وجود ولد وحيد بين شقيقات، أو بنت وحيدة بين أشقاء، مأزق تربوي، لأن الطفل في الحالتين يتأثر سلوكياً ونفسياً بمن هم حوله، الأمر الذي يتطلب جهداً مضاعفاً من الوالدين للوصول بصغيرهم إلى بر الأمان، بعيداً عن العقد والأزمات النفسية ويكون قادراً على اكتشاف هويته الحقيقية.
التحقيق التالي يرصد هذه المشكلة التربوية التي تواجه معظم الآباء والأمهات من خلال آراء الخبراء والمعنيين بالأمر.
سميرة الكعبي أم لأربعة أطفال بينهم طفلة واحدة تقول: ابنتي هي الطفلة الثانية، عمرها الآن 8 سنوات، أنجبت قبلها طفلاً، وبعدها طفلين، وما ألاحظه وأحاول معالجته باستمرار، أنها في تصرفاتها قريبة من الأولاد، خاصة وأنها باستمرار مع أشقائها، بل أرى أنها بينهم تأخذ دوراً قيادياً، فهي التي تقود اللعب دائماً، ومن جانبي أحاول أن اجتذبها لعالم الأنثى فأتعمد أن أجلس معها وأشعرها أنها تختلف عن أشقائها، ولا أدري ما اذا كانت هذه مرحلة ستمر أم أنها ستؤثر في شخصيتها مستقبلاً، خاصة وأنها مندمجة معهم أغلب الوقت، كما أنها عنيدة.
إبراهيم العبدولي، موظف، أب لخمسة أطفال بينهم طفل واحد ذكر يقول: الطفل مشكلة، وعن نفسي كنت أفضل لو كان لابني شقيق ولد مثله، وهذا الوضع يجعل مسؤولية الأب أكبر تجاه ابنه، حتى يعلمه ويفهمه الفرق بينه وبين شقيقاته في الطبيعة والسلوك، لأن الطفل يكتسب سلوكه من المحيطين به، وفي هذه الحالة لو أن الأب لم يقم بدوره سوف يتطبع الولد بطبع الفتيات، وأنا أحاول أن أقضي معه أكبر وقت ممكن، كما أوجهه للألعاب الرياضية والنشاطات التي تصقل شخصيته، وتفتح المجال أمامه للاحتكاك والتعامل مع أبناء جنسه، وهذا يفرض عليّ تخصيص وقت أكبر له حتى لا أخسره فأنا أرغب أن يشب ابني بشخصية سوية.
إيمان العويس موظفة تربت كطفلة وحيدة بين مجموعة من الأشقاء تقر أن هذا الأمر كانت له آثاره على شخصيتها وحياتها، وتقول: تربيت بين شقيقين أحدهما يكبرني، وفي طفولتي ارتبطت بهما، وكنا أغلب الوقت معاً في مأكلنا ومشربنا وألعابنا، وطبعاً كنا دائماً نلعب ألعاب الأولاد، لأنها أكثر تشويقا ومع الوقت اندمجت في هذا العالم وحتى عندما دخلت المدرسة لم استطع تكوين صداقات بسهولة مع بنات جنسي ولا أجد متعة في مشاركتهن ألعابهن التي لا تستهويني، واستمر هذا الأمر حتى دخلت المرحلة الثانوية، ومع الوقت بعد أن بدأت أدرك مشكلتي بدأت أحاول أن اندمج في عالم البنات، وأوسع صداقاتي وأوجه اهتماماتي إلى ما يخص الفتيات، وأعتقد أنني تغلبت على هذه المشكلة، وفي رأيي أنها مرحلة تنتهي والطبيعة الحقيقية تغلب في النهاية.
سميح عبدالله (جامعي) يقول: ولدت وحيداً بين ثلاث شقيقات، وكنت الابن الأصغر، وفي طفولتي تشكل عالمي من هذه التركيبة، أم وثلاث شقيقات، الأخت الأكبر كانت بالنسبة لي بمثابة الأم الثانية فهي شديدة الحنان علي منذ طفولتي، وحتى الآن والأخرى مشاكسة بعض الشيء ولكنها حنونة، أما شقيقتي التي تكبرني مباشرة فهي صديقتي، وتستشيرني وأستشيرها في كل أمورنا، وأنا لا أشعر أن تربيتي بين شقيقات كان لها تأثير سلبي فيّ، وأرجع الجزء الأكبر من الفضل في هذا لأبي، خاصة وأن أمي كانت تميل إلى تدليلي، ولكن أبي كان له دور عظيم في تكوين شخصيتي، فقد كان باستمرار يتعمد أن يجعلني أتحمل المسؤولية، ويوكل إليّ بعض المهام منذ الطفولة ويحدثني دائما عن أنني بالنسبة لشقيقاتي الأخ الرجل الذي يجب أن يعتمدن عليه.
م.خ (موظفة) قالت: شقيقتي لديها ثلاث بنات، وطفل واحد ذكر هو الأصغر، والآن عمره 7 سنوات، وفي الحقيقة لا تعجبني شخصيته على الإطلاق، وأشعر بالقلق عليه، وهذا كله بسبب شقيقتي، وطريقتها في تربيته، والأسلوب الذي اتبعته معه منذ ولادته، فعندما ولد بدأت تلبسه ملابس شقيقاته البنات، وكانت تترك شعره طويلاً مثلهن، حتى عودته على ذلك، وانطبع هذا على تصرفاته، فأجده يميل الى اللعب مع الفتيات، وليس له أصدقاء من الأولاد، ومتأثراً كثيراً بشقيقاته خاصة التي تكبره مباشرة فشخصيتها مسيطرة عليه بشكل كبير.
الدكتورة عائشة الأنصاري أستاذة علم النفس تشير إلى أن الطفل الوحيد بين بنات سيواجه بعض الصعوبات لأنه يعيش أغلب الوقت في بيئة أنثوية، والأب غائب في عمله معظم أوقات النهار، والطفل لا يرى إلا أمه وشقيقاته البنات، وهذا يولد لديه الشعور بأنه مختلف عن الجميع، والرغبة في العزلة.
ويعلق الدكتور علي زاهر أستاذ علم النفس قائلاً: تأثر الطفل الوحيد بين أشقاء من جنس آخر بطباع وسلوك الأغلبية، موجود ومعروف علمياً وله تحليلاته النفسية، ومن بين المظاهر المتكررة في هذا الشأن نجد الطفل إذا كان ولد بين مجموعة من البنات، تظهر عليه بعض مظاهر التأثر في تصرفاته وميوله وحتى في ردوده الانفعالية، مثل البكاء السريع مثلا، إذ يصبح البعد الانفعالي لديه قريبا من البعد الانفعالي لدى الفتيات، وإذا لم يفطن الأهل لهذه الأمور ويعملون على تقويمها بشكل سليم من الممكن أن تتفاقم المشكلة مع العمر، حتى مرحلة البلوغ والأمر نفسه بالنسبة للطفلة الفتاة التي تتأثر بسلوكيات أشقائها، فنجدها تميل للألعاب الذكورية وللملابس التي تشبه ملابس أشقائها، وحتى طريقة حديثهم وحركاتهم، كما أنها تشعر بأنها مضطرة للتنافس معهم لتكون على مستواهم، وتجد صعوبة في الاندماج مع بنات جنسها أو تكوين صداقات معهن لاختلاف الميول والاهتمامات.
الدكتور عماد الأسيوطي أستاذ علم الاجتماع يلقي الضوء على دور الأبوين الذي يمكن أن يساعد الطفل الوحيد على تخطي هذه المرحلة قائلاً: لا بد أن ينتبه الأهل لأكثر من جانب في حالة وجود طفل وحيد في الجنس ضمن أطفالهم، ويتفهموا أنها حالة لها خصوصية، ومن الممكن أن تؤثر بشكل سلبي في التكوين السلوكي للطفل أو الطفلة، إذا لم يتدخلوا لتعديل المسار فالطفلة التي تتربى بين مجموعة من الذكور، تتأثر مع الوقت بالبيئة المحيطة بها والتي يطغى عليها الطابع الذكوري فتبدأ في التصرف مثلهم والتحدث بطريقتهم ومشاركتهم ألعابهم، ومع الوقت تفقد خصوصيتها كأنثى، ويغلب عليها سلوك التصرف كولد، وعلى العكس فيما يخص الطفل الولد، فنجد علامات النعومة تظهر عليه في طريقة الحديث والتصرفات ورغبته الدائمة في الاختلاط واللعب مع البنات، وهذا لتعوده على الاختلاط بشكل مستمر بشقيقاته ومشاركتهن ألعابهن، وهنا يبرز دور الأب والأم فيجب أن يتعاونا على تعزيز الهوية الخاصة بالطفل أو الطفلة، من خلال التقرب له ومصادقته ومتابعة تصرفاته وميوله، ويتدخلا لتصحيح الأمر لديه، وتوجيهه التوجيه لما يناسبه، مع الانتباه إلى أن يكون التعامل ضمن المنظومة التقليدية العادية للتربية، ودون استخدام القسوة المفرطة أو الدلال المبالغ فيه، حتى لا تتأثر نفسية الطفل أو نفسية بقية الأشقاء.
الدكتورة ملك حسين قالت: بالنسبة للطفل الوحيد يكون دور الأب بشكل خاص مهماً ومؤثراً على اعتبار أن الأب هنا سيكون العنصر الذكوري الوحيد داخل البيت الذي يستطيع الطفل اكتساب طباعه وسلوكياته منه، ولهذا عليه التقرب منه واصطحابه لبعض النشاطات كالمباريات مثلا ويكون قريباً منه باستمرار ويصادقه حتى يكتسب الطفل سلوكياته، وفي الحالة المعاكسة أي البنت الوحيدة، يأتي دور الأم في تعليم ابنتها المهارات الأنثوية من خلال الانتباه إلى تسريحة شعرها، ونوعية ملابسها، وتقويم سلوكها وطريقتها في الكلام والحركات، ومشاركتها في بعض أعمال المنزل الخفيفة، مثل إعداد الطعام، وحتى الألعاب يجب أن يتم اختيارها على هذا الأساس، فلا تختار لها الألعاب الذكورية.
الدكتور عادل الراوي أستاذ علم الاجتماع، يرى أن هذه التركيبة وإن كانت لها سلبيات فلها إيجابيات أيضا، ويلقي الضوء على جوانب إيجابية فيها قائلاً: في كل الحالات لا تكون التأثيرات التي يتعرض لها الطفل أو الطفلة الوحيدة دائما سلبية، بل على العكس فقد يكون لهذا الوضع تأثيرات ايجابية في تكوين الشخصية، فوجود طفل وحيد بين عدد من الأشقاء الذين يختلفون عنه في الجنس، يعطيه الخصوصية، ومن الممكن أن تدعم شخصيته بشكل استثنائي، فبالنسبة للفتاة يعطيها هذا قدر أكبر من الاهتمام، وتصبح كالملكة الصغيرة بين أفراد أسرتها، يحيطها الجميع بالعناية والاهتمام وهذا يكسبها ثقة بالنفس وشعورا بقيمتها، وفيما يخص الولد الوحيد بين بنات فهذا يترك لديه انطباعاً بالتعود على تحمل المسؤولية المبكرة، ولديه فيض من الحنان وليس معنى هذا الليونة أو الضعف، فالعامل الحاسم هنا هو أسلوب الأب والأم في التعامل مع هذه الحالة، وقدرتهم على غرس المفاهيم السوية لدى أطفالهم، فالمسؤولية التربوية التي تقع على عاتق الآباء هنا، هي مساعدة هذا الطفل على اكتساب صفاته الحقيقية، ولكن مع تجنب الخطأ الذي يقع فيه بعض الآباء، وهو الدلال الزائد.
الدكتورة منى يوسف أستاذ علم الاجتماع تؤكد أهمية أسلوب تعاطي الأبوين مع هذه الحالة قائلة: إذا كانت هذه الصورة تثير مشكلة، فإنها لا تأتي من طبيعتها أو لزاما لها ولكنها تأتي من طريقة تعامل المجتمع معها، ومفاهيمه حولها، فمن الآباء من يميز الطفل الوحيد عن باقي أشقائه، خاصة إذا كان ذكرا فيصبح هو المدلل، وهذا الأسلوب على المدى البعيد يمكن ان يتسبب في تدمير شخصية الابن وتحويله إلى شخص سلبي اتكالي عالة على أسرته، والمجتمع عندما يكبر، أما في حالة الفتاة الوحيدة بين عدد من الأولاد نجد في بعض الأسر أنها تحاط بما يشبه الحصار، وينصب كل فرد في الأسرة نفسه حارساً ورقيباً عليها، بدءاً من الأب والأشقاء، فيدققون في كل تفاصيل حياتها، مما يولد لديها نفوراً من جنسها، وأحياناً تتمنى لو كانت ذكراً، لتتمتع بما للذكور من صلاحيات، وتعفى مما عليها من ضغوط، وهذا بالطبع كله من صنع الآباء وتعاطيهم الخاطئ مع حالة الطفل الوحيد وعلى العكس من الممكن تحويل هذه الصورة بشكل إيجابي تماما إذا تفهمها الآباء، وتعاملوا معها بالأسلوب التربوي السليم.