يلاحظ الإنسان أن في أعماق نفسه قوة تحذره من فعل الشر إذا أغري به، وتحاول أن تصدّه عن فعله، فإذا هو أصرّ على عمله وأخذ يفعل أحسّ بعدم ارتياح أثناء الفعل لعصيانه تلك القوّة، حتى إذا أتم العمل أخذت هذه القوة توبخه على الإتيان به، وأخذ يندم على ما فعل . كذلك يحسّ بأن هذه القوة تأمره بفعل الواجب فإذا بدأ بعمله شجعه على الاستمرار فيه فإذا انتهى منه شعر بارتياح وسرور وبرفعة نفسه وعظمتها .
هذه القوة الآمرة الناهية تسمى الوجدان، وهي تسبق العمل وتقارنه وتلحقه فتسبقه بالإرشاد إلى عمل الواجب والتحذير من المعصية، وتقارنه بالتشجيع على إتمام العمل الصالح والكفّ عن العمل السيئ، وتلحقه بالارتياح والسرور عند الطاعة والإحساس بالألم والوخز عند العصيان .
هذا الوجدان نشعر به كأنه صوت ينبعث من أعماق صدورنا، يأمرنا بعمل الواجب ويحذرنا من المخالفة ولو لم نرج مكافأة أو نخش عقوبة خارجية، يجد البائس الفقير لقطة ويعتقد أنه لم يره أحد إلا ربه، وأنه لا تناله يد القانون، ثم يؤديها إلى صاحبها أو يبلغ عنها مركز الحكومة، فما الذي حمله على ذلك؟ لا شيء إلا الوجدان يأمر صاحبه بعمل الواجب، لا لمثوبة ولا لعقوبة إلا مثوبة نفسه بارتياحها وعقوبتها بالندم والتأنيب .
كثير من الحيوانات التي تعيش جماعات تخضع لعادات عرفت فيما بينها ويكون مخالفها محلاً للعقوبة من سائر القطيع، ويظهر أن كل فرد منها يشعر بأن هناك أشياء يجب أن تعمل، وأشياء يجب أن تُترك، والكلاب من هذا القبيل، لديها إدراك طبيعي للواجب، ويرقى هذا الشعور بمخالطتها للإنسان، حتى لنرى الكلب قد يفعل في الخفاء جُرماً، كأن يسرق شيئاً من سيده ويخالفه في أمر أمره به فيظهر على الكلب نوع من الاضطراب والقلق يعدّ جرثومة للوجدان، فإذا رقي كان هو الذي نشاهده في الإنسان .
ولمّا كان الإنسان بطبعه ميالاً لأن يعيش عيشة اجتماعية خُلق وفي طبيعته الميل إلى عمل ما يرضي مجتمعه والنفور مما يخالفه، حتى لنرى جرثومة ذلك في الطفل الصغير، يعلوه الخجل أحياناً فنتبينه في نظرته، ويدلّنا اضطرابه وقلقه على أنه ارتكب خطأ، وينمو هذا الشعور بنمو الإنسان حتى يصل إلى حد أن يملأه الفرح والغبطة إذا هو أدى الواجب، ويذوب أسفاً وندماً إذا عصى ما يأمر به الوجدان . هذا الشعور طبيعي عند الناس، حتى عند من لم يتعلم، والتربية ترقية كما ترقي كل قوى الإنسان وملكاته، فالمتوحش لديه الشعور في حالة السذاجة، كشأنه في حديثه وعرفه وحالته الاجتماعية، والمتمدن لديه هذا الشعور في حالة راقية، حتى قد يدفعه إلى بذل نفسه دفاعاً عن حرية قومه . من هذا يمكن أن نفهم أن الوجدان يختلف اختلافاً كبيراً بين الأمم حتى المتمدنة منها، فهي مختلفة في تقويم الخير والشر، ويتبع ذلك اختلافها في الوجدان، فالكسل في البلاد الباردة أشد مقتاً منه في البلاد الحارة، وكذلك الصدق والشجاعة والعدل وسائر الفضائل، فإن الأمم وإن اتفقت في عدها فضائل لا ترتبها ترتيباً واحداً، ولا تشعر أمة بأهمية كل فضيلة منها كما تشعر الأخرى، ويتبع ذلك اختلاف الوجدان، فإذا شعرت أمة بعظم فضيلة كان الوجدان أكثر إيجاباً للإتيان بها وأقوى أمراً في اتباعها . كذلك يختلف الوجدان باختلاف العصور، فإذا قارنت وجدان أمة الآن نحو شأن من الشؤون بوجدانها منذ قرنين أو ثلاثة مضت وجدت فرقاً كبيراً، فمنذ قرون كان الاسترقاق مألوفاً، وكانت المرأة تعامل معاملة قاسية وما كان الوجدان يستنكر ذلك، واليوم تمتهن الأمة كل ذلك وتعيب من ارتكب شيئاً منه . بل الشخص الواحد يختلف وجدانه باختلاف زمانه، فقد يرى شيئاً خيره في زمن حتى إذا رقي فكراً رآه شراً والعكس .
الوجدان ككل ملكات الإنسان وقواه يمكن أن ينمى بالتربية ويضعف بالإهمال، فبإهمال الوجدان أو عصيانه يضعف أو يموت، كالذي حكى عن دارون أنه كان في صباه مغرماً بالشعر ولكنه أهمل قراءته والنظر فيه ففقد هذا الميل في آخر حياته ولم يعد يشعر بما للشعر من جمال، وهذا الشأن في الوجدان يأمرك مرة بعمل فتعصيه فتحس بلذع شديد فإذا عدت إلى عصيانه أحسست بألم دون الألم الذي تشعر به عند أول مخالفة، ولا يزال الإنسان يُتبع السيئة السيئة حتى لا يشعر بأي نوع من اللوم والتأنيب، لأن صوت الوجدان قد خفت وسلطانه قد ضعف، وكما يضعف الوجدان بالإهمال أو العصيان يضعف بصحبة الأشرار أو إطالة القراءة في الكتب الرديئة، فكلا الأمرين يخدر الوجدان كما تفعل العقاقير المخدرة بالجسم .
حياتنا وسعادتنا في هذه الدنيا متوقفتان على أمانة العمال وإتقان عملهم، فصنّاع السفينة أو القاطرات إذا لم يتقنوا عملهم عرّضوا حياة أنفس كثيرة للأخطار، وقل مثل ذلك عن الأطباء والمهندسين والمدرسين وكل ذي مهنة . وإن الأمة لا تكون سعيدة حتى يقوم رجال الأمن بواجبهم، ويُعنى رجال الصحة بأعمالهم وهكذا . وإنما يحمل الناس على أداء واجبهم وإتقان صناعتهم ومهنتهم وجدانهم المركوز في طبائعهم وأعماق نفوسهم، فهو الذي يطالبهم بالدقة في ما يعملون، لا رغبة في مثوبة ولا خوفاً من عقوبة . فإذا فقدت أمة وجدانها فقدت سعادتها، بل حياتها .