من أسرار البلاغة وفنون العلم التي جاءت في القرآن الكريم، ويجدر بكل مسلم التفكر فيها، والتدبر في معانيها، القَسم في القرآن. والمتتبع لآيات القسم في القرآن الكريم يجد أن الله سبحانه أقسم في بعضها بذاته الموصوفة بصفاته وأقسم بآياته ومخلوقاته وبمظاهر الكون، ويوم القيامة، لتهيئة السامع، وإعداده إعداداً صالحاً لما يأتي بعد القَسم.
يأتي ذكر القسم تأكيداً، لا سيما والقرآن أنزل بلغة العرب، الذين عهدوا على إثبات مطالبهم بالحلف واليمين والقسم، إذ كانوا يقطعون كلامهم بالقسم، بهدف تحقيق الخبر وتوكيده.
قال تعالى: «والضحى، والليل إذا سجى». (سورة الضحى، 1-2). وسورة الضحى بموضوعها، وتعبيرها ومشاهدها، لمسة من حنان، ويد حانية تمسح على الآلام والمواجع، وتسكب الرضا والأمل، إنها كلها خالصة للنبى، صلى الله عليه وسلم، كلها نجاء له من ربه وتسرية وتسلية وترويح وتطمين.
ورد في روايات كثيرة أن الوحي فتر عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأبطأ عليه جبريل، عليه السلام، فقال المشركون: إن إله محمد ودّعه وقلاه. عندئذ نزلت هذه السورة، نزل هذا الفيض من الود والحب، والرحمة والإيناس والقربى والطمأنينة واليقين. و«الضحى»، أي وحي الضحى، وهو وقت ارتفاع الشمس،«والليل إذا سجى»، أي سكن، والمراد سكون الناس والأصوات فيه. أقسم الله بالضحى الرائق، الذي ينتشر فيه الضوء والنور وتخف فيه حدة الشمس، وأقسم بالليل الساكن الهادئ ليربط بين القسم وجوابه وهو «ما ودعك ربك وما قلى»، أي ما تركك ربك ولا جفاك كما زعم المشركون، وهو ربك وراعيك وكافلك. وللدار الآخرة خير لك من هذه الدنيا، ولسوف يعطيك ربك من الكمالات، وظهور الأمر، وبقاء الذكر ما يجعلك ترضى.
يذكر ابن قيم الجوزية في كتابه «التبيان في أقسام القرآن»: إقسامه سبحانه على إنعامه على رسوله، صلى الله عليه وسلم، وإكرامه له، وإعطائه ما يرضيه، وذلك متضمن لتصديقه له، فهو قسم على صحة نبوته، وعلى جزائه في الآخرة، وبآيتين عظيمتين من آياته دالتين على ربوبيته وحكمته ورحمته وهما الليل والنهار.
ويطابق هذا القسم، وهو نور الضحى، الذي يوافي بعد ظلام الليل، للمقسم عليه، وهو نور الوحي الذي وافاه بعد احتباسه عنه، حتى قال أعداؤه: ودّع محمداً ربه، فأقسم بضوء النهار بعد ظلمة الليل على ضوء الوحي ونوره، بعد ظلمة احتباسه واحتجابه، وأيضاً فإن فالق ظلمة الليل عن ضوء النهار هو الذي فلق ظلمة الجهل والشرك بنور الوحي والنبوة، فهذان للحس، وهذان للعقل.
ونفى سبحانه أن يكون ودّع نبيه أو قلاه، فالتوديع: الترك، والقلى: البغض، فما تركه منذ اعتنى به وأكرمه، ولا أبغضه منذ أحبه، وأطلق سبحانه أن الآخرة خير له من الأولى، وهذا يعم كل حالة يرقيه إليها هي خير له مما قبلها، كما أن الدار الآخرة خير له مما قبلها، ثم وعده بما تقر به عينه، وتفرح به نفسه، وينشرح به صدره، وهو أن يعطيه فيرضى وهذا يعم ما يعطيه من القرآن، والهدى، والنصر، وكثرة الأتباع، ورفع ذكره، وإعلاء كلمته، وما يعطيه بعد مماته، وما يعطيه في موقف القيامة، وما يعطيه في الجنة.
ثم ذكر سبحانه نعمه عليه من إيوائه بعد يتمه، وهدايته بعد الضلالة، وإغنائه بعد الفقر، فأمره سبحانه بأن يقابل هذه النعم الثلاث بما يليق بها من الشكر، فنهاه أن يقهر اليتيم، وأن ينهر السائل، وأن يكتم النعمة. قال مجاهد، ومقاتل: لا تحقر اليتيم، فقد كنت يتيماً، وقال الفراء: لا تقهره على ماله، فتذهب بحقه لضعفه، وكذلك كانت العرب تفعل في أمر اليتامى تأخذ أموالهم وتظلمهم، فغلظ الخطاب في أمر اليتيم، وكذلك من لا ناصر له يغلظ في أمره، وهو نهي لجميع المكلفين.
وقوله عز وجل «وأما السائل فلا تنهر» فقال فيه أكثر المفسرين: هو سائل المعروف والصدقة لا تنهره إذا سألك، فقد كنت فقيراً، فإما أن تطعمه، وإما أن ترده رداً ليناً، قال الحسن: أما إنه ليس بالسائل الذي يأتيك، ولكن طالب العلم، وهذا قول يحيى بن آدم.