الطرف الآخر يصاب بعدوي الضحك فيشاركني، وقد يثير هذا سخط الطرف الآخر وغضبه، والغريب أن ظهور علامات الغضب عليه، أحيانا تزيد من نوبة الضحك لدي لا إرادياً، وما زلت أبحث عن تفسير علمي لهذه الحالة.
وتقول أريام العبد أيضاً عن أحد المواقف التي مرت بها، وتسبب الضحك فيها بمشكلة وخصام مع أعز صديقة لها: صديقتي المقربة لي ظلت على خصام معي سنة، بسبب نوبة ضحك انتابتني عندما ذهبت لتهنئتها بمولودها الأول، فبمجرد أن دخلت الحجرة، ووقعت عيني عليه انتابتني نوبة ضحك عارمة، لصغر حجم المولود بشكل زائد عن الحد، خاصة وأن صديقتي قوامها ممتليء، وأغضبها هذا للغاية واعتبرته سخرية منها، خاصة وأن أهل زوجها كانوا موجودين، واتهمتني بأني أحرجتها أمامهم، وعلى الرغم من محاولاتي المتكررة لتوضيح أن الأمر كان خارجاً عن إرادتي، لم تسامحني بسهولة، وما زلت أشعر بالحرج لما صدر مني، ولكن الضحك له نوبات مثل السعال، لا يمكن التحكم فيها.
ويرى جاسم العود، موظف، أن هذا الموقف يصادف أغلب الناس في مواقف متفرقة قائلاً: خلال أي يوم من الممكن أن تمر بنا هذه الحالة، ونضحك على أشياء لا تضحك وأحياناً تدعو للرثاء، فكما يقولون شر البلية ما يضحك وفي رأيي أن الضحك له نوبات فعلاً، وإن كنت لا أدري مسبباتها أو تفسيرها العلمي، ربما شدة ضغوط الحياة التي تظهر على الإنسان بشكل عكسي، فأحياناً أكون في حالة غضب شديدة، وإذا بشخص يقول كلمة، أو يأتي بحركة فيتحول غضبي في لحظة إلى نوبة ضحك من دون مقدمات.
وتقول رانيا السعدي طالبة: جميعنا مررنا بمواقف انتابنا فيها الضحك في وقت غير مناسب، فمثلا في إحدى المرات كنت أسير مع صديقتي في الحرم الجامعي، والأرض مبتلة بسبب الأمطار، وفجأة انزلقت قدم صديقتي، ووقعت على الأرض، وغطى الوحل ملابسها ويديها وحتى وجهها وبدلا من أن أهرع لمساعدتها على النهوض، وجدت نفسي أصاب بنوبة من الضحك، أفقدتني القدرة على الكلام، أو حتى التصرف، وبقيت للحظات أتأملها، وهي على الأرض، تنظر لي بدهشة، ولم أتمالك نفسي إلا بصعوبة، وتفسيري أن الحزن والمرح وجهان لعملة واحدة، فحتى أقسى لحظات الحزن، لو تأملناها جيدا، سنجد فيها لمسات تدعو للسخرية والضحك.
دليل
يؤكد عمار القمطي، موظف، أن أكبر دليل على أن الضحك أحيانا يأتي في صورة نوبة لا إرادية، أن بعض الأشخاص أصابتهم أضرار بسببها، كأن يضحك الشخص أثناء حديث رئيسه في العمل مثلاً، أو في عزاء أحد الأشخاص، سواء من أقاربه أو معارفه، أو أثناء اجتماع مهم، ومن دون أي مبرر منطقي، وأحيانا في وسائل الإعلام يحدث هذا، فقد شاهدنا أكثر من موقف انتاب فيها المذيعين نوبات ضحك أثناء حوارات جادة جدا، ومع شخصيات رفيعة، وسبب هذا لهم مشكلات وانتقادات.
ويقول حسن العقابي، موظف: سمعت كثيراً عن مواقف مشابهة بين زملائي وأصدقائي، فمنهم من حكى لي أن نوبة ضحك انتابته أثناء عزاء عمه على الرغم من حبه الشديد له، وسمعت أكثر من رواية مشابهة في مواقف تدعو للحزن، وتستوجب الرثاء وأمر بمواقف أجد نفسي مدفوعاً للضحك لا إرادياً، على الرغم من أن لا شيء لا يستدعي الضحك، وتفسيري الشخصي، أن هذا يحدث للإنسان إذا كان في حالة إجهاد أو تعرض لضغوط، كوسيلة للتنفيس عن النفس بصرف النظر عن الموقف الذي استفز فيه الرغبة في الضحك.
وتقول علياء ثاقب، طالبة: تراودني هذه الرغبة في بعض المواقف الجادة، وأشعر برغبة في الضحك في مواقف لا تستدعي ذلك، ولشعوري بأنه قد يسبب سوء تفاهم مع الأطراف الأخرى، أحاول بكل طاقتي كبت هذه الرغبة، ولكن بعض الحالات ليس لها حل ويكون الضحك فيها قضاء لا مفر منه، ومررت بهذه التجربة في أكثر من موقف، ولكنها كانت تمر، لأنها تحدث مع أصدقاء ويتفهمون.
وحول مدى وجود تفسير علمي من عدمه لنوبات الضحك غير المبررة التي تنتاب البعض في أوقات غير مناسبة يقول د. علاء عبدالمرضي أستاذ طب النفس: هناك أسباب علمية للضحك في كل حالاته، وبالنسبة للمواقف الصعبة، أو التي يشعر الإنسان فيها بأنه تحت ضغط نفسي من أي نوع، يكون الضحك إحدى وسائل الدفاع الفطرية عن النفس في مواجهة الأزمات، والضغوط النفسية، وفي بعض هذه الأحيان يكون الضحك معدياً مثل الإنفلوانزا، فيكفي أن يضحك شخص في موقف شديد الجدية حتى ينتقل الأمر للمحيطين به، والذين يتعرضون لنفس الضغط النفسي أيضاً وكأنهم وجدوا في الضحك منفذاً مما يتعرضون له من ضغوط، فيتحول اجتماع أو جلسة جادة جدا في لحظة إلى مسرحية كوميدية، والتفسير العلمي لهذا الأمر، هو أن الإنسان عندما يضحك يخرج طاقة التوتر من عضلات وأعصاب الوجه، وبالتالي تنتقل عدوى الضحك لمن حوله.
ويرجع د. سليمان عبدالحكيم أستاذ علم النفس هذه الحالة إلى تغيرات فسيولوجية تصاحب الدوافع النفسية، قائلا: الإنسان لديه العديد من الغرائز والأحاسيس تجعله يتأثر بما يجري حوله ويتفاعل مع ما يشاهده ويسمعه، وهذا إما أن يحزنه أو يغضبه أو يفرحه وقد يبكيه أو يضحكه، وغير ذلك من الانفعالات النفسية المختلفة، ولكن في بعض الأحيان يحدث نوع من تبادل رد الفعل، فمثلا في حالات الإحراج الشديد أو الحزن يحدث ما يشبه الزلزال داخل الحجرات العصبية بالمخ، وهذا يولد اضطراباً أو خللاً في التعبير، لأن الرسالة لا تصل للمخ بشكل طبيعي فيعجز عن تمييزها، لهذا يقوم الإنسان في أغلب الأحيان بالضحك في المواقف الصعبة لإخفاء اضطرابه، والمخ يلعب دورا في هذا أيضا، حيث يصدر انفعالاً مهدئاً، وهو الضحك.
تعبير
يؤكد د. سامح القاضي أن الضحك في الكثير من الأحيان، وسيلة دفاع طبيعية ضد الآلام، والمحبطات التي توجه الإنسان قائلا: الضحك عملية عقلية، تجمع بين جميع الوظائف العقلية، من الوجدان أي العواطف، والإدراك أي التفكير، والنزوع أي السلوك، وهو هنا الضحك، والضحك ليس في كل الأحوال تعبيرا عن السرور، ففي أحوال كثيرة يستخدم أيضا كوسيلة للتعبير عن السخط، والضيق، والتفاعل على المستوى الاجتماعي والسياسي، فهناك الضحك دهشة في المواقف المباغتة، والضحك عند مشاهدة الفشل البسيط الذي يمنى به الآخرون، وهذا ما يفسر نوبة الضحك التي تنتاب البعض عند رؤيتهم لشخص آخر يتعثر ويسقط مثلاً. وفي الأزمات أيضاً يعطي الضحك الإنسان شعوراً بأنه أكبر من المشكلة التي تواجهه.
وعن ارتباط هذا السلوك عند البعض بخلل نفسي معين يقول د. عادل أبوالنجا أستاذ علم النفس: ليس كل الحالات والمواقف دليلاً على وجود حالة مرضية، أو ينم فيها رد الفعل بالضحك عن وجود اضطراب نفسي، ففي كثير من الأحيان يصدر هذا كرد فعل من أشخاص طبيعيين، ولا يعانون خللاً نفسياً، ويكون تصرفهم عبارة عن انفعال وقتي نتيجة لدوافع مختلفة، منها شدة الانفعال بالموقف التي قد تولد رد فعل عكسياً، وهناك بعض الحالات يكون السبب فيها مرضياً، مثل الضحك الهستيري، ونوبات الضحك البديلة عن التشنج، والتي تكون سيطرة العقل خلالها غير كاملة على السلوك.
الصديق النائم
يحكي على سلطان، طالب، عن أحد المواقف التي وقع فيها ضحية الضحك اللاإرادي قائلاً: الضحك سبب لي ولصديقي مشكلة مع مدرس التاريخ، كانت الحصة الأولى وكان صديقي مجهداً من السهر في حفل عيد ميلاده، وبمجرد دخولنا الفصل وضع رأسه على الدرج، فراح في النوم، وعندما دخل المدرس، لم يلحظه لأننا نجلس في الصف الأوسط، والزميل الذي يجلس أمامنا مباشرة طويل القامة وبدأ المدرس الشرح، وصديقي في سبات عميق، وأنا أتابع الموقف، وأمنع نفسي من الضحك، إلى أن بدأ صوت أنفاس صديقي يعلو، فلم أمسك نفسي، ودخلت في نوبة ضحك لم أستطع أن أسيطر عليها، مما لفت نظر المدرس فاقترب مني ليتبين الأمر، وهنا شاهد صديقي النائم، فزجره بصوت عال فصحا صديقي مفزوعاً، مما زادني ضحكا رغم محاولتي تمالك نفسي، احتراما للمدرس، وتسبب لنا هذا الموقف في مشكلة استدعت تدخل أولياء أمورنا.
تنفيس صحي
تشير د.ملك العيدي أستاذ علم الاجتماع، إلى أن الضحك في المواقف الجادة، على الرغم من أنه مستهجن وسيلة صحية للتنفيس عن المشاعر المحبطة.
وتقول: الضحك نعمة، وفي كثير من الأحيان يكون دواء في حالات اليأس، ووسيلة للتنفيس عن الآلام، والإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يستطيع الضحك، وفي الغالب يكون وسيلة لإطلاق طاقة نختزنها بداخلنا، وندخرها لمواجهة المواقف الصعبة والجادة في حياتنا، وهذا سبب دخول الإنسان في نوبات من الضحك في مواقف شديدة الجدية، كمحاولة للتخفيف عن النفس، وإثبات أن الحياة ليست بهذه الجدية والخطورة، ولا تستدعي كل هذه التحفز والانفعال فيأتي الضحك انطلاقاً من شعورنا بالمبالغة في الصرامة، أو حتى الحزن أحياناً في أمور واقعية ومتوقعة مسبقاً كموت شخص عزيز مثلاً.