أبوظبي -منّي بونعامه:
تشكّل تجربة الكاتب والروائي الراحل نجيب محفوظ علامة فارقة في تاريخ الرواية العربية الحديثة، نظراً لما تتسم به من فرادة وتميّز في اللغة وسلاسة في الأسلوب، وبعد عن الإغراق في الغموض والإبهام، وقرب من القارئ، وقدرة فائقة على الوصف والتعبير عن طبائع الشخصيات والأمكنة والأشياء، وطرح ومعالجة مختلفة القضايا الإنسانية والاجتماعية والسياسية والثقافية، وإلى هذه السمات والخصائص يشير عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين في شهادته حول تجربة محفوظ بقوله: "إن روعة قصص نجيب محفوظ تأتي من لغتها، فهي لم تكتب في اللغة العامية المبتذلة، ولم تكتب في اللغة الفصحى القديمة التي يشق فهمها على الناس، وإنما كتبت في لغة وسطى يفهمها كل قارئ لها مهما كان حظه من الثقافة، ويفهمها الأميون إن قرئت عليهم، وهي مع ذلك لغة فصيحة نقية، لا عوج فيها ولا فساد، وقد تجري فيها الجملة العامية أحياناً حين لا يكون منها بد فيحسن موقعها، وتبلغ منك موقع الرضا" .
لقد استطاع نجيب محفوظ من خلال تجربته الرائدة تطويع اللغة العربية الفصيحة في البناء السردي والمزاوجة بينها وبين المحكية العامية ببراعة لافتة وبخاصة في الحوار السردي الذي كان يؤسسه ويؤثثه باللهجة العامية لقدرتها الفائقة على التواصل مع القارئ وتوصيل المعنى المراد بسهولة ويسر، وعلى امتداد التجربة السردية عند محفوظ وما عرفته من تطورات ومنعرجات مهمة كان للغة الفصيحة الواضحة والمعبرة صولات وجولات في أعماله بدءاً برواياته التاريخية "عبث الأقدار" ،1939 و"رادوبيس" ،1943 و"كفاح طيبة" ،1943 ثم الواقعية التي تعالج الواقع وما يدور فيه من قضايا اجتماعية وسياسية تتعلق بمصر الحديثة حتى قيام ثورة 23 يوليو عام 1952 مثل "القاهرة الجديدة" ،1945 و"خان الخليلي" ،1946 " زقاق المدق" ،1947 و"السراب" 1948 و"بداية ونهاية" ،1949 وثلاثيته المشهورة "بين القصرين" ،1956"السكرية" ،1957 "قصر الشوق" ،1957 وانتهاء بأعماله التي تنحو نحو "التجريد الفكري"، أو الاتجاه الفلسفي والتعبيري، وهي: "أولاد حارتنا" ،1959 و"اللص والكلاب" ،1961 و"السمان والخريف" 1962 و"الطريق" ،1964 "الشحاذ" ،1965 "ثرثرة فوق النيل" ،1966 و"ميرامار" 1967 .
وبالرغم من اختلاف السياقات الثقافية والفكرية والفلسفية والوجودية التي دار في فلكها السرد الروائي عند محفوظ إلا أن ذلك لم يجعله ينزع إلى الغموض، أو يبتعد عن القارئ الذي اعتاد على لغته الواضحة، وأسلوبه السلس، كما لم تحد أعماله الأخيرة عن المسار نفسه، وبخاصة أعماله التي أنتجها خلال السنوات الأخيرة، والتي كان آخرها "أحلام فترة النقاهة" ،2004 وهي تتسم في مجملها بطابع صوفي واضح، لذلك فقد اهتم عدد من الباحثين والدارسين بدراسة البعد اللغوي أو الظاهرة اللغوية في تجربة محفوظ من أجل إبراز ما تنطوي عليه من جماليات في اللغة، ومن هذه الدراسات الدراسة التي أعدها الأكاديمي المصري الدكتور طارق سعيد شلبي، أستاذ البلاغة والنقد في كلية الآداب في جامعة عين شمس، تبحث الدراسة في التحليل اللغوي للنص الروائي عند محفوظ، وتستقصي تجليات دور الظاهرة اللغوية من خلال انتخاب عمل من أعماله السردية وهي روايته "خان الخليلي" .
تتألف الدراسة من قسمين: الأول بعنوان ظواهر مفردة، ويضم أربعة مباحث، يتناول الأول البعد الصوتي في الرواية وعنوانه أصوات وأصداء، ويناقش في المبحث الثاني فاعلية التضاد، ويتحدث في المبحث الثالث عن الاعتراض، وفي المبحث الرابع عن جدل الفصحى والعامية . أما القسم الثاني فقد ركز فيه المؤلف على الدرس التطبيقي المتكامل الذي يتجاوز الطابع الجزئي الغالب على سابقه، ويشتمل على ثلاثة نماذج، الأول والثاني منهما مأخوذان من الرواية، بينما يركز النموذج الثالث على رواية "بداية ونهاية" .
هذه الدراسة وغيرها الكثير تلقي أضواءً كاشفةً على البناء اللغوي أو الظاهرة اللغوية في سرد نجيب محفوظ بوصفها قيمة جمالية اتكأ عليها في مجمل أعماله، كاشفة، من خلال البحث والدراسة اللغوية العميقة عن ملامح الظاهرة وأبعادها وما ترتكز عليه من ظواهر صوتية في النص الروائي من تكرار للصوت المفرد، والسجع والجناس، والإيقاع المستمد من التراكيب، ثم تقاطع هذه الظاهرة مع اللهجة العامية التي استخدمها محفوظ في الحوار السردي في بعض كتاباته الروائية .