الشارقة - "الخليج":
يعنى الباحثون والآثاريون بالأماكن الإماراتية القديمة، سواء كانت مبنى تراثياً كالأبراج أو الحصون، أو منزلاً، أو معلماً ارتبط بحادثة تاريخية ما، بوصف هذه الأماكن شاهدة على حقبة زمنية تعود لعشرات السنين، وتؤرخ لكثير من الملامح والقصص والحكايا التي تربط الماضي بالحاضر، غير أن ما هو مهم أيضاً، الالتفات إلى العناصر المعمارية التراثية في هذه المباني، وتلك التفاصيل التقليدية التي طبعت عمارتها، وتكاد تكون متشابهة في مدن الإمارات كافة من شمالها إلى جنوبها .
إن العناصر المعمارية القديمة، وما تنطوي عليها من قيم جمالية وتصميمية، هي من الأمور اللافتة في المباني القديمة التي تشترك في كثير من المفردات والتصميمات، وهي مفردات تعبر عن روح المكان في البيئة المحلية، كما تعكس بالضرورة جملة من القيم والعادات الأصيلة، التي تجعل من هذه الأماكن أيقونات معمارية تقليدية تعكس هوية هذه المنطقة .
ومن جهة أخرى فقد صممت بعض هذه المباني بالاستفادة من روح ومفاهيم العمارة الإسلامية، وإن كانت الغالبية العظمى من هذه العمارة مصممة بالطريقة التقليدية القديمة التي تعتمد البيئة المحلية مصدراً يمدها بالمواد والاستخدامات اللازمة كالطين والحجارة والأخشاب التي تستخدم في كثير من التفاصيل المعمارية الداخلية والخارجية .
تتجلى في المفردات المعمارية التراثية في الإمارات الكثير من التصميمات المميزة، كما الكثير من المباني القديمة في إمارة دبي، في البستكية والشندغة، وتؤكد المصادر أن البيئة المحلية كانت على الدوام مساعداً أساسياً يوفر المواد المستخدمة في المباني القديمة ومن ذلك الحجارة مثل حجر كبريتات الكالسيوم (الجبس والجص) الذي يستخرج من منطقة جبل علي، ومنطقة القرهود .
هذا النمط المعماري، وما يتمتع به من خصائص يمكن أن نشاهده في عدد من المباني التاريخية سواء السكنية التراثية أو المساجد وكذلك (القلاع والحصون) .
وقد درج المعماريون في هذه الأيام على استخدام بعض عناصر العمارة القديمة في تصميماتهم الحديثة، نظراً لبساطتها وملاءمتها للبيئة المحيطة، إلى جانب عدم مغالاتها في استخدام الزخارف، ومواءمتها لكثير من الظروف كالحرارة والرطوبة، وسطوع أشعة الشمس طوال العام، حتى إن بعض المختصين ربط تأثير البيئة التقليدية والتراثية في الإمارات وانعكاسها على العمارة الحديثة في بعض المناطق والأحياء السكنية الجديدة، بشغف الناس بجمال العمارة التقليدية وحرصهم على إبرازها واستمرارها إلى اليوم .
من المباني القديمة يمكن الإشارة إلى حصن الشارقة الذي تم بناؤه في عام 1830 وهو يعتبر نموذجاً لفن العمارة الإسلامية، وكان في السابق سكناً للأسرة الحاكمة كما تم ترميمه في منتصف عام 1990 وكان هذا الحصن بحوائطه القويه أعظم صرح على امتداد الخور، وتوجد به الآن مشغولات فنية وصور من الماضي وأسلحة قديمة، مثل السيوف والخناجر والدروع إضافة إلى أدوات يعود استخدامها إلى حوالي 200 عام . وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى منطقة التراث في الشارقة، ويحيطها سور ذو أبراج ومربعات تضم عناصر كالمرامي والمزاغل "الفتحات"، مبنية من الحجر البحري والجص، وتحتضن في داخلها الأزقة الكبيرة والصغيرة المتعرجة، كما تضم مدينة الشارقة القديمة مباني ووحدات سكنية كالبيوت وخدمية كالسوق القديم الذي يعرف باسم "العرصة"، الذي افتتح عام ،1995 وهو من أقدم الأسواق الشعبية في الإمارات، قريب من بيت النابودة الشهير ومتحف الشارقة، ولهذا السوق بوابات أربع تحمي المحال في داخل السوق، ومن يزره يلحظ سمات الطراز المعماري التراثي الإماراتي القديم . وقد بنيت حول إحدى هذه البوابات مجموعة من الدكاكين امتدت فيما بعد لتكون خطاً مستقيماً يشوبه التعرج، وتتخلله الأزقة (السكيك)، وقد شكلت في مجملها نمطاً معمارياً خدمياً، حيث يحتوي السوق على عدد من المحال تربو على المئة وتقدم خدمة يومية للساكنين والزائرين على حد سواء .
وفي الشارقة القديمة بعض المجالس والمساجد، هذه المساجد التي تعتبر عنصراً بارزاً للمباني الدينية، وقد بنيت بالاعتماد على الموروث الذي يدين لتاريخ العمارة التقليدية في الإمارات بالشيء الكثير .
مداخل البيوت والغرف والواجهات المنتشرة في منطقة التراث عليها بعض الزخارف المنقوشة على الأبواب، والشبابيك والأعمدة، وهي تدل على روح إبداعية وفنية لعناصر البناء في الشارقة القديمة .
ومن البيوت البارزة في منطقة التراث أيضاً بيت خالد بن إبراهيم وهو من البيوت التراثية التي ينطبق عليها الطابع المعماري الذي يسم منطقة التراث من حيث مراعاته للنسق المعماري المتبع، وقد استخدمت فيه خامات ومواد مجلوبة من البيئة المحلية، كما تميز بعدة تفاصيل معمارية تبرز التفاصيل الداخلية للبيت لا سيما في أبوابه الثلاثة: الباب الرئيسي، وباب المجلس، وباب المدخل الداخلي، وتحيط ببيت المرحوم خالد بن إبراهيم، الواقع في جنوب منطقة المريجة أزقة صغيرة من جانبيه الشرقي والغربي، وتوجد باحات للبيت في الشمال والجنوب، وهو مزين ب "بارجيل" ثنائي الفتحات، ومزغل أفقي، وهو أساساً مبني على التراث البحريني منذ أكثر من مئة عام تقريباً .