القاهرة - عيد عبدالحليم:
يمثل "الموت" وطقوسه الجنائزية حالة خاصة في الموروث الشعبي، بما فيها من بكائيات وعادات تختلف من مكان إلى آخر، وفي محاولة للتخفيف من الألم والتعبير عن الوجع الإنساني العميق الذي يعتري أهل المتوفى في تلك اللحظات الرهيبة عند وداع الأحبة .
سجل المصريون القدامى هذه الطقوس في كتاب هو أشهر الآثار المكتوبة الباقية من الحضارة الفرعونية، وهو "كتاب الموتى"، الذي سجل اللحظات بين الموت والحياة ولحظة الفقد بطريقة سلسة تخفف من وطأة الألم، وتؤكد أن الذكرى حياة أخرى للإنسان، وأن الموت ليس نهاية المطاف، وقد دلت على ذلك عدة عبارات في هذا الكتاب القيّم ومنها:
"لقد جئت
اندفع إلى الأمام اندفاعا
لعل اسمي يذكر"
ولعل ترانيم كتاب الموتى، تحمل في طياتها دعوة للتسامح والعدل عبر لغة أقرب إلى الشعر، ما جعل بعض النقاد يشير إلى أن هذا الكتاب يعد مقطوعة أدبية نادرة، واعتبره البعض الآخر بداية حقيقية للشعر المنثور .
ومن الترانيم التي تدل على قوة الحدث وقوة استقباله أيضاً، وأنه ليس نهاية المطاف، بل هو بداية للحياة الآخرة بما فيها من خلود: تقول إحدى هذه الترانيم: "ولعل روحي تمضي قدماً، وتسير هنا وهناك، وفي كل موضع يبعث السرور، ولعل اسمي ينادي، وعسى أن يوجد على سطح مائدة القرابين في حضوري مثلما تقدم لأتباع حورس لعله قد أعد لي مقعداً في زورق الشمس في كل يوم يبزغ فيه الإله، وعسى أن استقبل في حضرة أوزوريس في أرض الانتصار، أرض العدل والحق" .
وهناك أيضاً في الحضارة الفرعونية ما عرف بالموسيقى الجنائزية، وكان "الميت" يزف إلى مثواه الأخير بالغناء الحزين في موكب جنائزي، وهذا ما تدل عليه الرسوم على الجداريات في المعابد المصرية القديمة .
وأشار "هيرودوت" إلى وصف الاحتفالية الجنائزية من خلال ما شاهده في مصر قائلاً: يأتي كهان المنطقة في جزيرة فيلة كل يوم يملأون الجرار التي تحيط بمقبرة "أوزوريس" باللبن وعددها 36 جرة، ثم يصطفون حولها وهم يغنون ويرتلون أغنيات جنائزية .
أما عن الآلات الموسيقية التي كانت يعزف بها في هذه المواكب مثل البوق وهو آلة نفخ كانت تصنع من قرون الحيوانات .
وقد وصف "ديودور الصقلي" طقوس إحدى الجنازات لأحد ملوك العصر القديم، حيث أشار إلى أن الحداد بلغ 72 يوماً، حيث يجتمع الناس يومياً مرتدين زياً أبيض واصفين محاسن ذلك الميت وفضائله، وقد أورد عدودة كانت ترتلها إحدى بناته تقول فيها:
أغني لك يا أبي مولولة أغنية حزينة
وأنت راقد هكذا تحت الثرى
أكرس نفسي لرثائك دوما
بهذه الطريقة كل يوم
وفي العصور التالية لذلك ظهرت "النائحة"، التي تجيء لتعدد بحيث تجلس في وسط بيت المتوفى من أول حالة الوفاة، مروراً بالغسل حتى الدفن، ومن العديد المعروف في ريف مصر:
كام ياغسال تدهيني؟
تخلع هدوم الزين وتديني
كام ياغسال ترجفني؟
تخلع هدوم الزين وتحدفني
ولا تنزلوني القبر بالعاصي
حالق جديد لا تعكسوا راسي
ولا تنزلوني القبر بالهمة
لابس جديد لا تعكسوا العمة
وهذه العادة ليست وليدة العصر الحديث بل لها جذور في العصر الفرعوني القديم .
وإن تنوعت لغة "العديد" عبر تنويعات زجلية تتوارثها الأجيال، ومنها هذه العدودة:
"ياعود طري وانكوى
ميل ومال ع الأرض
امبارح كان في وسطنا
والليلة تحت الأرض
ومن النماذج التي يرددها المشيعون قولهم في بعض قرى الريف المصري:
يا قبر جايلك شاب زين
خايل في لف العمامة
علشان خاطر نبينا الزين
يا رب تغفر له يوم القيامة"
أما جنازات الأقباط فلها خلفيات ثقافية، وهي أيضاً مختلفة ومتنوعة في طقوسها، فبعض العائلات تكتفي بالترانيم التي تلقيها الشماسة، التي تردد كأناشيد، أما الأغنياء فيدمجون الترانيم بالألحان الجنائزية من خلال تأجيرهم عازفين ومنشدين محترفين .
وهناك "القداس الجنائزي"، الذي تردد فيه النصوص المأخوذة من الكتاب المقدس، وألحانه مأخوذة من ألحان صلوات الفجر والغروب .
يمثل "الموت" وطقوسه الجنائزية حالة خاصة في الموروث الشعبي، بما فيها من بكائيات وعادات تختلف من مكان إلى آخر، وفي محاولة للتخفيف من الألم والتعبير عن الوجع الإنساني العميق الذي يعتري أهل المتوفى في تلك اللحظات الرهيبة عند وداع الأحبة .
سجل المصريون القدامى هذه الطقوس في كتاب هو أشهر الآثار المكتوبة الباقية من الحضارة الفرعونية، وهو "كتاب الموتى"، الذي سجل اللحظات بين الموت والحياة ولحظة الفقد بطريقة سلسة تخفف من وطأة الألم، وتؤكد أن الذكرى حياة أخرى للإنسان، وأن الموت ليس نهاية المطاف، وقد دلت على ذلك عدة عبارات في هذا الكتاب القيّم ومنها:
"لقد جئت
اندفع إلى الأمام اندفاعا
لعل اسمي يذكر"
ولعل ترانيم كتاب الموتى، تحمل في طياتها دعوة للتسامح والعدل عبر لغة أقرب إلى الشعر، ما جعل بعض النقاد يشير إلى أن هذا الكتاب يعد مقطوعة أدبية نادرة، واعتبره البعض الآخر بداية حقيقية للشعر المنثور .
ومن الترانيم التي تدل على قوة الحدث وقوة استقباله أيضاً، وأنه ليس نهاية المطاف، بل هو بداية للحياة الآخرة بما فيها من خلود: تقول إحدى هذه الترانيم: "ولعل روحي تمضي قدماً، وتسير هنا وهناك، وفي كل موضع يبعث السرور، ولعل اسمي ينادي، وعسى أن يوجد على سطح مائدة القرابين في حضوري مثلما تقدم لأتباع حورس لعله قد أعد لي مقعداً في زورق الشمس في كل يوم يبزغ فيه الإله، وعسى أن استقبل في حضرة أوزوريس في أرض الانتصار، أرض العدل والحق" .
وهناك أيضاً في الحضارة الفرعونية ما عرف بالموسيقى الجنائزية، وكان "الميت" يزف إلى مثواه الأخير بالغناء الحزين في موكب جنائزي، وهذا ما تدل عليه الرسوم على الجداريات في المعابد المصرية القديمة .
وأشار "هيرودوت" إلى وصف الاحتفالية الجنائزية من خلال ما شاهده في مصر قائلاً: يأتي كهان المنطقة في جزيرة فيلة كل يوم يملأون الجرار التي تحيط بمقبرة "أوزوريس" باللبن وعددها 36 جرة، ثم يصطفون حولها وهم يغنون ويرتلون أغنيات جنائزية .
أما عن الآلات الموسيقية التي كانت يعزف بها في هذه المواكب مثل البوق وهو آلة نفخ كانت تصنع من قرون الحيوانات .
وقد وصف "ديودور الصقلي" طقوس إحدى الجنازات لأحد ملوك العصر القديم، حيث أشار إلى أن الحداد بلغ 72 يوماً، حيث يجتمع الناس يومياً مرتدين زياً أبيض واصفين محاسن ذلك الميت وفضائله، وقد أورد عدودة كانت ترتلها إحدى بناته تقول فيها:
أغني لك يا أبي مولولة أغنية حزينة
وأنت راقد هكذا تحت الثرى
أكرس نفسي لرثائك دوما
بهذه الطريقة كل يوم
وفي العصور التالية لذلك ظهرت "النائحة"، التي تجيء لتعدد بحيث تجلس في وسط بيت المتوفى من أول حالة الوفاة، مروراً بالغسل حتى الدفن، ومن العديد المعروف في ريف مصر:
كام ياغسال تدهيني؟
تخلع هدوم الزين وتديني
كام ياغسال ترجفني؟
تخلع هدوم الزين وتحدفني
ولا تنزلوني القبر بالعاصي
حالق جديد لا تعكسوا راسي
ولا تنزلوني القبر بالهمة
لابس جديد لا تعكسوا العمة
وهذه العادة ليست وليدة العصر الحديث بل لها جذور في العصر الفرعوني القديم .
وإن تنوعت لغة "العديد" عبر تنويعات زجلية تتوارثها الأجيال، ومنها هذه العدودة:
"ياعود طري وانكوى
ميل ومال ع الأرض
امبارح كان في وسطنا
والليلة تحت الأرض
ومن النماذج التي يرددها المشيعون قولهم في بعض قرى الريف المصري:
يا قبر جايلك شاب زين
خايل في لف العمامة
علشان خاطر نبينا الزين
يا رب تغفر له يوم القيامة"
أما جنازات الأقباط فلها خلفيات ثقافية، وهي أيضاً مختلفة ومتنوعة في طقوسها، فبعض العائلات تكتفي بالترانيم التي تلقيها الشماسة، التي تردد كأناشيد، أما الأغنياء فيدمجون الترانيم بالألحان الجنائزية من خلال تأجيرهم عازفين ومنشدين محترفين .
وهناك "القداس الجنائزي"، الذي تردد فيه النصوص المأخوذة من الكتاب المقدس، وألحانه مأخوذة من ألحان صلوات الفجر والغروب .