كانت لدى العرب قبل الإسلام معرفة بالطب لكنها على الأعم الأغلب مبنية على التجربة وبعضها كان من خبراتهم التي اكتسبوها عن طريق اتصالهم بالأمم الأخرى، وورد في أشعار العرب ما يدل على معرفتهم بالطب فمن أشعارهم:
ما كان في الرأس أخرجه بغرغرة
فالقيء يخرج ما في الصدر من عفن
وكل ما كان في صلب فذلك لا
يسيل إلا بأخلاط من الحقن
واشتهر من أطباء العرب في الجاهلية ابن خديم الذي كان طبيباً حاذقاً يضرب به المثل فيقال: أطب من ابن حذيم والحارث بن كلدة، ورفيدة الأسلمية، وزينب طبيبة بني أود التي كانت صاحبة خبرة في مداواة أمراض العين وكانت بعض علاجاتهم في الطب مبنية على السحر والشعوذة .
ولما جاء الإسلام، حث الرسول صلى الله عليه وسلم على النظافة، وأوصى بالحجر الصحي ومن أقواله: ما ملأ آدمي وعاء شراً من بطنه وقد عملت بعض النساء ممرضات مع الجيش الإسلامي، يعالجن الجرحى ويقدمن الدواء لمن يحتاج إليه مثل رفيدة الأسلمية، ونسيبة بنت كعب المازنية وزينب طبيبة بني أود التي اشتهرت بالجراحة في صدر الإسلام . لقد حارب الإسلام الخرافة التي ارتبطت بالطب ونهى عن اللجوء إلى العرافين والكهان، وأبطل المداواة بالسحر والشعودة وسمح باستشارة الأطباء حتى وإن كانوا من غير المسلمين، فعندما مرض سعد بن أبي وقاص في مكة عادة رسول الله واستدعى الحارث بن كلدة ليعالجه . وألف العلماء المسلمون كتباً تحمل اسم الطب النبوي وتفسيراً لما أورده الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا المجال، منها كتاب الطب النبوي لابن قيم الجوزية (ت 750ه - 1349م)، وكتاب المنهل السوي في الطب النبوي لجلال الدين السيوطي (ت 911ه - 1506م) وزاد اهتمام المسلمين بالطب في العصر الأموي وشجع الخلفاء الأطباء على الحضور إلى دمشق، وأغدقوا عليهم الأموال لترجمة المؤلفات الطبية إلى اللغة العربية ومزاولة مهنة الطب، واتخذ بعضهم أطباء لهم، فمعاوية بن أبي سفيان جعل ابن آثال طبيبه الخاص وأكرمه وأحسن وفادته . وأولى خالد بن يزيد الطب عناية كبيرة فكان ينفق بسخاء على جمع الكتب الطبية وترجمتها . ويعد الوليد بن عبدالملك هو أول من أنشأ المستشفيات في الإسلام، وخصص لها الأطباء وحدد لهم المرتبات والأرزاق وازدهر الطب في عصر بني العباس نتيجة الاهتمام الزائد من الخلفاء بسبب حاجة بعضهم إلى الأطباء لعلاجهم مثل أبي جعفر المنصور الذي استقدم جرجيوس الطبيب من جنديسابور لعلاجه، ونتيجة الاهتمام بالحركة العلمية وحركة النقل والترجمة كان للطب نصيب وافر من هذا الاهتمام، فأقام هارون الرشيد بيمارستاناً كبيراً في بغداد لتعليم الطب والعلاج، والحق به مكتبة كبيرة، وأنشئت في أوائل القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي أول نقابة طبية في الإسلام لتجيز للأطباء ممارسة مهنة الطب . وكان للمسلمين دور كبير في مجال الطب فدرسوا علوم الأولين خاصة اليونان وترجموا كتبهم إلى اللغة العربية، فعدلوا فيها وصححوها، وأضافوا إلى الطب إضافات جديدة لم يسبقهم إليها أحد . ومن منجزاتهم في هذا المجال، تعليل الكثير من الأمراض وتحديد الدواء المناسب لها كأمراض الجدري والحصبة والتهاب السحايا والسل الرئوي، وعرفوا الدورة الدموية الصغيرة وتنسب معرفتها إلى ابن النفيس، وكانوا أول من استخدم المخدر في الطب والعمليات الجراحية، وذلك باستعمال نبات الزؤان أو الشيلم، واستخدموا العقاقير المخدرة لتسكين الألم . وعرفوا الأمراض النفسية ووصفوا لها العلاج، وفسروا كثيراً من الاضطرابات التي تصيب الإنسان وأدرك الرازي أثر الموسيقا في نفسية المريض .
واستخدموا الآلات في الجراحة كالمقص والمبضع والصنارة وغيرها . وقاموا باستخراج الحصاة أو تفتيتها في المسالك البولية . واستخدموا مصارين الحيوانات في خياطة الجروح، وقاموا بتشريح العين والتعرف إلى أجزائها، وعرفوا علاج الماء الذي يصيب العين كما عرفوا تعقيم الجروح وتطهيرها بالكي والقوابض . وقاموا ببناء المستشفيات في خلافة الوليد بن عبدالملك حيث أمر ببناء مستشفى لحبس المجذومين حتى لا يختلطوا بالناس، وآخر للمصابين بالعمى، ثم تطور بناء المستشفيات، واهتم المسلمون باختيار الأماكن المناسبة لبنائها .