هو عالم جليل ترك للبشرية تراثاً علمياً عاد بالنفع على الجميع . وعرف عنه إلمامه بالمعارف الشاملة، وإنه على جانب من الدهاء والذكاء وسعة الحيلة، كما عرف بقدرته العجيبة على البحث والاطلاع، وكان لاسمه مكانة رفيعة في أية قائمة لأكابر العلماء حيث يعد من أبرز العقول المفكرة في جميع العصور . إنه ابن الجزار أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن أبي خالد القيراوني الذي قال عنه ابن أبي أصيبعة في كتابه طبقات الأطباء: ابن الجزار ولد في مدينة القيروان بتونس وكانت تونس تعرف قديماً باسم إفريقيا في العام (898م) وتوفي على أغلب الآراء في الأندلس مقتولاً بالسم، وذلك في العام (980م) . . وعرف عنه أنه كان أبياً عزيز النفس، لا يتزلف لأحد السلاطين والأمراء، ولا يمتنع عن خدمة أي مريض، غنياً كان أم فقيراً، بل إنه كان رفيقاً بالضعفاء، ويبذل المال للفقراء والمساكين ويوزع عليهم الأدوية مجانا، إذ إنه كان من أسرة ثرية، وقيل إنه خلّف بعد مماته أربعة وعشرين ألف دينار .
وكان ابن الجزار بعيداً عن الشبهات ولم يخلد إلى اللذات، يشارك الناس أفراحهم وأتراحهم، ولا يأكل فيها . وكان يذهب إلى مدينة المنستير بساحل إفريقيا ويرابط فيها مع العباد والزهاد طوال أيام القيظ أو ينطلق في كل صيف مع مجاهدي البحر ليتصدى لسفن البنادقة والسفن البيزنطية في البحر المتوسط .
وتذكر الدكتورة رحاب إبراهيم سليمان عيسى في كتابها أبرز العلماء العرب والمسلمين وماذا قدموا للعلم أن ابن الجزار نشأ في أسرة ذات علم ومال، فأبوه إبراهيم بن أبي خالد كان طبيباً للعيون، وعمه محمد بن أبي خالد كان أشهر الأطباء الجراحين في زمانه، وعلى أيديهما تتلمذ أحمد بن إبراهيم، كما تتلمذ على أيدي إسحاق بن سليمان وكان طبيباً حاذقاً استقدمه آخر أمراء الأغالبة زيادة الله الثالث من مصر إلى تونس في العام 93هـ (905م)، وإسحاق بن عمران وكان قد استقدمه أمير الأغالبة ابراهيم الثاني في العام 261هـ (874م) من العراق إلى القيروان .
دراسات واسعة
وأشار عادل الشيخ حسين في كتابه ابن الجزار القيرواني إلى أن ابن الجزار درس الترجمات اللاتينية لكتب الطب والأدوية المفردة والمركبة، مثل: المقالات الخمس لبدانيوس ديوسقريدس الذي عاش في القرن الأول الميلادي، وكان كتابه هذا ذا أثر كبير في الدراسات الصيدلانية والنباتية عند العرب وعند الأوروبيين في القرون الوسطي، المقالات الست في الأدوية المفردة لقلاوديوس جالينوس الذي عاش في القرن الثاني الميلادي، وكان أشهر طبيب يوناني في تأريخ الطب العربي الإسلامي . إبدال الأدوية المفردة والأشجار والصموغ والطين لفيثاغورث الذي عاش في القرن السادس قبل الميلاد، الأحجار لأرسطوطاليس الفيلسوف اليوناني، الذي عاش في القرن الرابع قبل الميلاد، الزينة لملكة مصر كليوباترا، في الزينة لقريطن وهو عالم يوناني . كما درس ابن الجزار مؤلفات لكل من أبقراط، وهو عالم يوناني في الطب عاش في القرن الرابع قبل الميلاد، وبولس الأجانيطي الذي عاش في مصر في القرن السابع الميلادي وروفوس الأفيسي وهو طبيب يوناني . عاش في بداية القرن الثاني الميلادي . وكذلك اطلع ابن الجزار على كتب العديد من العلماء في الطب والصيدلة وعلوم الحياة وغيرها مثل: تيادوق وهو طبيب سرياني مسيحي خدم في العراق . وماسرجويه وهو طبيب سرياني يهودي عاش في أوائل القرن الثامن الميلادي، ويوحنا بن ماسويه وهو سرياني مسيحي عاش في العصر العباسي الأول ببغداد، وابن اسحاق الكندي وهو فيلسوف عربي مسلم توفي في العام 256 هـ، (870م) .
منهج ابن الجزار
وأوضح د جمعة شيخة في بحثه المنهج العلمي عند ابن الجزار المقدم إلى ندوة ألفية ابن الجزار بتونس في العام 1984 م، الخطة العامة في مؤلفات ابن الجزار الطبية والصيدلانية: فمن حيث المرض نراه يخص بعض الأعضاء بالبحث وبعض الأمراض بالتأليف، ككتابه في المعدة، ومقالته في الجذام، ورسالته في الزكام .
ومن حيث طبقته الاجتماعية: يخصص كتاباً للفقراء، ويفرد للخواص كتابا . ومن حيث البحث: جعل قسماً من مؤلفاته متعلقاً بالأدوية وآخر بالأمراض . وبالنسبة إلى الأدوية: خصص بعض كتاباته للأدوية المركبة، وبعضها الآخر للأدوية المفردة . ومن حيث الممارسة الطبية: فرق بين بيت الوصف (مكان فحص المريض) وبين الصرف، (مكان تقديم الدواء له) .
وتلفت الدكتورة رحاب إبراهيم سليمان عيسى في كتابها أبرز العلماء العرب والمسلمين وماذا قدموا للعلم النظر إلى أهم مؤلفات ابن الجزار فتقول: إنه ألف زاد المسافر وقوت الحاضر وله كتاب في الأدوية المفردة وكتاب في الأدوية المركبة يعرف بالبغي وكتاب كبير في الطب اسمه قوت المقيم وكتاب في طب الفقراء . ومن كتبه أيضاً رسالة في النفس وكتاب في المعدة وأمراضها ومداواتها ورسالة في إبدال الأدوية ورسالة في الزكام وأسبابه وعلاجه والمختبرات ورسالة في المعدة وأوجاعها والجذام وأسبابه وعلاجه .
ولم يقف ابن الجزار عند حدود الطب والصيدلة، فلقد وهبه الله عقلية موسوعية، فألف في التاريخ والسير: مغازي إفريقية، وأخبار الدولة، التعريف بصحيح التأريخ، وطبقات القضاة، وفي الجيولوجيا: الأحجار، وفي الجغرافيا: عجائب البلدان، وفي الفلسفة: رسالة في النفس، رسالة في الاستهانة بالموت، وفي الأدب واللغة: المكلل في الأدب، الفصول في سائر العلوم والبلاغات .